المحامي علي ابوحبله - قمة ترامب – بوتين في ألاسكا: استعراض دبلوماسي أم إعادة تشكيل لموازين القوى؟

المحامي علي ابوحبله


جاءت قمة ترامب – بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس/آب 2025 كحدث استثنائي، ليس فقط لكونها أول لقاء مباشر بين الرئيسين منذ سنوات، بل لأنها وقعت في لحظةٍ فارقة يشهد فيها النظام الدولي تصدعاتٍ عميقة: حرب مستمرة في أوكرانيا، اضطراب جبهات الشرق الأوسط بين إيران ولبنان وسوريا، وحرب مدمرة على غزة تهدد بتغيير معادلات الصراع العربي – الإسرائيلي. ورغم الحفاوة البروتوكولية التي رافقت اللقاء، فإن حصيلته الفعلية لم تتجاوز حدود الاستعراض السياسي والإعلامي، دون نتائج عملية ملموسة.

البعد الأوروبي – الأوكراني

بالنسبة لأوكرانيا، كان الغائب الأكبر عن القمة هو الرئيس زيلينسكي، ما أضعف منطق الوساطة وحوّل المفاوضات إلى حوار ثنائي بين واشنطن وموسكو يتجاهل الطرف المباشر في الصراع.

بوتين خرج بصورة المنتصر المعنوي، إذ أعاد تثبيت نفسه لاعباً لا يمكن تجاهله رغم العقوبات ومحاولات عزله.

ترامب، من جانبه، لم يحقق اختراقاً في ملف وقف إطلاق النار، بل اكتفى بالحديث عن "تقدّم غير مكتمل"، ما يعكس إدراكه لصعوبة فرض تسوية على روسيا التي باتت تمسك بمفاتيح الميدان.

هذه الرسالة حملت صدى مقلقاً في أوروبا، التي ترى في استمرار الحرب نزيفاً استراتيجياً يهدد أمنها الطاقي والعسكري.

البعد الإيراني – السوري – اللبناني

القمة لم تنفصل عن حسابات الشرق الأوسط.

إيران قرأت اللقاء كإشارة إلى أن واشنطن باتت تميل إلى "إدارة" الصراع بدلاً من "حسمه"، ما قد يمنحها هامش مناورة أوسع في دعم حلفائها في المنطقة.

في سوريا، استمرار الغموض الأميركي إزاء مستقبل الوجود العسكري يفتح الباب أمام موسكو لتعزيز نفوذها، ويمنح النظام السوري جرعة دعم معنوي، خاصة مع شعور طهران بأنها ليست وحدها في مواجهة الضغوط الغربية.

أما في لبنان، فالمعادلة معقدة: حزب الله يراقب تطورات القمة باعتبارها مؤشراً على ميزان القوى الإقليمي، ويستشعر أن أي "صفقة كبرى" بين واشنطن وموسكو ستنعكس مباشرة على خطوط الاشتباك جنوب لبنان.

البعد الفلسطيني – الحرب على غزة

الحرب على غزة كانت الخلفية الصامتة للقمة.

موسكو حاولت إظهار نفسها كمدافع عن "الشرعية الدولية" وحق الشعوب في تقرير مصيرها، في مقابل الانحياز الأميركي التقليدي لإسرائيل.

ترامب، الساعي لإعادة بناء صورته كـ"رجل الصفقات"، لم يطرح أي رؤية واضحة لوقف المأساة الإنسانية في غزة، مكتفياً بالتركيز على الملف الأوكراني.

النتيجة أن الفلسطينيين خرجوا من القمة دون أي مكسب سياسي، فيما عززت إسرائيل شعورها بأن أولويات واشنطن لا تزال تصب في إطار دعمها الاستراتيجي دون ضغوط حقيقية.

انعكاسات استراتيجية

القمة حملت ثلاث دلالات رئيسية:

1. بوتين ربح زمنياً ورمزياً: استطاع تثبيت مكانته كشريك لا غنى عنه، وكسب مساحة إضافية في أوكرانيا والشرق الأوسط.

2. ترامب ربح إعلامياً وخسر عملياً: قدم مشهداً دبلوماسياً ضخماً، لكن دون نتائج ملموسة، ما قد يضعف صدقيته كوسيط دولي.

3. الشرق الأوسط في عين العاصفة: استمرار الحروب في غزة وسوريا واحتمال توسع الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، كلها ملفات تستفيد موسكو من إبقائها مفتوحة كورقة ضغط على واشنطن.

خاتمة

إن قمة ألاسكا لم تُنهِ حرباً ولم تُطلق مسار سلام، لكنها جسّدت التحوّل في طبيعة النظام الدولي: من سعي لتسويات كبرى إلى إدارة صراعات مفتوحة. وبقدر ما خرج بوتين بمكاسب رمزية، خرج الشرق الأوسط – من غزة إلى بيروت ودمشق وطهران – بخسارة مضاعفة، إذ بقي رهينة لعبة الأمم بين واشنطن وموسكو. إن أخطر ما في القمة أنها قد تعيد إنتاج معادلة "الهدوء مقابل الوقت"، حيث يربح الكبار على الطاولة بينما تستمر الحروب والنزاعات على الأرض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...