شريف محيي الدين إبراهيم - مجلس العابرين...

في ليلة صيفية خانقة، بعد ندوة خافتة الحضور، كنت أرتّب أوراقي بيدٍ ثقيلة، والقلم يتثاءب بين أصابعي كمن يتهيأ للسقوط، كأن الحبر نفسه يعرف أن السطور الآتية ليست من هذا العالم. غلبني النعاس، فوجدت نفسي أمام قاعة أعرفها، بابها نصف مفتوح، كأنه يشير إليّ بإصبع من نور ويهمس: تعالَ… فقد آن وقت العبور.

دخلت… الضوء يتسلّل من مصابيح عالية، يراقب بحذر، كأنها حراس أسرار قديمة لا تُقال إلا لمن أُذن له بالدخول. الجدران تهمس بأسماء الذين مرّوا من هنا ثم غابوا، وأمام الطاولة المستطيلة وجوه أعرفها… أو كانت تعرفني في زمن آخر، زمن تلتقي فيه الأرواح قبل أن تلتقي الأجساد.

عبدالله هاشم في صدر المجلس، يراجع نصًّا لمحمد خيري حلمي، عيناه تلمعان بالصرامة، وصوته يوبّخه كأنه يقيم عليه حدًّا أدبيًا من حدود الحق القديم. صلاح بكر يجلس إلى جواره، يضحك في صمت، يخفي في عينيه سرًّا يخشى أن يتناثر في فضاء العالم السفلي.

أحمد مبارك يقرأ بصوت يفيض إحساسًا قصيدته "أمي كانت أميّة"، فتبدو الكلمات كأنها حبات ماء تتساقط على أرض عطشى، أو دعاء يخرج من صدر وليّ صالح. كمال عمارة يحكي عن مدينة بعيدة، وعن نظرية النقد الحداثية، كأنها مدينة من زجاج في ضباب، لا يراها إلا من جرّب السفر بلا خريطة.

هناك، د. رمضان الصباغ يفيض حديثًا عن نظرية الجمال، صوته يشبه نهرًا لا ينقطع منذ الأزل، وأنور جعفر يخطّ ملاحظات عن مسرح العبث والكوميديا الجادة، كمن يرسم خريطة لعالم لا يراه إلا مَن عبروا البرزخ بين الحقيقة والخيال.

عبدالنبي كراوية يمدّ لي فنجان قهوة تفوح منه رائحة الليل، وفي البخار العالق فوقه أشباح حروفٍ لم تُكتب بعد، ويسأل بابتسامة تختبر الذاكرة:
ــ هل نسيت قارئ الوجه؟
وعبدالفتاح مرسي يخرج غلافًا جديدًا لروايته المقطوع والموصول، ويخبرني أنه على وشك إصدار طبعة ثانية، وكأن النصوص أيضًا تعود للحياة بعد موتها.
وصلاح بكر، بعدما فرغ من سندوتش الكبدة، يبدأ حديثه عن الحواري العشوائية، ثم يغمز:
ــ لسه الدائرة ما اتقفلتش.

وفجأة، انفتح باب من زمن آخر، لا في الجدار ولا في السقف، بل في قلب الهواء نفسه، ودخل منه د. زكريا عناني، بهيبته الهادئة، وخطواته التي تسبق صدى نفسه، وعيناه تحملان ضوءًا يشبه ذاكرة البحر حين تلمسها الشمس في صلاة الفجر. عاد من الأندلس وموشحاتها، حيث كان يحاضر بالفرنسية التي يجيدها كترتيل قديم، ووضع يده على كتفي وقال بصوت خافت عميق، كأنه آتٍ من وراء سبع سماوات:
ــ احكِ عنّا يا شريف… نحن لا نموت ما دام الكلام يحملنا، فكل كلمة تنقذك من النسيان هي حياة جديدة لنا.

استيقظت، القلم ما زال بين أصابعي، والأوراق أمامي، ورائحة القهوة عالقة في الجو. وكان في الغرفة صمتٌ لا يخصّ الليل وحده، بل يشبه انتظار جملةٍ أخيرة، جملة كوصية، كأنهم مرّوا من هنا ليتركوها أمانة في يدي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...