.
1-
الصديق العزيز سميح
تكرار سؤالك “هل كتابة الوجع كمثل الكتابة عنه؟” يلد فعلا أسئلة كثيرة، ربما أصعب من أن تحسم بإجابات نهائية.
فهل المقصود عتب مبرر على شركاء الدم والمصير ؟
أم إحساس دفين بالخذلان والتقصير ؟
أم ربما، عن لا وعي بتأكيد تفوق الألم الغزي على سواه من الألم الفلسطيني وخشية من التنافس على ألم لا يضاهى ، فيما الحقيقة أن الألم المتواصل منذ اكثر من قرن لم يستثن فلسطينيا، ويتناوبون جميعا على اختبار شدته : فلسطينيو الجزء المحتل منذ العام 1948، اللاجئون داخل الوطن وخارجه، القابعون تحت الاحتلال اللاحق في قطاع غزة، والقدس والضفة الغربية، المشتتون في بلاد الاغتراب.
جميعهم واجهوا الإبادة والمحو والتهجير والإقصاء والاعتقال في مراحل مختلفة منذ تعرضت فلسطين للغزو الاستعماري الغربي الصهيوني في مطلع القرن الماضي.
وعليه كل فلسطيني يكتب الوجع أو يكتب عنه سواء . لأن الابادة المحتدمة في قطاع غزة ومخيمات الضفة منذ عامين تستحضر ذاكرة الإبادة واللجوء والقهر الذي اختبره الفلسطينيون جميعا حتى ولو لم تتزامن .
ربما الأهم من قياس عمق الألم بقدر البوح به وتسجيل شدته، توجيه الجهد لتعرية المتسبّبين فيه: من العدو أولا، ثم من ذوي القربى، ثم من هذا العالم الظالم الذي يتواطأ بالصمت؟
الكتابة من داخل غزة وظيفتها أن تكون الصرخة المباشرة في وجه الموت، وأن تحمي ذاكرة الناس والمكان من المحو. هي كتابة توثيق ومقاومة ودم ودمع ساخن.
أما الكتابة من الخارج فوظيفتها مكمّلة: فضح العدو، وكشف كل أسباب العطب البنيوي الذاتي الذي جعل الإبادة ممكنة: التواطؤ، التقصير، الخذلان، الصمت.
بهذا المعنى، لسنا أمام كتابة “عن قرب” وأخرى “عن بعد”، بل أمام فعلين متكاملين في مواجهة مشروع واحد يريد أن يقتل الحقيقة كما يقتل الجسد.
ولعل الجواب الأعمق على سؤالك أنّنا، أينما كنا، مدعوون لكتابة نصّ الحياة في مواجهة نصّ الموت، نصّ الذاكرة في مواجهة المحو، نصّ الإنسان في مواجهة البشاعة.
دمت صوتا يوسّع معنى الكتابة ويذكّرنا بمسؤوليتنا جميعا أمام التاريخ.
غانية
***
2-
- رسالة سميح محسن
الصديقة العزيزة غانية
أشكرك جزيل الشكر على هذا التحليل العميق والرؤية النافذة التي قدمتها رداً على سؤالي. لقد أضاءت كلماتك زوايا كثيرة في هذا النقاش الضروري والمؤلم.
أتفق معك تماماً في أن الوجع الفلسطيني واحد وممتد، يتناوب على أجسادنا وأرواحنا جميعاً منذ أكثر من قرن. وصياغتك لفكرة "تناوب الجميع على اختبار شدته" هي توصيف بليغ ودقيق يرفض أي محاولة، واعية أو غير واعية، لخلق تراتبية للألم. فذاكرة الإبادة والقهر هي ذاكرة جمعية لا يستثنى منها أحد.
كما أتفق معك في نظرتك إلى تكامل الأدوار بين الكتابة من الداخل والكتابة من الخارج. بالفعل، فالكتابة "عن قرب" والكتابة "عن بعد"، فعلان متكاملان في مواجهة مشروع الموت والمحو. إحداهما صرخة الروح تحت القصف، والأخرى هي صدى هذه الصرخة الذي يجب أن يهدم جدران الصمت والتواطؤ العالمي. كلاهما ضروري، وكلاهما مقاومة.
لقد وضعتِ السؤال في سياقه الأهم: توجيه الجهد نحو تعرية الجلّاد ومن تواطأ معه، بدلاً من الغرق في قياس الألم. وهذا هو جوهر المسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعاً.
ختاماً، فإن دعوتك لكتابة "نص الحياة في مواجهة نص الموت" هي البوصلة الأعمق لنا جميعاً، أينما كنا. شكراً لأنك وسّعت أفق الحوار ومنحت سؤالي هذا العمق.
سميح محسن
=========
3- رسالة سميح محسن
صديقتي العزيزة د. غانية ملحيس Ghania Malhees
كأنّنا اليوم، د. عادل الأسطة Adel Al-osta، أنتِ وأنا، نعزف على آلة موسيقية واحدة، حيث أمسكنا بالنايّ، وعزفنا صدى ما كتبه أحبابنا في غزّة عن رثاء بيوتهم، بهذا الإحساس المسكون بالحزن والوجع...
بالحرارة التي كتبوا بها تكتبين إلى اكرم الصوراني، ولعلّ تجربة فقدان البيوت التي عشناها تجعلنا نتمثّل أوجاعهم، ونجسدها بحبر ينزف على الورق...
ذكّرتكِ ما كتبه أكرم بتجربتك في بيروت، وفي زمن حرب أيضا، وذكرني ما كتبتيه بتجربتي عندما فقدت بيتي المستأجر في الكويت عام 1990/1991، وفي زمن حرب أيضًا...
لقد كتبتُ قصيدة عن تلك التجربة آنذاك، وتضمنتها مجموعتي الشعرية الثانية "الممالك والمهالك"...
بعد خمسة وثلاثين عامًا، أحاول إعادة تشكيل الصورة التي كانت. الحياة، الشباب، الحلم، الاندفاع حتّى التطرف، بناء المكتبات، سهرات الأصدقاء، ولادة البنات والأبناء، ولادة القصائد، فتح صندوق الاشتراك في الصحف، الإصرار على القفز عن الصفحات لرؤية ما رسمه الشاهد الشهيد ناجي العلي قبل قراءة المانشيت الرئيسي، أو البحث عن قصيدة أو مقال لنا...
تقبلي مروري صديقتي العزيزة مع محبتي وتقديري
سميح محسن
2/9/2025
///
4-
صديقي العزيز سميح
ما أصدق العزف على وتر الذاكرة، وما حملته من وجع وأمل في آن واحد. كلماتك يا سميح أضافت لرسالتي إلى أكرم الصوراني نفسا آخر من الشهادة على معنى الفقد الذي يطاردنا في كل زمن حرب، وفي كل مدينة عبرناها حاملين بيوتنا في القلب.
لقد التقت تجربتك في الكويت مع تجربتي في بيروت، كما التقت مع أوجاع أهلنا في غزة، وكأن البيوت التي فقدناها هناك وهنا لم تكن جدرانا فحسب، بل كانت أحلاما معلقة وأياما لا تنسى، وذاكرة ما تزال حية رغم الرماد.
أقدر كثيرا استدعاءك لقصيدتك ولحياتك في ذلك الزمن، وكيف يبقى الشعر ملاذا يوثق ويعيد تشكيل الصورة مهما تقادمت السنوات.
محبتي واحترامي الكبير لك، مع امتناني لهذه المشاركة التي جعلتنا نعيد العزف معا على الناي ذاته.
غانية ملحيس
2/9/2025
///
5-
الصديق العزيز سميح،
قرأت مقالك “مقابر دون شواهد” وكأنني أقرأ مرثية حيّة مكتوبة بدم الشهداء وبأصوات الذين لم نتمكّن حتى من توديعهم أو التعرف على مقابرهم. لقد لامست في كلماتك عمق الجرح الفلسطيني المفتوح منذ أكثر من قرن، والمتجدد منذ 696 يومًا، فحوّلت الغياب إلى حضور، والخراب إلى شهادة تاريخية تفضح القتلة وتؤرّخ لفداحة ما جرى.
التقطتَ يا سميح ببراعة لافتة تلك المفارقة القاسية بين مقابر بلا شواهد و”الهمّ” الحقيقي للضحايا وأهاليهم، وبين “الهموم” الأخرى للقادة والسياسيين والمقاولين وتجار الحروب.
إن هذا التمييز الصادق بين وجع الناس اليومي، الذي سيتعاظم في اليوم التالي حين تتكشف فصول المأساة، وبين التنافس على الصفقات في “اليوم التالي” بين الساسة وتجار الحروب، يعكس حرصك على أن تبقى الكلمة شاهدة على الحقيقة في وجه كل أشكال التزييف.
ما كتبته ليس مجرد مقالة، بل شهادة أمانة وصرخة في وجه النسيان، ورسالة بليغة بأن كرامة الأحياء لا تكتمل إلا بكرامة الشهداء، وأننا جميعا مسؤولون عن حفظ الذاكرة في زمن يراد فيه طمسها.
لك محبتي وتقديري العميق
غانية ملحيس
1/9/2025
///
6-
الكتابة من بيت النار، والكتابة عنه
Ghania Malhees
الصديقة العزيزة د. غانية
شكرًا كبيرة على اهتمامكِ بما نشرتُه اليوم (مقابر دون شواهد) وتعليقك العميق، وإضاءاتك المنيرة والمستنيرة عليه.
في تعليقاتنا المتبادلة، الصديق العزيز د. عادل الأسطة Adel Al-osta وأنا، لاحظنا منذ بداية العدوان الوحشي على قطاع غزّة، بكل صوره وأبعاده وتجلياته، استنكاف عدد من مثقفينا وكتّابنا عن الكتابة عن المقتلة. ولا أخفي عليكِ أنّ هناك حالة تشفّي، وهي مستمرة حتى الآن للأسف الشديد، بالضحايا. هناك خلط غبيّ بين تصفية حسابات سياسية داخلية وبين شعب، هو شعبنا الأصيل، يتعرض لكلّ أشكال هذه الإبادة الوحشية على مدار دقائق ستمائة وستة وتسعين يومًا، وبشكل متواصل.
في الثامن عشر من يوليو (تموز) نشرت رسالة للصديق الشاعر الشّاب جواد العقاد في خانيونس، وبعد أن كتب ردّا عليها، واصلنا تبادل الرسائل. وبعد حين بدأ الرفيق وليد العوض بكتابة رسائل لنا، وحتى صباح هذا اليوم (الاثنين 1أيلول) ما زال تبادل الرسائل بيننا مستمرًا. وقد شارك في كتابة تعليقات ومداخلات وإضاءات عليها العديد من الصديقات والأصدقاء.
لماذا هذا التقديم؟!
مرّات عديدة توقفنا أمام أسئلة جارحة كان أولها ما جدوى الكتابة عن صورة أقوى من الكلام؟! وهل نكتب أم نصمت؟! وإذا كتبنا من هنا هل يكون نصّنا أقرب تعبيرا وصدقًا وحرارة من النّصِ الذي يكتبه زملاؤنا هناك؟! واليوم أضاف الصديق د. عادل ملاحظة إشكالية بأنّ هناك كتّابا مع، وآخرين ضد السابع من أكتوبر، وهنا لا بدّ وأن ترضي كتاباتنا بعضهم، وتغضب آخرين. ورغم هذه الملاحظة الإشكالية يظلّ سؤال الكتابة حاضرًا.
نحن لم، ولن ندخل حلبة المبارزات!! بل والمهاترات السياسية. نحن ننطلق من أرضيات ثقافية وأدبية مسلحين برؤى سياسية وفكرية وأيديولوجية، وبوصلتنا واضحة الاتجاه، وانحيازنا الدائم لدافعي فاتورة الدم والألم، وعن هؤلاء نكتب مدافعين عن مصالحهم وطموحاتهم وأحلامهم، ومعبّرين عن أحزانهم وأوجاعهم. وعندما نكتب عن هؤلاء فإننا نكتب أيضًا ضدّ من يقف على النقيض، سواءًا كان العدو الواضح، أو الأعداء المتخفية وجوههم خلف الأقنعة.
للأمانة العلمية عندما كتبت عن الشهداء جاءت كتابتي كتعليق على ما كتبه الرفيق وليد العوض عن الإنسان النبيل والشهم والشجاع أحمد عادل ظاهر (وهو منشور على صفحتي، كما نشر د. عادل ما كتبه أحمد على صفحته). وبعد نشر تعليقي عدت إلى مقال نشرته بتاريخ 10 شباط (فبراير) 2024 بعنوان (عن اليوم التالي لوقف العدوان) واجتزأت منه الجزء الذي تشرفت بتعليقك عليه.
بعد هذا السرد الذي قد يبدو طويلا، هل علينا أن نبحث عن إجابة حول جدوى الكتابة؟ أم علينا أن نواصلها طالما رؤانا واضحة، واتجاه بوصلتنا ثابت، وضميرنا حيّ ويقظ، وانحيازنا دائما لدافعي فاتورة التضحية والفداء؟
الإجابة أتت من عندك عندما كتبتِ في تعليقك أن التمييز الصادق بين وجع الناس اليومي، الذي سيتعاظم في اليوم التالي حين تتكشف فصول المأساة، وبين التنافس على الصفقات في “اليوم التالي” بين الساسة وتجار الحروب، يعكس حرصنا على أن تبقى الكلمة شاهدة على الحقيقة في وجه كل أشكال التزييف.
مع صادق المحبة والتقدير والاعتزاز
سميح محسن
نابلس
1 أيلول (سبتمبر) 2025
///
7-
الصديق العزيز سميح محسن
أشكرك على ردك الدافئ والغني، الذي يضيء أكثر على عمق السؤال الذي شغلنا جميعا منذ اليوم الأول للعدوان: أَنكتب أم نصمت أمام هول يفوق اللغة؟
أوافقك تماما أن الكتابة ليست ترفا ولا تمرينا على البلاغة، بل هي موقف وانحياز، وهي شكل من أشكال المقاومة التي تبقي الضمير حيا، وتؤكد أن الدم الفلسطيني ليس مجرّد رقم في نشرات الأخبار. لقد عبّرت بوضوح عن معضلة بعض المثقفين الذين اختاروا الصمت أو أسوأ من ذلك: التشفّي، وكأن تصفية الحسابات السياسية يمكن أن تبرّر التغاضي عن دماء الأبرياء. هنا تكمن خطورة الكلمة حين تستخدم ضد أصحابها، لا معهم.
إن سؤال جدوى الكتابة يجاب عنه من غزة نفسها: من أولئك الذين، رغم الركام، يواصلون كتابة رسائلهم اليومية بأجسادهم وأحلامهم. ولعل أصدق ما نقوم به نحن هنا أن نبقي هذه الرسائل متدفقة، وأن نمنحها أجنحة تتجاوز حدود الحصار.
أنت محق تماما: لسنا في حلبة مبارزات ولا في سوق للمزايدات. نحن نكتب بضمير واضح، وبوصلة ثابتة، وانحياز لا التباس فيه لأصحاب الحق وحراس الذاكرة. لذلك تصبح الكتابة فعل وفاء بقدر ما هي فعل مقاومة، وذاكرة بقدر ما هي أداة مساءلة.
ممتنة لك يا صديقي على محاورتك الصادقة، وأعتز بهذا التبادل الذي يذكرنا دوما أن الكلمة، مهما بدت عاجزة، قادرة على أن تحفظ الحقيقة من الغرق في النسيان.
غانية ملحيس
1/9/2025
=========
8- رسالة جديدة من سميح محسن إلى غانية ملحيس
عن سؤال جدوى الكتابة اليوم (1/2)
إلى الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس
Ghania Malhees
لم يكن سؤال "جدوى الكتابة" مطروحا على المثقف والكاتب الفلسطيني كما هو مطروح عليه اليوم. لم نواجه هذا السؤال منذ النكبة، فقد انخرطت الأجيال الأدبية في الهم الفلسطيني العام انخراطا طوعيّا مؤسَّسا على دور الكاتب في الانتصار لقضية شعبه، والدفاع عن مصالحه، وتبني أحلامه في التحرر والخلاص من الاحتلال. لعقود ماضية ظلّت القضية الفلسطينية همّا وهوية وذاكرة ليس لدى الكتّاب والأدباء الفلسطينيين وحسب، بل ولدى النخب الثقافية على امتداد الجغرافيا العربية، وتخطتها للجغرافيا الكونية.
طغى سؤال "جدوى الكتابة" على السطح في السنتين الأخيرتين. طرح هذا السؤال أولائك المسكونون بالهمّ الوطنيّ، وجاء طرحه من باب هل تملك اللغة قدرة على وصف معاناة الناس في زمن حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا في قطاع غزة؟ وهل يمكن لها أن تكون أقوى من الصورة بلاغة وتأثيرا؟ وكان السؤال الأكثر إلحاحا: هل نكتب أم نصمت؟! لقد وصف الصديق الشاعر جواد العقّأد في إحدى مراسلاتنا الصمت بالخيانة!
منذ بداية العدوان الوحشي على قطاع غزة واجهنا هذا السؤال، ولاحظ عدد منّا غياب أصوات أدبية فلسطينية بشكل واضح وفاضح، وكتب الصديق الكاتب والناقد د. عادل الأسطة Adel Al-osta عن هذه الظاهرة في وقت مبكّر. لم يكن هذا الغياب مرتبطًا بسؤال "جدوى الكتابة" وإنما بأسباب أخرى. كان عدد منا، وما يزال، على تمّاس يوميّ مع الأحداث في غزّة، ومع ما يكتبه الأصدقاء والصديقات هناك، وفي الأسابيع الأخيرة خضت تجربة كتابة الرسائل مع أصدقاء ورفاق لي في القطاع، وعلى وجه التحديد مع الرفيقين الشاعر جواد العقاد والكاتب والناشط السياسي وليد العوض، وكان سؤال جدوى الكتابة حاضرا. وفي الأيام الأخيرة تبادلنا الكتابة، الصديقة غانية ملحيس وأنا حول هذا السؤال.
الكتابة في زمن الإبادة: جدوى الكلمة أمام الموت
تحت هذا العنوان كتبت الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس مقالا هامّا وصفت فيه الكتابة في زمن الحرب بأنّها "شاهدة على الإنسانية، وفعل مقاومة وضمير حي". وأضافت أنّ "الكتابة ليست ترفا، وليست تمرينا بلاغيا على زخرفة الحروف. إنها موقف وانحياز ومقاومة ثقافية. ورسالة تذكّرنا أن الدماء التي تراق، والضحايا التي تباد ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل حياة كاملة تسفك ظلما... بهذا المعنى، فكل مقال، أو نص شعري، أو رسالة توثق الأحداث، وعد مضاد للنسيان، وحفظ للحقيقة، وإشعال ضوء الوعي في أعمق الظلمات.. وفي المقابل، فإن الصمت أو التغاضي عن الجرائم، أو التشفّي باسم الحسابات السياسية يعد خيانة أخلاقية للكلمة وللشعب وللحقيقة نفسها. فالكتابة هنا تتجاوز حدود التعبير الفني أو البلاغة، لتصبح أداة لمواجهة الظلم، وسلاحا يوازي في أثره الرمزي فعل المقاومة في الميدان".
وفي "خربشاته" اليومية، أورد الصديق د. عادل الأسطة مقطعا شعريّا للشاعر محمود درويش من قصيدة "أبد الصبّار" وجاء في السطر الأخير من الاقتباس: "سوف تكبر يا ابني ، وتروي لمن يرثون بنادقهم سيرة الدم فوق الحديد ... ". هل هذا الاقتباس تأكيد على ضرورة الكتابة عن الحدث اليومي من باب توثيقه فقط، أم أنه كشكل من أشكال حفظه لينتقل إلى الأجيال القادمة في إطار التأثيث لتكوين الذاكرة الجمعية؟
زمن الأسئلة الشائكة
لم يكن سؤال "جدوى الكتابة" مطروحا فيما مضى، ولم يكن الكاتب الفلسطيني ينتظر دعوة من أحد كي يكتب، بل كانت الكتابة عن الهمّ العام خيارا ذاتيا. لقد خلقت اتفاقيات أوسلو عام 1993 تحولات جذرية في بنية الأدب الفلسطيني وموضوعاته. فبعد عقود من شيوع خطاب المقاومة والثورة الذي وحد الصوت الأدبي في مواجهة الاحتلال، دخل الأدب الفلسطيني مرحلة جديدة اتسمت بتعمق الذاتية، ونلاحظ هنا تراجع الخطاب الأدبي المباشر الذي يركز على المقاومة كفعل جماعي، وظهرت بدلاً منه سرديات أكثر فردانية وتشظياً، وتحول الاهتمام من "نحن" الجماعية إلى "أنا" الفردية.
لقد شهدت سنوات ما بعد أوسلو تحديات عديدة، إلا أنّها لم تصل في وحشيتها إلى ما هي عليها اليوم. نحن نقف أمام أقسى محاولة للنفيّ خارج الجغرافيا والتاريخ، أمام طمس الهوية والإلغاء، ففي السابق كنّا نقول: "إما نحن وإمّا هم"؛ واليوم هم يستخدمون هذه العبارة، وهم من يملكون الآن القوة الغاشمة والطاغية. فماذا نملك نحن؟ وإلى متى سيستمر "حق القوة"! على "قوة الحق"، وإلا أن تسود قوة الحق هل سنقف متفرجين؟
وظيفة الكاتب والمثقف العضوي
في مقالها تستعيد د. غانية دور الكاتب والمثقف العضوي حسب مفهوم المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي في رسائل السجن، وتقول: "هنا تبرز وظيفة الكاتب والمثقف العضوي، الذي لا يكتفي بالتشخيص أو التحليل من خلال المقالات، الدراسات، الأعمال الأدبية، والنشاط المجتمعي. بل يلتقط من الشعر والأدب والفنّ إشارات الحياة، ويحوّلها إلى وثائق مقاومة حيّة. إن مسؤوليته تتجاوز التنظير إلى بلورة رؤى وبرامج عمل، تستند إلى الحقوق الوطنية والتاريخية غير القابلة للتصرّف للشعوب في أوطانها".
يعرّف غرامشي المثقف العضوي بأنه "العنصر المفكر والمنظم" لطبقة اجتماعية أساسية، على عكس المثقف التقليدي الذي قد يبدو مستقلًا ومحايدًا ولكنه في الحقيقة يخدم استمرارية الوضع القائم، فإن المثقف العضوي مرتبط عضويًا بطبقة صاعدة، أو أي فئة تسعى لترسيخ وجودها وتأكيد مصالحها في المجتمع. لا تقتصر وظيفته على مهنة محددة، بل تتجلى في قدرته على منح طبقته وعيًا بذاتها، وتزويدها بلغة ومفاهيم وأيديولوجيا متماسكة تعبر عن رؤيتها للعالم وتبرر مشروعيتها التاريخية.
إن وظيفة الكاتب والمثقف العضوي هي وظيفة نضالية بامتياز. إنها تتطلب التزامًا عميقًا بقضايا الفئات المهمشة والمستضعفة، وشجاعة في مواجهة الفكر السائد، وقدرة على المزاوجة الخلاقة بين النظرية والممارسة، بين جماليات الأدب ومتطلبات التغيير. في زمن التحولات الكبرى، يظل دور المثقف العضوي، الذي يحول الكلمة إلى وعي والفعل إلى أمل، أكثر أهمية وإلحاحًا من أي وقت مضى.
وفي مقالها تعزّز الصديقة غانية هذا الرأي وتقول أنّ الكتابة "ليست فقط شهادة، بل فعل يغير الواقع، ويؤسس لمستقبل مختلف مرغوب. وبها يحيى الضمير ويصنع الأمل في أصعب اللحظات. هكذا تتحول الكلمات إلى أدوات فعل، تترجم المعاناة إلى قوة، والصمود إلى مشروع مستدام. والوعي إلى أدوات تنفيذية تغيّر الواقع وتعيد للبوصلة التحررية اتجاهها الصحيح".
فأين نحن اليوم من هذا المفهوم وتجلياته الكتابية، وبخاصة في زمن هذه المحرقة؟
سميح محسن
نابلس
4 أيلول 2025
-----------------------------
اللوحة الفنية من إبداع الفنان التشكيلي الفلسطيني الصديق والرفيق يوسف كتلو Katalo Yousef
///
9- رسالة جوابية من غانية ملحيس إلى
سميح محسن
الصديق العزيز سميح محسن
قرأت مقالك الغني بعناية، ووجدت فيه استرجاعا دقيقا للتاريخ وتحليلا ثريا لمسار الكتابة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال والنكبة وما تلاها من تحولات. لقد لمست بوضوح الحرص على ربط سؤال جدوى الكتابة بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية للمثقف الفلسطيني، وتأكيدك على أن الكتابة ليست مجرد توثيق، بل فعل مقاومة حيّ يترجم المعاناة إلى وعي معرفي، والوعي إلى أمل، والأمل إلى عمل، والفعل إلى مشروع مستدام.
صدقت تماما حين أشرت إلى التحول الذي طرأ بعد أوسلو على الخطاب الفلسطيني، من صوت جماعي مقاوم إلى سرديات فردية. وقد جاء استحضارك لمفهوم المثقف العضوي عند غرامشي ليضعنا أمام مسؤولية حقيقية: أن يكون المثقف والفنان والكاتب ليسوا مجرد مراقبين، بل عناصر فاعلة في بناء الوعي، وصياغة الأدوات الفكرية والسياسية التي تحمي الحق وتؤسس لمستقبل مغاير.
وأكثر ما لفتني في مقالك المهم تناول التحولات التي أحدثتها اتفاقيات أوسلو في الحقل الثقافي الفلسطيني بهذا العمق غير المسبوق. فقد سبق لبعضنا تناول تداعيات أوسلو وتسببها في تجزئة الوطن والشعب والقضية، وخلق الانقسامات السياسية والفصائلية، والتشظّي الذي عمّ الساحة الفلسطينية داخل الوطن وخارجه على الصعد كافة - السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنظيمية والإدارية-.
لكن تداعياتها الأخطر على الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي والدولي لم تبحث بعمق. وفي مقالك وضعت الإصبع على العطب الذي أصاب المثقفين الفلسطينيين، عندما وجدوا أنفسهم على مفترق طرق يفرض عليهم الاختيار بين المبادئ التي طالما تغنوا بها، وبين الحسابات والمصالح الشخصية التي باتت الغالبية منهم أسرى لها. وقد انعكس ذلك خلال العقود الثلاثة الماضية في ترويج البعض لما يُسمى ب “العقلانية” لتبرير الخضوع لموازين القوى شديدة الاختلال لصالح العدو. وللـ”واقعية السياسية” التي تفصل الحلول عن الحقوق. وتبيح مقايضة الوطن بدولة على خمس مساحته، وحقوق أكثر من 80% من الشعب الفلسطيني داخل عام 1948 واللاجئين داخل الوطن وخارجه بحقوق الثلث المقيم داخل المناطق المحتلة منذ العام 1967.
لم يكن سؤال جدوى الكتابة منذ أوسلو مطروحا، لانشغال غالبية المثقفين بالذات، فعلق البعض بالتاريخ وبأحداث النكبة، وانشغل آخرون بتجاربهم الشخصية، وبالاحتفاء بالمؤلفات والمهرجانات والتكريمات، التي تنامت بالتزامن مع تعاظم انفصال الإبداع والكتابة عن المأزق الوطني العام المتفاقم .
لقد نبهتني ملاحظتك الجوهرية حول تزامن طرح سؤال “جدوى الكتابة” مع حرب الإبادة.
وبإمعان التفكير وجدت ذلك غير معزول عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بجدوى المقاومة، وجدوى السلاح. هذه الأسئلة باتت تتردد بكثرة في الآونة الأخيرة، وتعكس إحساسا جماعيا بالعجز والانكشاف والعري الكامل أمام آلة القوة التدميرية القاهرة، ليس فقط على صعيد القوة المادية، وإنما على صعيد الوعي والفكر والمنظومة القيمية أيضا.
ما يضعنا أمام ضرورة تاريخية ملحة لإعادة تقييم الفعل الوطني، بما يشمل الكلمة والثقافة والكتابة والفعل معا في المجالات كافة. لإعادة بناء وعي جمعي فلسطيني متجدد قادر على مواجهة التحديات الراهنة وحفظ القضية من الضياع. أقله بمستوى ذاك الذي سبق انحراف البوصلة النضالية الفلسطينية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وضياعها كليا منذ أوسلو .
الكتابة، كما أشرت، هي السلاح الرمزي الذي يوازي المقاومة الميدانية، والضمير الحي الذي لا يسمح للنسيان أن يمرّ، والضوء الذي يواجه العتمة، والذاكرة التي تحفظ التاريخ من محاولات الطمس.
وفي زمن الإبادة، تتضاعف أهمية الكتابة والأدب والفن ، ويصبح كل مقال، وكل نص شعري، وكل رسالة، وكل رواية وكل فيلم، شهادة حية على الصمود، وأداة لتحرير العقول، وتثبيت الأمل.
شكرا لك على هذا المقال العميق، الذي يربط بين النظرية والممارسة، بين الوعي والفعل، ويعيد التأكيد على أن الكتابة الفلسطينية كانت وستبقى جزءا اساسيا من المقاومة، وجسرا نحو غد أفضل.
غانية ملحيس 4/9/2025
================
10- رسالة من غانية ملحيس إلى سميح محسن وعادل الأسطة
الأصدقاء الأعزاء عادل وسميح،
أتابع بإعجاب كبير هذه المراسلات الغنية والمضيئة حول سؤال “جدوى الكتابة اليوم”، وأرى فيها درسًا حيا في معنى الكلمة الفلسطينية في زمن الإبادة.
ما أورده عادل عن جذور سؤال “جدوى الكتابة” منذ عام 1977 في قصائد محمود درويش، وعودته في حرب بيروت 1982، يوضح أن هذا السؤال ليس جديدا، بل يُثار أساسا في زمن العدوان، وفي مواجهة العجز أمام جبروت القوة وهول الدمار والقتل.
وتعود الأسئلة الملحة حول جدوى الكتابة، التي توارت بعد أوسلو حين أخذ الخطاب الأدبي الفلسطيني منحى أكثر فردانية، واختفى إلى حد كبير طابع المقاومة الجماعية في الكتابة. لتفرض نفسها مجددا خلال الحروب التي تتابعت على غزة منذ انقسام النظام السياسي الفلسطيني، حين تُركت غزة وحيدة في مواجهة ويلاتها في سياق تصفية الحسابات السياسية. ما دفع الغزيين خصوصا للتساؤل عن جدوى الكتابة بعد أن تخلى عنهم الأهل وذوو القربى. وعاد السؤال ليطفو بقوة بعد طوفان الأقصى والإبادة للإنسان والمكان والتاريخ والذاكرة المتواصلة منذ 700 يوم في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية.
غير أن السؤال حول جدوى الكتابة هذه المرة، وإن تشابه في تعبيره عن العجز أمام القوة، يختلف جوهريا لترافقه مع أسئلة جدوى المقاومة والسلاح.
ففي الوقت الذي لم يعد الصمت عجزا فحسب، كما عبّر عنه درويش عام 1977 و1982. أصبح اليوم خيانة وتواطؤا، ما يضاعف أهمية وجدوى الكتابة كفعل مقاومة، وحفاظ على الذاكرة الجماعية، ورفضا لطلب الاستسلام الذي بات يشترك فيه بعض الفلسطينيين والعرب مع العدو ورعاته الإقليميين والدوليين.
ما أوردتموه عن الكتابة من بيت النار، وعن أصدقائنا في قطاع غزة، الذين كتبوا وسط الركام والدمار، يثبت أن الكتابة هي فعل مقاومة حيّ، وضمير مستيقظ، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة من الطمس والنسيان.
والقصص التي تذكرونها عن نعمة حسن، جواد العقّاد، شجاع الصفدي، عمر حمش، ويسري الغول وغيرهم، تجعل من الكتابة شهادة حية على الإنسانية، وتحوّل الألم الفردي والجماعي إلى قوة معنوية تعيد للبوصلة التحررية اتجاهها الصحيح. فالكتابة هنا ليست مجرد توثيق أو سرد، بل أداة لبلورة الوعي الجمعي، ولحفظ الحق، ولإشعال ضوء الأمل في أحلك الظروف.
ورغم أن السؤال عن جدوى الكتابة في ظل المذبحة الحالية على غزة يبقى حاضرا، إلا أنه يجد جوابه في هؤلاء الذين يكتبون بلا توقف، حاملين صوت المظلومين، ومواجهين آلة القتل بالكلمة والوجدان.
الكتابة في مثل هذا الزمن هي فعل نضالي حقيقي، لا يقل أهمية عن أي مقاومة ميدانية، لأنها تحفظ الإنسانية، وتثبت الذاكرة للأجيال القادمة، وتذكرنا أن الحق لا يموت مهما عظمت قوة الظالمين.
كل التقدير لكما
غانية ملحيس
***
11- رسالة من سميح محسن إلى غانية ملحيس
أسئلة تلامس عصب اللحظة الفلسطينية الراهنة
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس Ghania Malhees
قرأت رسالتك المعنونة للصديق د. عادل الأسطة Adel Al-ostaولي، وبالعناية التي تستحقها الكاتبة والكتابة. كما وقرأت بالعناية ذاتها ما كتبه أصدقاؤنا من تعليقات، والتي لطالما أعتبرها جزءًا من النص المكتوب. إن الصرخة التي حملتها رسالتك يجب أن لا تقتصر وجهتها نحو الكاتب فلسطينيّ الجنسية وحسب، بل والكاتب العربي، بل وأكثر والكاتب العالمي، وبخاصة بعد أن تكشّفت وحشية العدو، ومخططاته، إلى المحو والشطب، محو وشطب الشعب الفلسطيني كمقدمة لمحو وشطب شعوبنا ودولنا العربية في الجوار، وما هو أبعد.
في رسالتك الأخيرة استوقفتني عدة قضايا، وهي:
• الصمت لم يعد عجزا فحسب، بل أصبح اليوم خيانة وتواطؤا، ما يضاعف أهمية وجدوى الكتابة كفعل مقاومة، وحفاظ على الذاكرة الجماعية، ورفضا لطلب الاستسلام.
• بعد أوسلو أخذ الخطاب الأدبي الفلسطيني منحى أكثر فردانية، واختفى إلى حد كبير طابع المقاومة الجماعية في الكتابة.
• الكتابة فعل مقاومة حيّ، وضمير مستيقظ، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة من الطمس والنسيان.
• الكتابة ليست مجرد توثيق أو سرد، بل أداة لبلورة الوعي الجمعي، ولحفظ الحق، ولإشعال ضوء الأمل في أحلك الظروف.
تطرح رسالتك العديد من القضايا الفكرية والأدبية بالغة الأهمية في هذا الظرف الفلسطيني اليوم، وتلامس عصب اللحظة الفلسطينية الراهنة. هي صرخة المثقف ودعوته لاستعادة دور الكلمة في مواجهة واقع يزداد تعقيدًا وقسوة. فالقضايا المطروحة حول خيانة الصمت، وتحولات الخطاب الأدبي بعد أوسلو، وجوهر الكتابة كفعل مقاومة وحافظ للذاكرة، تشكل معًا خريطة طريق لفهم مسؤوليتنا الجماعية والفردية تجاه قضيتنا وهويتنا.
وفي ظل سياسات الطمس الممنهج ومحاولات تصفية الوجود الفلسطيني، تحول الصمت إلى فعل سلبي، إلى شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر. أن تصمت يعني أن تترك الساحة فارغة لرواية الآخر، وأن تقبل ضمنيًا بمحو ذاكرتك وتاريخك. من هنا، تكتسب الكتابة أهميتها القصوى كفعل مقاومة أساسي. إنها كسرٌ لهذا الصمت المدوي، وإعلان صريح بالوجود والرفض. كل كلمة تُكتب، وكل قصة تُروى، وكل قصيدة تُنشد، تعتبر معادلا موضوعيا للأرض التي يحاول المحتل مصادرتها، وهي تأكيد على أن هذا الشعب، رغم كل شيء، لم ولن يستسلم.
من الملاحظات الدقيقة في الرسالة هي أن الخطاب الأدبي الفلسطيني بعد اتفاقيات أوسلو قد اتخذ منحى أكثر فردانية، مبتعدًا عن السرديات الكبرى للمقاومة الجماعية التي سادت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لقد أدت اتفاقيات أوسلو إلى حالة من التشظي السياسي والجغرافي والاجتماعي، وانعكس هذا التشظي على الأدب، حيث انشغل الكاتب بهمومه اليومية، بتفاصيل الحياة تحت سلطة محدودة.
في مواجهة محاولات سرقة التاريخ والتراث، يصبح الأدب هو الحصن الأخير للذاكرة الجماعية. الرواية والشعر والقصة هم الذاكرة التي لا يمكن مصادرتها. الكتابة هي الوعاء الذي يحفظ أسماء الشهداء وحكاياتهم، وحكايات معاناة التهجير، وتدمير الأماكن ومحو المدن والمخيمات، وتفاصيل حياة قد لا تظهر في الأخبار اليومية.
من خلال الكتابة، نضمن أن الأجيال القادمة سترث الحكاية كاملة، غير منقوصة، وسيكون لديها دائمًا ما تناضل من أجله. وبهذا المعنى فالكتابة فعل مقاومة حيّ، وضمير مستيقظ، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة من الطمس والنسيان، وهي عملية خلق مستمرة للوعي. إنها الضمير الذي يطرح الأسئلة الصعبة، والذي يرفض المسلّمات، والذي يُبقي جذوة القضية متقدة في العقول والقلوب.
نابلس
5 أيلول (سبتمبر) 2025
سميح محسن
________
الشاهد الشهيد والرائي ناجي العلي
==================
12- رسالتان من غانية ملحيس إلى سميح محسن
الصديق العزيز سميح
شكرا لك على القراءة العميقة المفعمة بالوعي النقدي والمسؤولية الفكرية. لقد التقطتَ ببصيرتك جوهر ما أردت قوله: أن الكتابة في زمن الإبادة ليست مجرد فعل لغوي، بل هي فعل وجودي ومقاوم، بقدر ما هي حارس للذاكرة وراسم لأفق المستقبل.
أصبتَ تماما حين أشرت إلى أن الصمت لم يعد مجرد عجز، بل انزلق إلى خيانة وتواطؤ يملآن فراغ الرواية الفلسطينية برواية الآخر. وهنا تكمن خطورة اللحظة: إن لم نكتب، فإننا نسمح عمليا بسرقة ذاكرتنا، ونترك أبواب الحكاية مشرّعة لمن يزوّرها.
لفتتني ملاحظتك الدقيقة حول تحولات الخطاب الثقافي بعد أوسلو، حيث انحسر البعد الجمعي لصالح الفردي. وهو أمر يعكس بالفعل تشظيات الواقع الفلسطيني السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإداري . لكنه لا يُعفينا من مسؤولية استعادة البعد الكلي للمقاومة، عبر إعادة بناء خطاب أدبي وثقافي يواجه مشاريع الطمس والتفكيك.
أشاركك القناعة بأن كل كلمة تكتب، كل قصة تروى، وكل قصيدة تنشد، هي بمثابة استرداد لقطعة من الأرض التي يحاول العدو مصادرتها. الأدب هنا ليس ترفا، بل سلاحا ناعما وضروريا، يواجه المحو بالتثبيت، والغياب بالحضور، واليأس بالأمل.
فلتكن كتابتنا امتدادا لذاكرة الشهداء وجرحى المجازر ومهجري المخيمات، وليكن أفقا يذكّر الأجيال بأن هذه الأرض لها أصحاب لن يتخلوا عنها.
دمت، يا صديقي، شاهدا وشريكا في حمل القلم كجبهة مقاومة لا تقل شرفا عن أي جبهة أخرى.
غانية ملحيس
7/9/2024
///
13-
الصديق العزيز سميح
أحييك على هذه المقالة التي التقطت جوهر اللحظة وأخرجت سؤال الكتابة من نطاق “الجدوى” إلى فضاء “الحتمية”. لقد وضعت يدك على لبّ المسألة: نحن أمام محاولة اقتلاع لا تستهدف الجسد وحده، بل الذاكرة والمعنى والاسم. هنا تصبح الكتابة قانون بقاء لا يقل ضرورة عن الدفاع بالسلاح أو التشبث بالأرض.
ما طرحته يفتح أفقا واسعا لحوار فكري حول “الكتابة كضرورة وجودية”:
• كيف تتحول الكلمة إلى شكل من أشكال المقاومة، لا عبر قدرتها على ردع العدو ماديا، بل عبر قدرتها على إعادة أنسنة الضحية؟
• إلى أي مدى يمكن للكتابة أن تخلق ذاكرة مضادة للمحو، تحفظ الحضور الفلسطيني في مواجهة مشروع الإلغاء؟
• هل يمكن أن نتحدث عن “معركة المعنى” كجبهة موازية لمعركة البقاء المادي، حيث تتحول الكتابة إلى ساحة أخرى لإفشال الإبادة؟
بهذا المعنى، ما تكتبه لا يقتصر على الدفاع عن دور الأدب الفلسطيني، بل يتصل بقانون وجودي أشمل: البقاء ليس استمرار الجسد وحده، بل حضوره في الوعي والذاكرة والتاريخ. وهنا تصبح الكتابة ضرورة وجودية ، وليس خيارا ثقافيا.
بانتظار أن نواصل هذا الحوار معك ومع الأصدقاء، لعلنا نحول هذا الوعي بدور الكلمة إلى مشروع ثقافي جماعي يوازي معركة التحرر
غانية ملحيس
7/9/2025
Ghania
================
14-
الصديق العزيز سميح
شكرا لك على القراءة العميقة المفعمة بالوعي النقدي والمسؤولية الفكرية. لقد التقطتَ ببصيرتك جوهر ما أردت قوله: أن الكتابة في زمن الإبادة ليست مجرد فعل لغوي، بل هي فعل وجودي ومقاوم، بقدر ما هي حارس للذاكرة وراسم لأفق المستقبل.
أصبتَ تماما حين أشرت إلى أن الصمت لم يعد مجرد عجز، بل انزلق إلى خيانة وتواطؤ يملآن فراغ الرواية الفلسطينية برواية الآخر. وهنا تكمن خطورة اللحظة: إن لم نكتب، فإننا نسمح عمليا بسرقة ذاكرتنا، ونترك أبواب الحكاية مشرّعة لمن يزوّرها.
لفتتني ملاحظتك الدقيقة حول تحولات الخطاب الثقافي بعد أوسلو، حيث انحسر البعد الجمعي لصالح الفردي. وهو أمر يعكس بالفعل تشظيات الواقع الفلسطيني السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإداري . لكنه لا يُعفينا من مسؤولية استعادة البعد الكلي للمقاومة، عبر إعادة بناء خطاب أدبي وثقافي يواجه مشاريع الطمس والتفكيك.
أشاركك القناعة بأن كل كلمة تكتب، كل قصة تروى، وكل قصيدة تنشد، هي بمثابة استرداد لقطعة من الأرض التي يحاول العدو مصادرتها. الأدب هنا ليس ترفا، بل سلاحا ناعما وضروريا، يواجه المحو بالتثبيت، والغياب بالحضور، واليأس بالأمل.
فلتكن كتابتنا امتدادا لذاكرة الشهداء وجرحى المجازر ومهجري المخيمات، وليكن أفقا يذكّر الأجيال بأن هذه الأرض لها أصحاب لن يتخلوا عنها.
دمت، يا صديقي، شاهدا وشريكا في حمل القلم كجبهة مقاومة لا تقل شرفا عن أي جبهة أخرى.
غانية ملحيس 8/9/2025
///
15-
الكتابة ذاكرة مضادة
صديقتي العزيزة د. غانية ملحيس Ghania Malhees
أشكرك على تعليقك على مقالي الذي وجهته للصديق د. عواد أبو زينة: "من جدوى الكتابة إلى ضرورتها الحتمية". لقد طرحتِ مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي علّها تفتح أفقا واسعا لحوار فكري حول “الكتابة كضرورة وجودية”:
منذ النكبة الأولى وشعبنا الفلسطيني يتعرض لمحاولاتِ إقصائه من الوجود المادي والمعنوي، إمّا من خلال الحروب التي تُشَنُّ عليه، وإما من خلال محاولات تذويب هويته في هويات أخرى، إلا أنّ تلك المحاولات لم تصل في وحشيتها إلى ما هي عليه اليوم. فالعدوان منقطع النظير في وحشيته الذي يتعرض له شعبنا في قطاع غزة، والمدعوم بكل صفاقة من أميركا ودول الغرب الإستعماري، والمسكوت عنه من قبل حكومات الدول العربية، وما يرافق ذلك من حالة خفوت في الحراك الشعبي العربي، بل وحالة بيات أحيانا، يستهدف كلّ ذلك تصفية وجودنا ماديا ومعنويا.
الكتابة كفعل بقاء
في خضم الصراعات الكبرى التي لا تكتفي باستهداف الجسد، بل تسعى إلى محو الوجود بأسره، تبرز الكتابة ليس كخيارٍ ثقافي أو ترفٍ فكري، بل كضرورة وجودية وحتمية للبقاء. لم يتوقف العدوان الذي نتعرض له اليوم عند حدود استهداف الجسد وحسب، بل واستهداف المعنى. نحن نخوض معركة لا تدور رحاها على الأرض فقط، بل وفي ساحة الوعي والذاكرة، حيث تصبح الكلمة شكلاً من أشكال المقاومة، لا بقدرتها على ردع العدو مادياً، بل بقدرتها على إعادة بناء الإنسان وحفظ حضوره في التاريخ.
الكلمة في وجه شيطنة الضحية
منذ اليوم الأول لهذا العدوان، سعت حكومة الاحتلال، الموالاة والمعارضة، إلى شيطنة الإنسان الفلسطيني، ووصفتنا بالحيوانات والوحوش البشرية، وجنّدت وسائل إعلان الكيان لترويج الأكاذيب، والتحريض على إبادة شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وتهديدنا في الضفة الغربية، وكان آخرها يوم أمس عندما ما هدد سموتريش وبن غفير إلى تسوية رام الله برفح ونابلس بشمال غزة. في سياقات جرائم القهر والإبادة تبرز أولى وظائف الكلمة في إعادة أنسنة الضحية. لقد سبق العنف المادي عنفٌ رمزي، تمثل في تجريد الضحية من إنسانيتها، وتحويلها إلى مجرد رقم، أو صورة نمطية، أو "مشكلة أمنية". ويأتي هذا التجريد لتسهيل عملية القتل والإلغاء، وتبريرها في أعين مرتكبيها والعالم.
هنا، تبرز أهمية الكلمة لكسر هذه الحلقة. فعندما نكتب عن حلم شاب في بناء مستقبل حياته مع فتاة أحبّها، وعن خوف طفل وهو يمسك بطرف ثوب أمّه التي تحمل طفلا آخر في حضنها وتهرع بعيدا عن خيمة أكلتها النيران، عن رائحة قهوة الصباح في شرفة منزل تطلّ على البحر، عن كهل ما يزال يحتفظ بمفتاح بيت عائلته في عسقلان، أو عن ذكرى طفولية على الشاطئ، أو عن عودة صيّاد من البحر مع أول خيط ضوء فإننا لا نسرد تفاصيل شخصية عابرة. بل نقوم من خلال ما نكتبه للتأكيد على إنسانيتنا الكاملة، وهذاباعتقادي فعل مقاومة جوهري.
من خلال الأدب، الشعر، والرواية، تتحول الضحية من مجرد "حالة" أو "رقم في إحصائية" إلى شخصية لها اسم، وملامح، وقصة، وأحلام. هذه العملية لا تستهدف العدو بشكل مباشر، بل تستهدف الوعي الإنساني الأوسع، بما في ذلك وعي الضحايا أنفسهم. إنها تعيد لهم الشعور بقيمتهم الذاتية، وتذكر العالم بأن من يُستهدفون هم بشر، لهم الحق في الحياة والذاكرة والوجود.
الكتابة ذاكرة مضادة
يعتمد أي مشروع استعماري أو إبادي على محاولة محو ذاكرة السكان الأصليين وتاريخهم وعلاقتهم بالأرض. يتم ذلك عبر تدمير الأرشيفات، وتغيير أسماء الأماكن، وفرض سردية جديدة تدّعي أن هذه الأرض كانت "فارغة" أو "بلا شعب". لقد تأسس جزء أساسي من الفكر والدعاية الصهيونية على فكرة أن فلسطين كانت "أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهي مقولة تتجاهل بشكل كامل وجود وتاريخ وحقوق السكان الأصليين الفلسطينيين الذين عمروا تلك الأرض لقرون طويلة.
كان الهدف من ترويج هذه السردية هو تصوير فلسطين على أنها أرض مهملة تنتظر من "يعيد إحياءها"، وبالتالي تبرير الاستيطان اليهودي فيها. هذا الخطاب تناغم مع الفكر الاستعماري الأوروبي في تلك الحقبة، الذي كان ينظر إلى الشعوب الأصلية في مختلف أنحاء العالم على أنها "متخلفة" أو "غير موجودة" سياسيًا، مما يشرعن السيطرة على أراضيها ومواردها. لقد تجدّدت هذه النظرة مع حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا في قطاع غزة، وكان أصدق تجسيد لها ما يطرحه الرئيس الأميركي اليوم حول مستقبل القطاع.
في مواجهة مشروع الإلغاء هذا، تصبح الكتابة ذاكرة مضادة. إنها الأرشيف الشعبي الذي لا يمكن تدميره بسهولة. كل قصيدة كتبها محمود درويش أو توفيق زيّأد أو سميح القاسم عن حقول الزيتون، وكل رواية كتبتها سميرة عزام عن حياة المدن الفلسطينية قبل النكبة، وكل قصة قصيرة أو رواية كتبها غسان كنفاني أو إميل حبيبي، هي وثيقة تاريخية تحفظ حضوراً حاول العدو نفيه.
هذه الكتابات لا تؤرخ للأحداث السياسية الكبرى فحسب، بل تحفظ التفاصيل الحية للوجود اليومي: روائح الطعام، أسماء العائلات، شكل البيوت، الأغاني الشعبية، واللهجات المحلية. إنها تخلق خريطة ذهنية ووجدانية للوطن، تظل حية في وعي الأجيال، حتى لو تغيرت الخريطة المادية على الأرض. بهذا المعنى، تضمن الكتابة أن الحضور الفلسطيني يظل فاعلاً ومستمراً، ليس كذكرى من الماضي، بل كحقيقة حية تتحدى النسيان والمحو.
إن الحديث عن الإبادة لا يقتصر على القتل الجسدي الجماعي، بل يشمل أيضاً "الإبادة الثقافية" أي تدمير أسس هوية مجموعة بشرية وذاكرتها وروايتها عن نفسها. من هنا، يمكننا بالفعل الحديث عن "معركة المعنى" كجبهة موازية وحاسمة في الصراع من أجل البقاء. عندما ينجح الكاتب الفلسطيني في إيصال روايته ومعناه إلى العالم، فإنه لا يحقق انتصاراً أدبياً فحسب، بل يفشل جزءاً أساسياً من مشروع الإبادة. لأنه يجعل من الصعب على العالم تجاهل الحقيقة، ويخلق شرخاً في جدار الدعاية الذي يحيط بالجرائم المرتكبة. تصبح الكتابة هنا ساحة أخرى لإفشال العدوان، ليس بصد الرصاص، ولكن بفضح منطقه وتفكيك مبرراته الأخلاقية.
إن ما يُكتب لا يدافع عن دور الأدب الفلسطيني فقط، بل يتصل بقانون وجودي أعمق وأشمل: "البقاء ليس مجرد استمرار الجسد، بل هو استمرار الحضور في الوعي والذاكرة والتاريخ. الجسد قد يفنى، ولكن القصة التي يرويها، والمعنى الذي يجسده، يمكن أن يعيشا إلى الأبد. لهذا السبب، لا تكون الكتابة للفلسطيني مجرد فن أو مهنة، بل هي فعل بقاء. إنها إصرار على تسجيل الشهادة، وحفظ الأمانة، وتأكيد أن هذا الشعب، بكل ما فيه من حياة وحب وألم وأمل، كان هنا، وما زال هنا، وسيظل هنا. في وجه من يقول "لم تكونوا موجودين"، تصبح كل كلمة تُكتب صرخة مدوية تقول: "نحن موجودون".
سميح محسن
نابلس 9/9/2025
=================
17- رسالة من سميح محسن إلى غانية ملحيس
من صيانة الذاكرة إلى إنتاج معرفة منظمة
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس
Ghania Malhees
في البدءِ أحييك على مقالك الرائع "من الشهادة إلى الفعل: الكتابة الفلسطينية في زمن الإبادة"، والذي قدّمتِ فيه إضاءات هامّة حول موضوع "جدوى الكتابة" في زمن حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا، وها هي تقترب من طيّ سنتها الثانيّة دون بروز أيّ أمل في طيّها في وقت قريب. بل إن الوحشيّة التي تُنَفّذُ فيها تزداد ساعة بعد ساعة، أمام صمت القريب والغريب، وإن لم يكن أمام خيانة مكشوفة، وإن لم تكن معلَنة.
كان هذا المقال شاملا، وجاء السرد التاريخي فيه ضروريّا كمقدمة للوصول إلى ما وصلتِ إليه، أيّ وضع تصوّر عملاتي لما يمكن أن يقوم به الكتّاب والمثقفون والمؤسسات المعنية، الرسمية والأهلية، في تبنيه، وترجمته على أرض الواقع كمهمة نضاليّة وطنية وثوريّة.
• هل كتابةُ الوجعِ كَمثلِ الكتابةِ عنه؟!
بدأت حواراتنا بهذا السؤال الحارق. ونظرا لتوفر وسائل تواصل حديثة لم نكن نملكها في السابق، جرى تفاعل سريع مع هذا السؤال من قبل عدد من الكتّاب والمثقفين. وسرّني أنكِ كنت من أول المتفاعلين مع هذا السؤال، وكان لتفاعلكِ الأثر الإيجابي في مساهمة كتّاب ومثقفين آخرين، وفي مقدمتهم الصديق د. عادل الأسطة، والصديق د. عواد أبو زينة في هذه الحوارات. وكما أشرتِ أنّ هناك كتّابا ومثقفين من دول عربية عديدة كتبوا في هذا المجال.
لقد ساهمت هذه الحوارات في توليد أسئلة أخرى، وأخذتنا إلى سؤال الفرق بين الصدى والصوت، والكتابة عن قرب وأخرى عن بعد، ثمّ أَنكتب أم نصمت أمام هول يفوق اللغة؟ وجدوى الكتابة في زمن الإبادة، والكتابة سلاح رمزي يوازي المقاومة الميدانية، ومن جدوى الكتابة إلى ضرورتها الحتمية، والكتابة ذاكرة مضادة، ومن جدوى الكتابة إلى فضاء الحتمية، وأخيرا وليس آخرا "من الشهادة إلى الفعل: الكتابة الفلسطينية في زمن الإبادة"؛ وكان هذا عنوان مقالك الأخير "من الشهادة إلى الفعل" الذي سأتوقف عنده في هذا المقال.
• من صيانة الذاكرة إلى إنتاج معرفة منظمة
صديقتي العزيزة غانية
أنهيت مقالك الوافي برؤية تُعَدُّ مداخل هامّة لبناء مشروع ثقافي وطني إنساني وجمعي: "إن اللحظة الفلسطينية الراهنة، بما تحمله من تهديد وجودي، لا تسمح بالبقاء أسرى الوصف أو التحسر. التحدي هو أن ننتقل من صيانة الذاكرة إلى إنتاج معرفة منظمة، من خلال منصات نشر جماعية، مختبرات كتابة ترافق اليوميات منذ تدوينها، وحدات ترجمة تأخذ الرواية إلى فضاءات جديدة، ومرصد يحوّل الخلاصات إلى توصيات يمكن تبنّيها، مع مراجعات دورية تقيس أثر كل خطوة عمليا."
لا شكّ أنّ الانتقال من مرحلة "صيانة الذاكرة" إلى مرحلة "إنتاج المعرفة المنظمة" هو عملية تحويل المعلومات من مجرد رصدها وتوثيقها وتخزينها إلى خلق استراتيجية نشطة لاستخدامها وتوليد أفكار جديدة. ولن يتم ذلك إلا عن طريق ربط المعرفة الجديدة بالمعرفة السابقة، تنظيمها في بنى هرمية أو شبكات، وتشجيع التعاون وتفاعل الأفراد داخل المنظمة لدمج المعارف وتحويلها إلى معرفة جماعية قابلة للاستخدام والتوسع.
إن تحويل الذاكرة إلى معرفة منظمة ليس مجرد عملية توثيق، وإن كان التوثيق لَبُنَةً أساسية في هذا البناء الهرمي، إلا أن هذا التحويل أيضًا فعل مقاومة يبني وعياً جماعياً ويحفظ الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتزييف. إنه استثمار في المستقبل يضمن أن تظل تجربة غزة حية ومؤثرة في الوجدان الإنساني. وهذه العملية تتطلب منهجية واضحة لتحويل الذكريات الفردية والجماعية إلى مادة قابلة للتحليل والدراسة والنشر، وهو ما رسمتِ خارطته في مقالك برؤية وقّادة.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر خطوات متسلسلة ومترابطة تبدأ في التوثيق المنهجي للشهادات والروايات بطريقة منظمة ودقيقة، وجمع الشهادات الشفوية من خلال إجراء مقابلات معمقة مع مختلف فئات المجتمع، والتوثيق البصري والرقمي من جمع الصور، مقاطع الفيديو، التسجيلات الصوتية، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي توثق الحياة اليومية والجرائم واللحظات الإنسانية، وتشجيع الأفراد على كتابة يومياتهم وتدوين تجاربهم الشخصية. هذه الكتابات تقدم رؤية فريدة وعميقة لا يمكن الحصول عليها من المصادر الخارجية.
تلك مرحلة أولى تليها مراحل أخرى أشار إليها المقال كتحليل وتصنيف المواد المجمعة، إنشاء أرشيف رقمي تفاعلي من خلال تأسيس منصة إلكترونية تحتوي على جميع المواد الموثقة، إصدار دراسات وتقارير بحثية،إنتاج مواد فنية وثقافية. ولضمان وصول هذه المعرفة إلى أوسع جمهور ممكن، ويجب التركيز على ترجمة المواد المعرفية إلى عدة لغات لمخاطبة الرأي العام الدولي، والتعاون مع جامعات، مراكز بحثية، ومنصات إعلامية دولية لنشر الدراسات والأعمال الفنية، ونشر المعرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المدونات، والمواقع الإلكترونية لضمان انتشارها على نطاق واسع.
هل نحن كأفراد قادرون على ذلك؟
في إجابة سريعة: كلا! لأنّ هذه العملية تحتاج إلى أطر مؤسسية، رسمية وأهلية، لأنّ عملا كهذا يحتاج إلى توفير طواقم متخصصة ومُؤَهَّلة للقيام بالمهام التي وردت في مقالك. وهنا لا نعفي القطاع الخاص من مسؤوليته الاجتماعية والوطنية والمساهمة في دعم هذه المؤسسات التي ستوكل إليها هذه المهمة التي لا يُستَهان بها، حتى لو حصرنا ما نبغي الكتابة عنه في الشأن الثقافي وحده. وفي هذا المضمار يقع على عاتق الجامعات الفلسطينية جانب لتحقيق هذه الأهداف من خلال توجيه طلبتها، وفي مختلف مراحلهم التعليمية الجامعية، لإجراء أبحاث متطلبات تخرجهم في المرحلة الجامعية الأولى، ورسائلهم الجامعية في مرحلتي الماجستير والدكتوراة، حول جرائم حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا في قطاع غزة.
• التشظّي الثقافي بعد اوسلو
خلال حواراتنا جرى طرح ونقاش غياب أقلام فلسطينية وازنة عن المشهد الثقافي لما بعد السابع من أكتوبر. وحدّد الصديق د. عواد أبو زينه Awwad Abu-Zaineh ثلاثة اتجاهات أفرزها اتفاق اوسلو: "الأول التعصب والتعنصر للاتجاه السياسي أو لوجهة نظر الفصيل الذي ينتمي إليه وهو في موقفه يتجاهل أو ينكر على الآخرين مواقفهم وتوجهاتهم ويهاجمهم وقد يصل الأمر إلى حدود الاتهام والتخوين، الثاني فئة انكفأت على ذاتها وأصبحت دائرتها مغلقة حول الذات تحرص على أن لا تثير احدا ضدها او تغضب أحدا، والفئة الثالثة من التزموا الصمت ولم نعد نقرأ لهم شيئا وكأنهم آثروا السلامة بالصمت.
وعن "غياب الصوت" أو "الصمت" غاب صوت جزء أصيل من شعبنا. فمنذ بداية هذا العدوان المجرم أعلنت حكومة الاحتلال نظام الطوارئ. وكان المستهدف بذلك شعبنا في الأراضي المحتلة عام 1948، حيث غاب صوت الكتّاب والمثقفين، وجرت ملاحقة العديد منهم على خلفية كتابة منشورات لهم، حتّى قبل بدء العدوان، وفصل عدد منهم من أماكن عملهم. وأعاد نظام الطوارئ ذكرى الممارسات القمعية التي مورست ضدهم بعد النكبة. لقد عاشت البقية الباقية من الفلسطينيين في الداخل تحت الحكم العسكري رسمياً منذ عام 1948 وحتى نهاية 1966 عندما تم تفكيك جهاز الحكم العسكري ونقل صلاحياته القمعية إلى الشرطة وجهاز المخابرات. وعلى صعيد التفاعل مع هذه الحوارات كان صوت الصديقة العزيزة الكاتبة خالدية أبو جبل Khaldia Abo Jabal، من الجليل الفلسطيني، كأنّه الصوت الوحيد الذي كان حاضراً، وبقوة.
لم تقتصر حالة التشظّي الثقافي بعد اوسلوا على الحالة الفلسطينية، بل وطالت الحالة الثقافية في عمقها العربي. في السابع عشر من كانون أول (ديسمبر) 2023، كتبتُ مقالا تحت عنوان: "الثقافي والسياسي في ضوء العدوان على غزّة"، ذكرت فيه أنّه "في خضمِّ هذه المقتلة التي لم يسلم من همجيتها البشر والشجر والحجر، يفرض سؤال العلاقة بين الثقافي والسياسي نفسه على المشهد الثقافي العربي، وبخاصة في هذه المقتلة الكاشفة التي لم تعد تقبل الحيادية في المواقف. فمن خلال المتابعة، وإن لم تكن مروحتها شاملة، يمكننا تصنيف مواقف المثقف العربي إلى ثلاث فئات: الأولى تلك الفئة التي تماهت هوية المثقفين الوطنية مع القضية الفلسطينية كهوية نضالية، فلم ينفكّوا بالانحياز إليها والدفاع عنها، والثانية التي انشغلت بقضايا بلدانها، والثالثة من أعلنوا “براءتهم” من القضية الفلسطينية، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك من خلال تبنيهم للسردية النقيض وجاهروا، ليس فقط بعدائهم للفلسطينيين وقضيتهم القومية، بل وتواقحوا بدفاعهم عن تلك السردية إلى حدِّ التشفي بالضحايا".
• عن دور المثقف العضوي مرة أخرى
إذا حصرنا عملنا بالجهد الفردي، وحصرناه في الجانب الثقافي فقط، وفي ظلّ حالة التشظّي الراهنة، فمن هو المثقف القادر على الفعل؟
وخلال حواراتنا أيضًا جرى طرح ونقاش علاقة المثقف بالسلطة. وفي مقالك سلّطت الضوء على الحالة الثقافية الفلسطينية ما بعد أوسلو، والعلاقة الجدلية بين الثقافي والسياسي، ومن منهما يقود الآخر، ودعوتِ إلى "ابتكار لغة جديدة تستعيد البعد الجماعي دون أن تلغي خصوصية المكونات الفلسطينية داخل الوطن وخارجه، ودور كل مكون في قيادة النضال الوطني في المراحل المختلفة وفقا للتطورات الميدانية". كما وتطرقتِ إلى دور المثقف العضوي في هذه المرحلة.
والمثقف العضوي، وفقًا للمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، ليس مجرد شخص يفكر أو يكتب بمعزل عن مجتمعه. بل هو جزء لا يتجزأ من طبقته الاجتماعية، ويعمل على تنظيم وعيها وصياغة رؤيتها للعالم. وظيفته ليست التفكير في الفراغ، بل التعبير عن هموم طبقته وآمالها وتطلعاتها، وتحويلها إلى مشروع سياسي واجتماعي متماسك. هو يجمع بين الفكر والممارسة.
في اللحظات الخطيرة، وعندما "تنحرف البوصلة السياسية"، يتعاظم دور المثقف العضوي إذ تقع على مسؤوليته تعليق جرس الإنذار، أو القرع على جدران الاخزان – حسب ما دعانا إليه الكاتب الشهيد غسان كنفاني -، وذلك من خلال إعادة توجيه الوعي، والتذكير بالمبادئ الأساسية والثوابت التي لا يجب التنازل عنها، ومساعدة صانع القرار على رؤية الصورة الأكبر وتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتحصين الجبهة الداخلية من خلال بناء وعي جمعي قادر على الصمود في وجه التحديات ورفض الحلول المنقوصة.
لا شكّ أن العلاقة المثالية بين الثقافي والسياسي هي علاقة شراكة نقدية؛ حيث يربط المثقف الفعل بالرؤية، ويغذي السياسي بوعي ومعرفة تمنع انزلاقه، بينما يترجم السياسي هذه الرؤى إلى قرارات وإجراءات عملية على أرض الواقع. وفي المقابل فإن تساوق موقف الثقافي مع موقف السياسي يعكس تبعية الأول للثاني، ويضبط إيقاع موقفه مع الموقف الرسمي، وهذا يلغي الدور الطليعي للمثقف الذي يرى المشهد بشموليته، ويرسم مستقبله، ولا يراه وفق رؤى السياسي وحسابات مصالحه الآنية. كما أنّ على الثقافي أن يعبّر عن نبض الشارع وتطلعاته، ويقوده من خلال تشكيل رأي عام ضاغط على السياسي لإجباره على اتخاذ مواقف تنسجم مع تطلعات الشعوب.
نابلس
14/9/2025
==========
1-
الصديق العزيز سميح
تكرار سؤالك “هل كتابة الوجع كمثل الكتابة عنه؟” يلد فعلا أسئلة كثيرة، ربما أصعب من أن تحسم بإجابات نهائية.
فهل المقصود عتب مبرر على شركاء الدم والمصير ؟
أم إحساس دفين بالخذلان والتقصير ؟
أم ربما، عن لا وعي بتأكيد تفوق الألم الغزي على سواه من الألم الفلسطيني وخشية من التنافس على ألم لا يضاهى ، فيما الحقيقة أن الألم المتواصل منذ اكثر من قرن لم يستثن فلسطينيا، ويتناوبون جميعا على اختبار شدته : فلسطينيو الجزء المحتل منذ العام 1948، اللاجئون داخل الوطن وخارجه، القابعون تحت الاحتلال اللاحق في قطاع غزة، والقدس والضفة الغربية، المشتتون في بلاد الاغتراب.
جميعهم واجهوا الإبادة والمحو والتهجير والإقصاء والاعتقال في مراحل مختلفة منذ تعرضت فلسطين للغزو الاستعماري الغربي الصهيوني في مطلع القرن الماضي.
وعليه كل فلسطيني يكتب الوجع أو يكتب عنه سواء . لأن الابادة المحتدمة في قطاع غزة ومخيمات الضفة منذ عامين تستحضر ذاكرة الإبادة واللجوء والقهر الذي اختبره الفلسطينيون جميعا حتى ولو لم تتزامن .
ربما الأهم من قياس عمق الألم بقدر البوح به وتسجيل شدته، توجيه الجهد لتعرية المتسبّبين فيه: من العدو أولا، ثم من ذوي القربى، ثم من هذا العالم الظالم الذي يتواطأ بالصمت؟
الكتابة من داخل غزة وظيفتها أن تكون الصرخة المباشرة في وجه الموت، وأن تحمي ذاكرة الناس والمكان من المحو. هي كتابة توثيق ومقاومة ودم ودمع ساخن.
أما الكتابة من الخارج فوظيفتها مكمّلة: فضح العدو، وكشف كل أسباب العطب البنيوي الذاتي الذي جعل الإبادة ممكنة: التواطؤ، التقصير، الخذلان، الصمت.
بهذا المعنى، لسنا أمام كتابة “عن قرب” وأخرى “عن بعد”، بل أمام فعلين متكاملين في مواجهة مشروع واحد يريد أن يقتل الحقيقة كما يقتل الجسد.
ولعل الجواب الأعمق على سؤالك أنّنا، أينما كنا، مدعوون لكتابة نصّ الحياة في مواجهة نصّ الموت، نصّ الذاكرة في مواجهة المحو، نصّ الإنسان في مواجهة البشاعة.
دمت صوتا يوسّع معنى الكتابة ويذكّرنا بمسؤوليتنا جميعا أمام التاريخ.
غانية
***
2-
- رسالة سميح محسن
الصديقة العزيزة غانية
أشكرك جزيل الشكر على هذا التحليل العميق والرؤية النافذة التي قدمتها رداً على سؤالي. لقد أضاءت كلماتك زوايا كثيرة في هذا النقاش الضروري والمؤلم.
أتفق معك تماماً في أن الوجع الفلسطيني واحد وممتد، يتناوب على أجسادنا وأرواحنا جميعاً منذ أكثر من قرن. وصياغتك لفكرة "تناوب الجميع على اختبار شدته" هي توصيف بليغ ودقيق يرفض أي محاولة، واعية أو غير واعية، لخلق تراتبية للألم. فذاكرة الإبادة والقهر هي ذاكرة جمعية لا يستثنى منها أحد.
كما أتفق معك في نظرتك إلى تكامل الأدوار بين الكتابة من الداخل والكتابة من الخارج. بالفعل، فالكتابة "عن قرب" والكتابة "عن بعد"، فعلان متكاملان في مواجهة مشروع الموت والمحو. إحداهما صرخة الروح تحت القصف، والأخرى هي صدى هذه الصرخة الذي يجب أن يهدم جدران الصمت والتواطؤ العالمي. كلاهما ضروري، وكلاهما مقاومة.
لقد وضعتِ السؤال في سياقه الأهم: توجيه الجهد نحو تعرية الجلّاد ومن تواطأ معه، بدلاً من الغرق في قياس الألم. وهذا هو جوهر المسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعاً.
ختاماً، فإن دعوتك لكتابة "نص الحياة في مواجهة نص الموت" هي البوصلة الأعمق لنا جميعاً، أينما كنا. شكراً لأنك وسّعت أفق الحوار ومنحت سؤالي هذا العمق.
سميح محسن
=========
3- رسالة سميح محسن
صديقتي العزيزة د. غانية ملحيس Ghania Malhees
كأنّنا اليوم، د. عادل الأسطة Adel Al-osta، أنتِ وأنا، نعزف على آلة موسيقية واحدة، حيث أمسكنا بالنايّ، وعزفنا صدى ما كتبه أحبابنا في غزّة عن رثاء بيوتهم، بهذا الإحساس المسكون بالحزن والوجع...
بالحرارة التي كتبوا بها تكتبين إلى اكرم الصوراني، ولعلّ تجربة فقدان البيوت التي عشناها تجعلنا نتمثّل أوجاعهم، ونجسدها بحبر ينزف على الورق...
ذكّرتكِ ما كتبه أكرم بتجربتك في بيروت، وفي زمن حرب أيضا، وذكرني ما كتبتيه بتجربتي عندما فقدت بيتي المستأجر في الكويت عام 1990/1991، وفي زمن حرب أيضًا...
لقد كتبتُ قصيدة عن تلك التجربة آنذاك، وتضمنتها مجموعتي الشعرية الثانية "الممالك والمهالك"...
بعد خمسة وثلاثين عامًا، أحاول إعادة تشكيل الصورة التي كانت. الحياة، الشباب، الحلم، الاندفاع حتّى التطرف، بناء المكتبات، سهرات الأصدقاء، ولادة البنات والأبناء، ولادة القصائد، فتح صندوق الاشتراك في الصحف، الإصرار على القفز عن الصفحات لرؤية ما رسمه الشاهد الشهيد ناجي العلي قبل قراءة المانشيت الرئيسي، أو البحث عن قصيدة أو مقال لنا...
تقبلي مروري صديقتي العزيزة مع محبتي وتقديري
سميح محسن
2/9/2025
///
4-
صديقي العزيز سميح
ما أصدق العزف على وتر الذاكرة، وما حملته من وجع وأمل في آن واحد. كلماتك يا سميح أضافت لرسالتي إلى أكرم الصوراني نفسا آخر من الشهادة على معنى الفقد الذي يطاردنا في كل زمن حرب، وفي كل مدينة عبرناها حاملين بيوتنا في القلب.
لقد التقت تجربتك في الكويت مع تجربتي في بيروت، كما التقت مع أوجاع أهلنا في غزة، وكأن البيوت التي فقدناها هناك وهنا لم تكن جدرانا فحسب، بل كانت أحلاما معلقة وأياما لا تنسى، وذاكرة ما تزال حية رغم الرماد.
أقدر كثيرا استدعاءك لقصيدتك ولحياتك في ذلك الزمن، وكيف يبقى الشعر ملاذا يوثق ويعيد تشكيل الصورة مهما تقادمت السنوات.
محبتي واحترامي الكبير لك، مع امتناني لهذه المشاركة التي جعلتنا نعيد العزف معا على الناي ذاته.
غانية ملحيس
2/9/2025
///
5-
الصديق العزيز سميح،
قرأت مقالك “مقابر دون شواهد” وكأنني أقرأ مرثية حيّة مكتوبة بدم الشهداء وبأصوات الذين لم نتمكّن حتى من توديعهم أو التعرف على مقابرهم. لقد لامست في كلماتك عمق الجرح الفلسطيني المفتوح منذ أكثر من قرن، والمتجدد منذ 696 يومًا، فحوّلت الغياب إلى حضور، والخراب إلى شهادة تاريخية تفضح القتلة وتؤرّخ لفداحة ما جرى.
التقطتَ يا سميح ببراعة لافتة تلك المفارقة القاسية بين مقابر بلا شواهد و”الهمّ” الحقيقي للضحايا وأهاليهم، وبين “الهموم” الأخرى للقادة والسياسيين والمقاولين وتجار الحروب.
إن هذا التمييز الصادق بين وجع الناس اليومي، الذي سيتعاظم في اليوم التالي حين تتكشف فصول المأساة، وبين التنافس على الصفقات في “اليوم التالي” بين الساسة وتجار الحروب، يعكس حرصك على أن تبقى الكلمة شاهدة على الحقيقة في وجه كل أشكال التزييف.
ما كتبته ليس مجرد مقالة، بل شهادة أمانة وصرخة في وجه النسيان، ورسالة بليغة بأن كرامة الأحياء لا تكتمل إلا بكرامة الشهداء، وأننا جميعا مسؤولون عن حفظ الذاكرة في زمن يراد فيه طمسها.
لك محبتي وتقديري العميق
غانية ملحيس
1/9/2025
///
6-
الكتابة من بيت النار، والكتابة عنه
Ghania Malhees
الصديقة العزيزة د. غانية
شكرًا كبيرة على اهتمامكِ بما نشرتُه اليوم (مقابر دون شواهد) وتعليقك العميق، وإضاءاتك المنيرة والمستنيرة عليه.
في تعليقاتنا المتبادلة، الصديق العزيز د. عادل الأسطة Adel Al-osta وأنا، لاحظنا منذ بداية العدوان الوحشي على قطاع غزّة، بكل صوره وأبعاده وتجلياته، استنكاف عدد من مثقفينا وكتّابنا عن الكتابة عن المقتلة. ولا أخفي عليكِ أنّ هناك حالة تشفّي، وهي مستمرة حتى الآن للأسف الشديد، بالضحايا. هناك خلط غبيّ بين تصفية حسابات سياسية داخلية وبين شعب، هو شعبنا الأصيل، يتعرض لكلّ أشكال هذه الإبادة الوحشية على مدار دقائق ستمائة وستة وتسعين يومًا، وبشكل متواصل.
في الثامن عشر من يوليو (تموز) نشرت رسالة للصديق الشاعر الشّاب جواد العقاد في خانيونس، وبعد أن كتب ردّا عليها، واصلنا تبادل الرسائل. وبعد حين بدأ الرفيق وليد العوض بكتابة رسائل لنا، وحتى صباح هذا اليوم (الاثنين 1أيلول) ما زال تبادل الرسائل بيننا مستمرًا. وقد شارك في كتابة تعليقات ومداخلات وإضاءات عليها العديد من الصديقات والأصدقاء.
لماذا هذا التقديم؟!
مرّات عديدة توقفنا أمام أسئلة جارحة كان أولها ما جدوى الكتابة عن صورة أقوى من الكلام؟! وهل نكتب أم نصمت؟! وإذا كتبنا من هنا هل يكون نصّنا أقرب تعبيرا وصدقًا وحرارة من النّصِ الذي يكتبه زملاؤنا هناك؟! واليوم أضاف الصديق د. عادل ملاحظة إشكالية بأنّ هناك كتّابا مع، وآخرين ضد السابع من أكتوبر، وهنا لا بدّ وأن ترضي كتاباتنا بعضهم، وتغضب آخرين. ورغم هذه الملاحظة الإشكالية يظلّ سؤال الكتابة حاضرًا.
نحن لم، ولن ندخل حلبة المبارزات!! بل والمهاترات السياسية. نحن ننطلق من أرضيات ثقافية وأدبية مسلحين برؤى سياسية وفكرية وأيديولوجية، وبوصلتنا واضحة الاتجاه، وانحيازنا الدائم لدافعي فاتورة الدم والألم، وعن هؤلاء نكتب مدافعين عن مصالحهم وطموحاتهم وأحلامهم، ومعبّرين عن أحزانهم وأوجاعهم. وعندما نكتب عن هؤلاء فإننا نكتب أيضًا ضدّ من يقف على النقيض، سواءًا كان العدو الواضح، أو الأعداء المتخفية وجوههم خلف الأقنعة.
للأمانة العلمية عندما كتبت عن الشهداء جاءت كتابتي كتعليق على ما كتبه الرفيق وليد العوض عن الإنسان النبيل والشهم والشجاع أحمد عادل ظاهر (وهو منشور على صفحتي، كما نشر د. عادل ما كتبه أحمد على صفحته). وبعد نشر تعليقي عدت إلى مقال نشرته بتاريخ 10 شباط (فبراير) 2024 بعنوان (عن اليوم التالي لوقف العدوان) واجتزأت منه الجزء الذي تشرفت بتعليقك عليه.
بعد هذا السرد الذي قد يبدو طويلا، هل علينا أن نبحث عن إجابة حول جدوى الكتابة؟ أم علينا أن نواصلها طالما رؤانا واضحة، واتجاه بوصلتنا ثابت، وضميرنا حيّ ويقظ، وانحيازنا دائما لدافعي فاتورة التضحية والفداء؟
الإجابة أتت من عندك عندما كتبتِ في تعليقك أن التمييز الصادق بين وجع الناس اليومي، الذي سيتعاظم في اليوم التالي حين تتكشف فصول المأساة، وبين التنافس على الصفقات في “اليوم التالي” بين الساسة وتجار الحروب، يعكس حرصنا على أن تبقى الكلمة شاهدة على الحقيقة في وجه كل أشكال التزييف.
مع صادق المحبة والتقدير والاعتزاز
سميح محسن
نابلس
1 أيلول (سبتمبر) 2025
///
7-
الصديق العزيز سميح محسن
أشكرك على ردك الدافئ والغني، الذي يضيء أكثر على عمق السؤال الذي شغلنا جميعا منذ اليوم الأول للعدوان: أَنكتب أم نصمت أمام هول يفوق اللغة؟
أوافقك تماما أن الكتابة ليست ترفا ولا تمرينا على البلاغة، بل هي موقف وانحياز، وهي شكل من أشكال المقاومة التي تبقي الضمير حيا، وتؤكد أن الدم الفلسطيني ليس مجرّد رقم في نشرات الأخبار. لقد عبّرت بوضوح عن معضلة بعض المثقفين الذين اختاروا الصمت أو أسوأ من ذلك: التشفّي، وكأن تصفية الحسابات السياسية يمكن أن تبرّر التغاضي عن دماء الأبرياء. هنا تكمن خطورة الكلمة حين تستخدم ضد أصحابها، لا معهم.
إن سؤال جدوى الكتابة يجاب عنه من غزة نفسها: من أولئك الذين، رغم الركام، يواصلون كتابة رسائلهم اليومية بأجسادهم وأحلامهم. ولعل أصدق ما نقوم به نحن هنا أن نبقي هذه الرسائل متدفقة، وأن نمنحها أجنحة تتجاوز حدود الحصار.
أنت محق تماما: لسنا في حلبة مبارزات ولا في سوق للمزايدات. نحن نكتب بضمير واضح، وبوصلة ثابتة، وانحياز لا التباس فيه لأصحاب الحق وحراس الذاكرة. لذلك تصبح الكتابة فعل وفاء بقدر ما هي فعل مقاومة، وذاكرة بقدر ما هي أداة مساءلة.
ممتنة لك يا صديقي على محاورتك الصادقة، وأعتز بهذا التبادل الذي يذكرنا دوما أن الكلمة، مهما بدت عاجزة، قادرة على أن تحفظ الحقيقة من الغرق في النسيان.
غانية ملحيس
1/9/2025
=========
8- رسالة جديدة من سميح محسن إلى غانية ملحيس
عن سؤال جدوى الكتابة اليوم (1/2)
إلى الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس
Ghania Malhees
لم يكن سؤال "جدوى الكتابة" مطروحا على المثقف والكاتب الفلسطيني كما هو مطروح عليه اليوم. لم نواجه هذا السؤال منذ النكبة، فقد انخرطت الأجيال الأدبية في الهم الفلسطيني العام انخراطا طوعيّا مؤسَّسا على دور الكاتب في الانتصار لقضية شعبه، والدفاع عن مصالحه، وتبني أحلامه في التحرر والخلاص من الاحتلال. لعقود ماضية ظلّت القضية الفلسطينية همّا وهوية وذاكرة ليس لدى الكتّاب والأدباء الفلسطينيين وحسب، بل ولدى النخب الثقافية على امتداد الجغرافيا العربية، وتخطتها للجغرافيا الكونية.
طغى سؤال "جدوى الكتابة" على السطح في السنتين الأخيرتين. طرح هذا السؤال أولائك المسكونون بالهمّ الوطنيّ، وجاء طرحه من باب هل تملك اللغة قدرة على وصف معاناة الناس في زمن حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا في قطاع غزة؟ وهل يمكن لها أن تكون أقوى من الصورة بلاغة وتأثيرا؟ وكان السؤال الأكثر إلحاحا: هل نكتب أم نصمت؟! لقد وصف الصديق الشاعر جواد العقّأد في إحدى مراسلاتنا الصمت بالخيانة!
منذ بداية العدوان الوحشي على قطاع غزة واجهنا هذا السؤال، ولاحظ عدد منّا غياب أصوات أدبية فلسطينية بشكل واضح وفاضح، وكتب الصديق الكاتب والناقد د. عادل الأسطة Adel Al-osta عن هذه الظاهرة في وقت مبكّر. لم يكن هذا الغياب مرتبطًا بسؤال "جدوى الكتابة" وإنما بأسباب أخرى. كان عدد منا، وما يزال، على تمّاس يوميّ مع الأحداث في غزّة، ومع ما يكتبه الأصدقاء والصديقات هناك، وفي الأسابيع الأخيرة خضت تجربة كتابة الرسائل مع أصدقاء ورفاق لي في القطاع، وعلى وجه التحديد مع الرفيقين الشاعر جواد العقاد والكاتب والناشط السياسي وليد العوض، وكان سؤال جدوى الكتابة حاضرا. وفي الأيام الأخيرة تبادلنا الكتابة، الصديقة غانية ملحيس وأنا حول هذا السؤال.
الكتابة في زمن الإبادة: جدوى الكلمة أمام الموت
تحت هذا العنوان كتبت الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس مقالا هامّا وصفت فيه الكتابة في زمن الحرب بأنّها "شاهدة على الإنسانية، وفعل مقاومة وضمير حي". وأضافت أنّ "الكتابة ليست ترفا، وليست تمرينا بلاغيا على زخرفة الحروف. إنها موقف وانحياز ومقاومة ثقافية. ورسالة تذكّرنا أن الدماء التي تراق، والضحايا التي تباد ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل حياة كاملة تسفك ظلما... بهذا المعنى، فكل مقال، أو نص شعري، أو رسالة توثق الأحداث، وعد مضاد للنسيان، وحفظ للحقيقة، وإشعال ضوء الوعي في أعمق الظلمات.. وفي المقابل، فإن الصمت أو التغاضي عن الجرائم، أو التشفّي باسم الحسابات السياسية يعد خيانة أخلاقية للكلمة وللشعب وللحقيقة نفسها. فالكتابة هنا تتجاوز حدود التعبير الفني أو البلاغة، لتصبح أداة لمواجهة الظلم، وسلاحا يوازي في أثره الرمزي فعل المقاومة في الميدان".
وفي "خربشاته" اليومية، أورد الصديق د. عادل الأسطة مقطعا شعريّا للشاعر محمود درويش من قصيدة "أبد الصبّار" وجاء في السطر الأخير من الاقتباس: "سوف تكبر يا ابني ، وتروي لمن يرثون بنادقهم سيرة الدم فوق الحديد ... ". هل هذا الاقتباس تأكيد على ضرورة الكتابة عن الحدث اليومي من باب توثيقه فقط، أم أنه كشكل من أشكال حفظه لينتقل إلى الأجيال القادمة في إطار التأثيث لتكوين الذاكرة الجمعية؟
زمن الأسئلة الشائكة
لم يكن سؤال "جدوى الكتابة" مطروحا فيما مضى، ولم يكن الكاتب الفلسطيني ينتظر دعوة من أحد كي يكتب، بل كانت الكتابة عن الهمّ العام خيارا ذاتيا. لقد خلقت اتفاقيات أوسلو عام 1993 تحولات جذرية في بنية الأدب الفلسطيني وموضوعاته. فبعد عقود من شيوع خطاب المقاومة والثورة الذي وحد الصوت الأدبي في مواجهة الاحتلال، دخل الأدب الفلسطيني مرحلة جديدة اتسمت بتعمق الذاتية، ونلاحظ هنا تراجع الخطاب الأدبي المباشر الذي يركز على المقاومة كفعل جماعي، وظهرت بدلاً منه سرديات أكثر فردانية وتشظياً، وتحول الاهتمام من "نحن" الجماعية إلى "أنا" الفردية.
لقد شهدت سنوات ما بعد أوسلو تحديات عديدة، إلا أنّها لم تصل في وحشيتها إلى ما هي عليها اليوم. نحن نقف أمام أقسى محاولة للنفيّ خارج الجغرافيا والتاريخ، أمام طمس الهوية والإلغاء، ففي السابق كنّا نقول: "إما نحن وإمّا هم"؛ واليوم هم يستخدمون هذه العبارة، وهم من يملكون الآن القوة الغاشمة والطاغية. فماذا نملك نحن؟ وإلى متى سيستمر "حق القوة"! على "قوة الحق"، وإلا أن تسود قوة الحق هل سنقف متفرجين؟
وظيفة الكاتب والمثقف العضوي
في مقالها تستعيد د. غانية دور الكاتب والمثقف العضوي حسب مفهوم المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي في رسائل السجن، وتقول: "هنا تبرز وظيفة الكاتب والمثقف العضوي، الذي لا يكتفي بالتشخيص أو التحليل من خلال المقالات، الدراسات، الأعمال الأدبية، والنشاط المجتمعي. بل يلتقط من الشعر والأدب والفنّ إشارات الحياة، ويحوّلها إلى وثائق مقاومة حيّة. إن مسؤوليته تتجاوز التنظير إلى بلورة رؤى وبرامج عمل، تستند إلى الحقوق الوطنية والتاريخية غير القابلة للتصرّف للشعوب في أوطانها".
يعرّف غرامشي المثقف العضوي بأنه "العنصر المفكر والمنظم" لطبقة اجتماعية أساسية، على عكس المثقف التقليدي الذي قد يبدو مستقلًا ومحايدًا ولكنه في الحقيقة يخدم استمرارية الوضع القائم، فإن المثقف العضوي مرتبط عضويًا بطبقة صاعدة، أو أي فئة تسعى لترسيخ وجودها وتأكيد مصالحها في المجتمع. لا تقتصر وظيفته على مهنة محددة، بل تتجلى في قدرته على منح طبقته وعيًا بذاتها، وتزويدها بلغة ومفاهيم وأيديولوجيا متماسكة تعبر عن رؤيتها للعالم وتبرر مشروعيتها التاريخية.
إن وظيفة الكاتب والمثقف العضوي هي وظيفة نضالية بامتياز. إنها تتطلب التزامًا عميقًا بقضايا الفئات المهمشة والمستضعفة، وشجاعة في مواجهة الفكر السائد، وقدرة على المزاوجة الخلاقة بين النظرية والممارسة، بين جماليات الأدب ومتطلبات التغيير. في زمن التحولات الكبرى، يظل دور المثقف العضوي، الذي يحول الكلمة إلى وعي والفعل إلى أمل، أكثر أهمية وإلحاحًا من أي وقت مضى.
وفي مقالها تعزّز الصديقة غانية هذا الرأي وتقول أنّ الكتابة "ليست فقط شهادة، بل فعل يغير الواقع، ويؤسس لمستقبل مختلف مرغوب. وبها يحيى الضمير ويصنع الأمل في أصعب اللحظات. هكذا تتحول الكلمات إلى أدوات فعل، تترجم المعاناة إلى قوة، والصمود إلى مشروع مستدام. والوعي إلى أدوات تنفيذية تغيّر الواقع وتعيد للبوصلة التحررية اتجاهها الصحيح".
فأين نحن اليوم من هذا المفهوم وتجلياته الكتابية، وبخاصة في زمن هذه المحرقة؟
سميح محسن
نابلس
4 أيلول 2025
-----------------------------
اللوحة الفنية من إبداع الفنان التشكيلي الفلسطيني الصديق والرفيق يوسف كتلو Katalo Yousef
///
9- رسالة جوابية من غانية ملحيس إلى
سميح محسن
الصديق العزيز سميح محسن
قرأت مقالك الغني بعناية، ووجدت فيه استرجاعا دقيقا للتاريخ وتحليلا ثريا لمسار الكتابة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال والنكبة وما تلاها من تحولات. لقد لمست بوضوح الحرص على ربط سؤال جدوى الكتابة بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية للمثقف الفلسطيني، وتأكيدك على أن الكتابة ليست مجرد توثيق، بل فعل مقاومة حيّ يترجم المعاناة إلى وعي معرفي، والوعي إلى أمل، والأمل إلى عمل، والفعل إلى مشروع مستدام.
صدقت تماما حين أشرت إلى التحول الذي طرأ بعد أوسلو على الخطاب الفلسطيني، من صوت جماعي مقاوم إلى سرديات فردية. وقد جاء استحضارك لمفهوم المثقف العضوي عند غرامشي ليضعنا أمام مسؤولية حقيقية: أن يكون المثقف والفنان والكاتب ليسوا مجرد مراقبين، بل عناصر فاعلة في بناء الوعي، وصياغة الأدوات الفكرية والسياسية التي تحمي الحق وتؤسس لمستقبل مغاير.
وأكثر ما لفتني في مقالك المهم تناول التحولات التي أحدثتها اتفاقيات أوسلو في الحقل الثقافي الفلسطيني بهذا العمق غير المسبوق. فقد سبق لبعضنا تناول تداعيات أوسلو وتسببها في تجزئة الوطن والشعب والقضية، وخلق الانقسامات السياسية والفصائلية، والتشظّي الذي عمّ الساحة الفلسطينية داخل الوطن وخارجه على الصعد كافة - السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنظيمية والإدارية-.
لكن تداعياتها الأخطر على الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي والدولي لم تبحث بعمق. وفي مقالك وضعت الإصبع على العطب الذي أصاب المثقفين الفلسطينيين، عندما وجدوا أنفسهم على مفترق طرق يفرض عليهم الاختيار بين المبادئ التي طالما تغنوا بها، وبين الحسابات والمصالح الشخصية التي باتت الغالبية منهم أسرى لها. وقد انعكس ذلك خلال العقود الثلاثة الماضية في ترويج البعض لما يُسمى ب “العقلانية” لتبرير الخضوع لموازين القوى شديدة الاختلال لصالح العدو. وللـ”واقعية السياسية” التي تفصل الحلول عن الحقوق. وتبيح مقايضة الوطن بدولة على خمس مساحته، وحقوق أكثر من 80% من الشعب الفلسطيني داخل عام 1948 واللاجئين داخل الوطن وخارجه بحقوق الثلث المقيم داخل المناطق المحتلة منذ العام 1967.
لم يكن سؤال جدوى الكتابة منذ أوسلو مطروحا، لانشغال غالبية المثقفين بالذات، فعلق البعض بالتاريخ وبأحداث النكبة، وانشغل آخرون بتجاربهم الشخصية، وبالاحتفاء بالمؤلفات والمهرجانات والتكريمات، التي تنامت بالتزامن مع تعاظم انفصال الإبداع والكتابة عن المأزق الوطني العام المتفاقم .
لقد نبهتني ملاحظتك الجوهرية حول تزامن طرح سؤال “جدوى الكتابة” مع حرب الإبادة.
وبإمعان التفكير وجدت ذلك غير معزول عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بجدوى المقاومة، وجدوى السلاح. هذه الأسئلة باتت تتردد بكثرة في الآونة الأخيرة، وتعكس إحساسا جماعيا بالعجز والانكشاف والعري الكامل أمام آلة القوة التدميرية القاهرة، ليس فقط على صعيد القوة المادية، وإنما على صعيد الوعي والفكر والمنظومة القيمية أيضا.
ما يضعنا أمام ضرورة تاريخية ملحة لإعادة تقييم الفعل الوطني، بما يشمل الكلمة والثقافة والكتابة والفعل معا في المجالات كافة. لإعادة بناء وعي جمعي فلسطيني متجدد قادر على مواجهة التحديات الراهنة وحفظ القضية من الضياع. أقله بمستوى ذاك الذي سبق انحراف البوصلة النضالية الفلسطينية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وضياعها كليا منذ أوسلو .
الكتابة، كما أشرت، هي السلاح الرمزي الذي يوازي المقاومة الميدانية، والضمير الحي الذي لا يسمح للنسيان أن يمرّ، والضوء الذي يواجه العتمة، والذاكرة التي تحفظ التاريخ من محاولات الطمس.
وفي زمن الإبادة، تتضاعف أهمية الكتابة والأدب والفن ، ويصبح كل مقال، وكل نص شعري، وكل رسالة، وكل رواية وكل فيلم، شهادة حية على الصمود، وأداة لتحرير العقول، وتثبيت الأمل.
شكرا لك على هذا المقال العميق، الذي يربط بين النظرية والممارسة، بين الوعي والفعل، ويعيد التأكيد على أن الكتابة الفلسطينية كانت وستبقى جزءا اساسيا من المقاومة، وجسرا نحو غد أفضل.
غانية ملحيس 4/9/2025
================
10- رسالة من غانية ملحيس إلى سميح محسن وعادل الأسطة
الأصدقاء الأعزاء عادل وسميح،
أتابع بإعجاب كبير هذه المراسلات الغنية والمضيئة حول سؤال “جدوى الكتابة اليوم”، وأرى فيها درسًا حيا في معنى الكلمة الفلسطينية في زمن الإبادة.
ما أورده عادل عن جذور سؤال “جدوى الكتابة” منذ عام 1977 في قصائد محمود درويش، وعودته في حرب بيروت 1982، يوضح أن هذا السؤال ليس جديدا، بل يُثار أساسا في زمن العدوان، وفي مواجهة العجز أمام جبروت القوة وهول الدمار والقتل.
وتعود الأسئلة الملحة حول جدوى الكتابة، التي توارت بعد أوسلو حين أخذ الخطاب الأدبي الفلسطيني منحى أكثر فردانية، واختفى إلى حد كبير طابع المقاومة الجماعية في الكتابة. لتفرض نفسها مجددا خلال الحروب التي تتابعت على غزة منذ انقسام النظام السياسي الفلسطيني، حين تُركت غزة وحيدة في مواجهة ويلاتها في سياق تصفية الحسابات السياسية. ما دفع الغزيين خصوصا للتساؤل عن جدوى الكتابة بعد أن تخلى عنهم الأهل وذوو القربى. وعاد السؤال ليطفو بقوة بعد طوفان الأقصى والإبادة للإنسان والمكان والتاريخ والذاكرة المتواصلة منذ 700 يوم في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية.
غير أن السؤال حول جدوى الكتابة هذه المرة، وإن تشابه في تعبيره عن العجز أمام القوة، يختلف جوهريا لترافقه مع أسئلة جدوى المقاومة والسلاح.
ففي الوقت الذي لم يعد الصمت عجزا فحسب، كما عبّر عنه درويش عام 1977 و1982. أصبح اليوم خيانة وتواطؤا، ما يضاعف أهمية وجدوى الكتابة كفعل مقاومة، وحفاظ على الذاكرة الجماعية، ورفضا لطلب الاستسلام الذي بات يشترك فيه بعض الفلسطينيين والعرب مع العدو ورعاته الإقليميين والدوليين.
ما أوردتموه عن الكتابة من بيت النار، وعن أصدقائنا في قطاع غزة، الذين كتبوا وسط الركام والدمار، يثبت أن الكتابة هي فعل مقاومة حيّ، وضمير مستيقظ، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة من الطمس والنسيان.
والقصص التي تذكرونها عن نعمة حسن، جواد العقّاد، شجاع الصفدي، عمر حمش، ويسري الغول وغيرهم، تجعل من الكتابة شهادة حية على الإنسانية، وتحوّل الألم الفردي والجماعي إلى قوة معنوية تعيد للبوصلة التحررية اتجاهها الصحيح. فالكتابة هنا ليست مجرد توثيق أو سرد، بل أداة لبلورة الوعي الجمعي، ولحفظ الحق، ولإشعال ضوء الأمل في أحلك الظروف.
ورغم أن السؤال عن جدوى الكتابة في ظل المذبحة الحالية على غزة يبقى حاضرا، إلا أنه يجد جوابه في هؤلاء الذين يكتبون بلا توقف، حاملين صوت المظلومين، ومواجهين آلة القتل بالكلمة والوجدان.
الكتابة في مثل هذا الزمن هي فعل نضالي حقيقي، لا يقل أهمية عن أي مقاومة ميدانية، لأنها تحفظ الإنسانية، وتثبت الذاكرة للأجيال القادمة، وتذكرنا أن الحق لا يموت مهما عظمت قوة الظالمين.
كل التقدير لكما
غانية ملحيس
***
11- رسالة من سميح محسن إلى غانية ملحيس
أسئلة تلامس عصب اللحظة الفلسطينية الراهنة
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس Ghania Malhees
قرأت رسالتك المعنونة للصديق د. عادل الأسطة Adel Al-ostaولي، وبالعناية التي تستحقها الكاتبة والكتابة. كما وقرأت بالعناية ذاتها ما كتبه أصدقاؤنا من تعليقات، والتي لطالما أعتبرها جزءًا من النص المكتوب. إن الصرخة التي حملتها رسالتك يجب أن لا تقتصر وجهتها نحو الكاتب فلسطينيّ الجنسية وحسب، بل والكاتب العربي، بل وأكثر والكاتب العالمي، وبخاصة بعد أن تكشّفت وحشية العدو، ومخططاته، إلى المحو والشطب، محو وشطب الشعب الفلسطيني كمقدمة لمحو وشطب شعوبنا ودولنا العربية في الجوار، وما هو أبعد.
في رسالتك الأخيرة استوقفتني عدة قضايا، وهي:
• الصمت لم يعد عجزا فحسب، بل أصبح اليوم خيانة وتواطؤا، ما يضاعف أهمية وجدوى الكتابة كفعل مقاومة، وحفاظ على الذاكرة الجماعية، ورفضا لطلب الاستسلام.
• بعد أوسلو أخذ الخطاب الأدبي الفلسطيني منحى أكثر فردانية، واختفى إلى حد كبير طابع المقاومة الجماعية في الكتابة.
• الكتابة فعل مقاومة حيّ، وضمير مستيقظ، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة من الطمس والنسيان.
• الكتابة ليست مجرد توثيق أو سرد، بل أداة لبلورة الوعي الجمعي، ولحفظ الحق، ولإشعال ضوء الأمل في أحلك الظروف.
تطرح رسالتك العديد من القضايا الفكرية والأدبية بالغة الأهمية في هذا الظرف الفلسطيني اليوم، وتلامس عصب اللحظة الفلسطينية الراهنة. هي صرخة المثقف ودعوته لاستعادة دور الكلمة في مواجهة واقع يزداد تعقيدًا وقسوة. فالقضايا المطروحة حول خيانة الصمت، وتحولات الخطاب الأدبي بعد أوسلو، وجوهر الكتابة كفعل مقاومة وحافظ للذاكرة، تشكل معًا خريطة طريق لفهم مسؤوليتنا الجماعية والفردية تجاه قضيتنا وهويتنا.
وفي ظل سياسات الطمس الممنهج ومحاولات تصفية الوجود الفلسطيني، تحول الصمت إلى فعل سلبي، إلى شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر. أن تصمت يعني أن تترك الساحة فارغة لرواية الآخر، وأن تقبل ضمنيًا بمحو ذاكرتك وتاريخك. من هنا، تكتسب الكتابة أهميتها القصوى كفعل مقاومة أساسي. إنها كسرٌ لهذا الصمت المدوي، وإعلان صريح بالوجود والرفض. كل كلمة تُكتب، وكل قصة تُروى، وكل قصيدة تُنشد، تعتبر معادلا موضوعيا للأرض التي يحاول المحتل مصادرتها، وهي تأكيد على أن هذا الشعب، رغم كل شيء، لم ولن يستسلم.
من الملاحظات الدقيقة في الرسالة هي أن الخطاب الأدبي الفلسطيني بعد اتفاقيات أوسلو قد اتخذ منحى أكثر فردانية، مبتعدًا عن السرديات الكبرى للمقاومة الجماعية التي سادت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لقد أدت اتفاقيات أوسلو إلى حالة من التشظي السياسي والجغرافي والاجتماعي، وانعكس هذا التشظي على الأدب، حيث انشغل الكاتب بهمومه اليومية، بتفاصيل الحياة تحت سلطة محدودة.
في مواجهة محاولات سرقة التاريخ والتراث، يصبح الأدب هو الحصن الأخير للذاكرة الجماعية. الرواية والشعر والقصة هم الذاكرة التي لا يمكن مصادرتها. الكتابة هي الوعاء الذي يحفظ أسماء الشهداء وحكاياتهم، وحكايات معاناة التهجير، وتدمير الأماكن ومحو المدن والمخيمات، وتفاصيل حياة قد لا تظهر في الأخبار اليومية.
من خلال الكتابة، نضمن أن الأجيال القادمة سترث الحكاية كاملة، غير منقوصة، وسيكون لديها دائمًا ما تناضل من أجله. وبهذا المعنى فالكتابة فعل مقاومة حيّ، وضمير مستيقظ، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة من الطمس والنسيان، وهي عملية خلق مستمرة للوعي. إنها الضمير الذي يطرح الأسئلة الصعبة، والذي يرفض المسلّمات، والذي يُبقي جذوة القضية متقدة في العقول والقلوب.
نابلس
5 أيلول (سبتمبر) 2025
سميح محسن
________
الشاهد الشهيد والرائي ناجي العلي
==================
12- رسالتان من غانية ملحيس إلى سميح محسن
الصديق العزيز سميح
شكرا لك على القراءة العميقة المفعمة بالوعي النقدي والمسؤولية الفكرية. لقد التقطتَ ببصيرتك جوهر ما أردت قوله: أن الكتابة في زمن الإبادة ليست مجرد فعل لغوي، بل هي فعل وجودي ومقاوم، بقدر ما هي حارس للذاكرة وراسم لأفق المستقبل.
أصبتَ تماما حين أشرت إلى أن الصمت لم يعد مجرد عجز، بل انزلق إلى خيانة وتواطؤ يملآن فراغ الرواية الفلسطينية برواية الآخر. وهنا تكمن خطورة اللحظة: إن لم نكتب، فإننا نسمح عمليا بسرقة ذاكرتنا، ونترك أبواب الحكاية مشرّعة لمن يزوّرها.
لفتتني ملاحظتك الدقيقة حول تحولات الخطاب الثقافي بعد أوسلو، حيث انحسر البعد الجمعي لصالح الفردي. وهو أمر يعكس بالفعل تشظيات الواقع الفلسطيني السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإداري . لكنه لا يُعفينا من مسؤولية استعادة البعد الكلي للمقاومة، عبر إعادة بناء خطاب أدبي وثقافي يواجه مشاريع الطمس والتفكيك.
أشاركك القناعة بأن كل كلمة تكتب، كل قصة تروى، وكل قصيدة تنشد، هي بمثابة استرداد لقطعة من الأرض التي يحاول العدو مصادرتها. الأدب هنا ليس ترفا، بل سلاحا ناعما وضروريا، يواجه المحو بالتثبيت، والغياب بالحضور، واليأس بالأمل.
فلتكن كتابتنا امتدادا لذاكرة الشهداء وجرحى المجازر ومهجري المخيمات، وليكن أفقا يذكّر الأجيال بأن هذه الأرض لها أصحاب لن يتخلوا عنها.
دمت، يا صديقي، شاهدا وشريكا في حمل القلم كجبهة مقاومة لا تقل شرفا عن أي جبهة أخرى.
غانية ملحيس
7/9/2024
///
13-
الصديق العزيز سميح
أحييك على هذه المقالة التي التقطت جوهر اللحظة وأخرجت سؤال الكتابة من نطاق “الجدوى” إلى فضاء “الحتمية”. لقد وضعت يدك على لبّ المسألة: نحن أمام محاولة اقتلاع لا تستهدف الجسد وحده، بل الذاكرة والمعنى والاسم. هنا تصبح الكتابة قانون بقاء لا يقل ضرورة عن الدفاع بالسلاح أو التشبث بالأرض.
ما طرحته يفتح أفقا واسعا لحوار فكري حول “الكتابة كضرورة وجودية”:
• كيف تتحول الكلمة إلى شكل من أشكال المقاومة، لا عبر قدرتها على ردع العدو ماديا، بل عبر قدرتها على إعادة أنسنة الضحية؟
• إلى أي مدى يمكن للكتابة أن تخلق ذاكرة مضادة للمحو، تحفظ الحضور الفلسطيني في مواجهة مشروع الإلغاء؟
• هل يمكن أن نتحدث عن “معركة المعنى” كجبهة موازية لمعركة البقاء المادي، حيث تتحول الكتابة إلى ساحة أخرى لإفشال الإبادة؟
بهذا المعنى، ما تكتبه لا يقتصر على الدفاع عن دور الأدب الفلسطيني، بل يتصل بقانون وجودي أشمل: البقاء ليس استمرار الجسد وحده، بل حضوره في الوعي والذاكرة والتاريخ. وهنا تصبح الكتابة ضرورة وجودية ، وليس خيارا ثقافيا.
بانتظار أن نواصل هذا الحوار معك ومع الأصدقاء، لعلنا نحول هذا الوعي بدور الكلمة إلى مشروع ثقافي جماعي يوازي معركة التحرر
غانية ملحيس
7/9/2025
Ghania
================
14-
الصديق العزيز سميح
شكرا لك على القراءة العميقة المفعمة بالوعي النقدي والمسؤولية الفكرية. لقد التقطتَ ببصيرتك جوهر ما أردت قوله: أن الكتابة في زمن الإبادة ليست مجرد فعل لغوي، بل هي فعل وجودي ومقاوم، بقدر ما هي حارس للذاكرة وراسم لأفق المستقبل.
أصبتَ تماما حين أشرت إلى أن الصمت لم يعد مجرد عجز، بل انزلق إلى خيانة وتواطؤ يملآن فراغ الرواية الفلسطينية برواية الآخر. وهنا تكمن خطورة اللحظة: إن لم نكتب، فإننا نسمح عمليا بسرقة ذاكرتنا، ونترك أبواب الحكاية مشرّعة لمن يزوّرها.
لفتتني ملاحظتك الدقيقة حول تحولات الخطاب الثقافي بعد أوسلو، حيث انحسر البعد الجمعي لصالح الفردي. وهو أمر يعكس بالفعل تشظيات الواقع الفلسطيني السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإداري . لكنه لا يُعفينا من مسؤولية استعادة البعد الكلي للمقاومة، عبر إعادة بناء خطاب أدبي وثقافي يواجه مشاريع الطمس والتفكيك.
أشاركك القناعة بأن كل كلمة تكتب، كل قصة تروى، وكل قصيدة تنشد، هي بمثابة استرداد لقطعة من الأرض التي يحاول العدو مصادرتها. الأدب هنا ليس ترفا، بل سلاحا ناعما وضروريا، يواجه المحو بالتثبيت، والغياب بالحضور، واليأس بالأمل.
فلتكن كتابتنا امتدادا لذاكرة الشهداء وجرحى المجازر ومهجري المخيمات، وليكن أفقا يذكّر الأجيال بأن هذه الأرض لها أصحاب لن يتخلوا عنها.
دمت، يا صديقي، شاهدا وشريكا في حمل القلم كجبهة مقاومة لا تقل شرفا عن أي جبهة أخرى.
غانية ملحيس 8/9/2025
///
15-
الكتابة ذاكرة مضادة
صديقتي العزيزة د. غانية ملحيس Ghania Malhees
أشكرك على تعليقك على مقالي الذي وجهته للصديق د. عواد أبو زينة: "من جدوى الكتابة إلى ضرورتها الحتمية". لقد طرحتِ مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي علّها تفتح أفقا واسعا لحوار فكري حول “الكتابة كضرورة وجودية”:
منذ النكبة الأولى وشعبنا الفلسطيني يتعرض لمحاولاتِ إقصائه من الوجود المادي والمعنوي، إمّا من خلال الحروب التي تُشَنُّ عليه، وإما من خلال محاولات تذويب هويته في هويات أخرى، إلا أنّ تلك المحاولات لم تصل في وحشيتها إلى ما هي عليه اليوم. فالعدوان منقطع النظير في وحشيته الذي يتعرض له شعبنا في قطاع غزة، والمدعوم بكل صفاقة من أميركا ودول الغرب الإستعماري، والمسكوت عنه من قبل حكومات الدول العربية، وما يرافق ذلك من حالة خفوت في الحراك الشعبي العربي، بل وحالة بيات أحيانا، يستهدف كلّ ذلك تصفية وجودنا ماديا ومعنويا.
الكتابة كفعل بقاء
في خضم الصراعات الكبرى التي لا تكتفي باستهداف الجسد، بل تسعى إلى محو الوجود بأسره، تبرز الكتابة ليس كخيارٍ ثقافي أو ترفٍ فكري، بل كضرورة وجودية وحتمية للبقاء. لم يتوقف العدوان الذي نتعرض له اليوم عند حدود استهداف الجسد وحسب، بل واستهداف المعنى. نحن نخوض معركة لا تدور رحاها على الأرض فقط، بل وفي ساحة الوعي والذاكرة، حيث تصبح الكلمة شكلاً من أشكال المقاومة، لا بقدرتها على ردع العدو مادياً، بل بقدرتها على إعادة بناء الإنسان وحفظ حضوره في التاريخ.
الكلمة في وجه شيطنة الضحية
منذ اليوم الأول لهذا العدوان، سعت حكومة الاحتلال، الموالاة والمعارضة، إلى شيطنة الإنسان الفلسطيني، ووصفتنا بالحيوانات والوحوش البشرية، وجنّدت وسائل إعلان الكيان لترويج الأكاذيب، والتحريض على إبادة شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وتهديدنا في الضفة الغربية، وكان آخرها يوم أمس عندما ما هدد سموتريش وبن غفير إلى تسوية رام الله برفح ونابلس بشمال غزة. في سياقات جرائم القهر والإبادة تبرز أولى وظائف الكلمة في إعادة أنسنة الضحية. لقد سبق العنف المادي عنفٌ رمزي، تمثل في تجريد الضحية من إنسانيتها، وتحويلها إلى مجرد رقم، أو صورة نمطية، أو "مشكلة أمنية". ويأتي هذا التجريد لتسهيل عملية القتل والإلغاء، وتبريرها في أعين مرتكبيها والعالم.
هنا، تبرز أهمية الكلمة لكسر هذه الحلقة. فعندما نكتب عن حلم شاب في بناء مستقبل حياته مع فتاة أحبّها، وعن خوف طفل وهو يمسك بطرف ثوب أمّه التي تحمل طفلا آخر في حضنها وتهرع بعيدا عن خيمة أكلتها النيران، عن رائحة قهوة الصباح في شرفة منزل تطلّ على البحر، عن كهل ما يزال يحتفظ بمفتاح بيت عائلته في عسقلان، أو عن ذكرى طفولية على الشاطئ، أو عن عودة صيّاد من البحر مع أول خيط ضوء فإننا لا نسرد تفاصيل شخصية عابرة. بل نقوم من خلال ما نكتبه للتأكيد على إنسانيتنا الكاملة، وهذاباعتقادي فعل مقاومة جوهري.
من خلال الأدب، الشعر، والرواية، تتحول الضحية من مجرد "حالة" أو "رقم في إحصائية" إلى شخصية لها اسم، وملامح، وقصة، وأحلام. هذه العملية لا تستهدف العدو بشكل مباشر، بل تستهدف الوعي الإنساني الأوسع، بما في ذلك وعي الضحايا أنفسهم. إنها تعيد لهم الشعور بقيمتهم الذاتية، وتذكر العالم بأن من يُستهدفون هم بشر، لهم الحق في الحياة والذاكرة والوجود.
الكتابة ذاكرة مضادة
يعتمد أي مشروع استعماري أو إبادي على محاولة محو ذاكرة السكان الأصليين وتاريخهم وعلاقتهم بالأرض. يتم ذلك عبر تدمير الأرشيفات، وتغيير أسماء الأماكن، وفرض سردية جديدة تدّعي أن هذه الأرض كانت "فارغة" أو "بلا شعب". لقد تأسس جزء أساسي من الفكر والدعاية الصهيونية على فكرة أن فلسطين كانت "أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهي مقولة تتجاهل بشكل كامل وجود وتاريخ وحقوق السكان الأصليين الفلسطينيين الذين عمروا تلك الأرض لقرون طويلة.
كان الهدف من ترويج هذه السردية هو تصوير فلسطين على أنها أرض مهملة تنتظر من "يعيد إحياءها"، وبالتالي تبرير الاستيطان اليهودي فيها. هذا الخطاب تناغم مع الفكر الاستعماري الأوروبي في تلك الحقبة، الذي كان ينظر إلى الشعوب الأصلية في مختلف أنحاء العالم على أنها "متخلفة" أو "غير موجودة" سياسيًا، مما يشرعن السيطرة على أراضيها ومواردها. لقد تجدّدت هذه النظرة مع حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا في قطاع غزة، وكان أصدق تجسيد لها ما يطرحه الرئيس الأميركي اليوم حول مستقبل القطاع.
في مواجهة مشروع الإلغاء هذا، تصبح الكتابة ذاكرة مضادة. إنها الأرشيف الشعبي الذي لا يمكن تدميره بسهولة. كل قصيدة كتبها محمود درويش أو توفيق زيّأد أو سميح القاسم عن حقول الزيتون، وكل رواية كتبتها سميرة عزام عن حياة المدن الفلسطينية قبل النكبة، وكل قصة قصيرة أو رواية كتبها غسان كنفاني أو إميل حبيبي، هي وثيقة تاريخية تحفظ حضوراً حاول العدو نفيه.
هذه الكتابات لا تؤرخ للأحداث السياسية الكبرى فحسب، بل تحفظ التفاصيل الحية للوجود اليومي: روائح الطعام، أسماء العائلات، شكل البيوت، الأغاني الشعبية، واللهجات المحلية. إنها تخلق خريطة ذهنية ووجدانية للوطن، تظل حية في وعي الأجيال، حتى لو تغيرت الخريطة المادية على الأرض. بهذا المعنى، تضمن الكتابة أن الحضور الفلسطيني يظل فاعلاً ومستمراً، ليس كذكرى من الماضي، بل كحقيقة حية تتحدى النسيان والمحو.
إن الحديث عن الإبادة لا يقتصر على القتل الجسدي الجماعي، بل يشمل أيضاً "الإبادة الثقافية" أي تدمير أسس هوية مجموعة بشرية وذاكرتها وروايتها عن نفسها. من هنا، يمكننا بالفعل الحديث عن "معركة المعنى" كجبهة موازية وحاسمة في الصراع من أجل البقاء. عندما ينجح الكاتب الفلسطيني في إيصال روايته ومعناه إلى العالم، فإنه لا يحقق انتصاراً أدبياً فحسب، بل يفشل جزءاً أساسياً من مشروع الإبادة. لأنه يجعل من الصعب على العالم تجاهل الحقيقة، ويخلق شرخاً في جدار الدعاية الذي يحيط بالجرائم المرتكبة. تصبح الكتابة هنا ساحة أخرى لإفشال العدوان، ليس بصد الرصاص، ولكن بفضح منطقه وتفكيك مبرراته الأخلاقية.
إن ما يُكتب لا يدافع عن دور الأدب الفلسطيني فقط، بل يتصل بقانون وجودي أعمق وأشمل: "البقاء ليس مجرد استمرار الجسد، بل هو استمرار الحضور في الوعي والذاكرة والتاريخ. الجسد قد يفنى، ولكن القصة التي يرويها، والمعنى الذي يجسده، يمكن أن يعيشا إلى الأبد. لهذا السبب، لا تكون الكتابة للفلسطيني مجرد فن أو مهنة، بل هي فعل بقاء. إنها إصرار على تسجيل الشهادة، وحفظ الأمانة، وتأكيد أن هذا الشعب، بكل ما فيه من حياة وحب وألم وأمل، كان هنا، وما زال هنا، وسيظل هنا. في وجه من يقول "لم تكونوا موجودين"، تصبح كل كلمة تُكتب صرخة مدوية تقول: "نحن موجودون".
سميح محسن
نابلس 9/9/2025
=================
17- رسالة من سميح محسن إلى غانية ملحيس
من صيانة الذاكرة إلى إنتاج معرفة منظمة
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس
Ghania Malhees
في البدءِ أحييك على مقالك الرائع "من الشهادة إلى الفعل: الكتابة الفلسطينية في زمن الإبادة"، والذي قدّمتِ فيه إضاءات هامّة حول موضوع "جدوى الكتابة" في زمن حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا، وها هي تقترب من طيّ سنتها الثانيّة دون بروز أيّ أمل في طيّها في وقت قريب. بل إن الوحشيّة التي تُنَفّذُ فيها تزداد ساعة بعد ساعة، أمام صمت القريب والغريب، وإن لم يكن أمام خيانة مكشوفة، وإن لم تكن معلَنة.
كان هذا المقال شاملا، وجاء السرد التاريخي فيه ضروريّا كمقدمة للوصول إلى ما وصلتِ إليه، أيّ وضع تصوّر عملاتي لما يمكن أن يقوم به الكتّاب والمثقفون والمؤسسات المعنية، الرسمية والأهلية، في تبنيه، وترجمته على أرض الواقع كمهمة نضاليّة وطنية وثوريّة.
• هل كتابةُ الوجعِ كَمثلِ الكتابةِ عنه؟!
بدأت حواراتنا بهذا السؤال الحارق. ونظرا لتوفر وسائل تواصل حديثة لم نكن نملكها في السابق، جرى تفاعل سريع مع هذا السؤال من قبل عدد من الكتّاب والمثقفين. وسرّني أنكِ كنت من أول المتفاعلين مع هذا السؤال، وكان لتفاعلكِ الأثر الإيجابي في مساهمة كتّاب ومثقفين آخرين، وفي مقدمتهم الصديق د. عادل الأسطة، والصديق د. عواد أبو زينة في هذه الحوارات. وكما أشرتِ أنّ هناك كتّابا ومثقفين من دول عربية عديدة كتبوا في هذا المجال.
لقد ساهمت هذه الحوارات في توليد أسئلة أخرى، وأخذتنا إلى سؤال الفرق بين الصدى والصوت، والكتابة عن قرب وأخرى عن بعد، ثمّ أَنكتب أم نصمت أمام هول يفوق اللغة؟ وجدوى الكتابة في زمن الإبادة، والكتابة سلاح رمزي يوازي المقاومة الميدانية، ومن جدوى الكتابة إلى ضرورتها الحتمية، والكتابة ذاكرة مضادة، ومن جدوى الكتابة إلى فضاء الحتمية، وأخيرا وليس آخرا "من الشهادة إلى الفعل: الكتابة الفلسطينية في زمن الإبادة"؛ وكان هذا عنوان مقالك الأخير "من الشهادة إلى الفعل" الذي سأتوقف عنده في هذا المقال.
• من صيانة الذاكرة إلى إنتاج معرفة منظمة
صديقتي العزيزة غانية
أنهيت مقالك الوافي برؤية تُعَدُّ مداخل هامّة لبناء مشروع ثقافي وطني إنساني وجمعي: "إن اللحظة الفلسطينية الراهنة، بما تحمله من تهديد وجودي، لا تسمح بالبقاء أسرى الوصف أو التحسر. التحدي هو أن ننتقل من صيانة الذاكرة إلى إنتاج معرفة منظمة، من خلال منصات نشر جماعية، مختبرات كتابة ترافق اليوميات منذ تدوينها، وحدات ترجمة تأخذ الرواية إلى فضاءات جديدة، ومرصد يحوّل الخلاصات إلى توصيات يمكن تبنّيها، مع مراجعات دورية تقيس أثر كل خطوة عمليا."
لا شكّ أنّ الانتقال من مرحلة "صيانة الذاكرة" إلى مرحلة "إنتاج المعرفة المنظمة" هو عملية تحويل المعلومات من مجرد رصدها وتوثيقها وتخزينها إلى خلق استراتيجية نشطة لاستخدامها وتوليد أفكار جديدة. ولن يتم ذلك إلا عن طريق ربط المعرفة الجديدة بالمعرفة السابقة، تنظيمها في بنى هرمية أو شبكات، وتشجيع التعاون وتفاعل الأفراد داخل المنظمة لدمج المعارف وتحويلها إلى معرفة جماعية قابلة للاستخدام والتوسع.
إن تحويل الذاكرة إلى معرفة منظمة ليس مجرد عملية توثيق، وإن كان التوثيق لَبُنَةً أساسية في هذا البناء الهرمي، إلا أن هذا التحويل أيضًا فعل مقاومة يبني وعياً جماعياً ويحفظ الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتزييف. إنه استثمار في المستقبل يضمن أن تظل تجربة غزة حية ومؤثرة في الوجدان الإنساني. وهذه العملية تتطلب منهجية واضحة لتحويل الذكريات الفردية والجماعية إلى مادة قابلة للتحليل والدراسة والنشر، وهو ما رسمتِ خارطته في مقالك برؤية وقّادة.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر خطوات متسلسلة ومترابطة تبدأ في التوثيق المنهجي للشهادات والروايات بطريقة منظمة ودقيقة، وجمع الشهادات الشفوية من خلال إجراء مقابلات معمقة مع مختلف فئات المجتمع، والتوثيق البصري والرقمي من جمع الصور، مقاطع الفيديو، التسجيلات الصوتية، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي توثق الحياة اليومية والجرائم واللحظات الإنسانية، وتشجيع الأفراد على كتابة يومياتهم وتدوين تجاربهم الشخصية. هذه الكتابات تقدم رؤية فريدة وعميقة لا يمكن الحصول عليها من المصادر الخارجية.
تلك مرحلة أولى تليها مراحل أخرى أشار إليها المقال كتحليل وتصنيف المواد المجمعة، إنشاء أرشيف رقمي تفاعلي من خلال تأسيس منصة إلكترونية تحتوي على جميع المواد الموثقة، إصدار دراسات وتقارير بحثية،إنتاج مواد فنية وثقافية. ولضمان وصول هذه المعرفة إلى أوسع جمهور ممكن، ويجب التركيز على ترجمة المواد المعرفية إلى عدة لغات لمخاطبة الرأي العام الدولي، والتعاون مع جامعات، مراكز بحثية، ومنصات إعلامية دولية لنشر الدراسات والأعمال الفنية، ونشر المعرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المدونات، والمواقع الإلكترونية لضمان انتشارها على نطاق واسع.
هل نحن كأفراد قادرون على ذلك؟
في إجابة سريعة: كلا! لأنّ هذه العملية تحتاج إلى أطر مؤسسية، رسمية وأهلية، لأنّ عملا كهذا يحتاج إلى توفير طواقم متخصصة ومُؤَهَّلة للقيام بالمهام التي وردت في مقالك. وهنا لا نعفي القطاع الخاص من مسؤوليته الاجتماعية والوطنية والمساهمة في دعم هذه المؤسسات التي ستوكل إليها هذه المهمة التي لا يُستَهان بها، حتى لو حصرنا ما نبغي الكتابة عنه في الشأن الثقافي وحده. وفي هذا المضمار يقع على عاتق الجامعات الفلسطينية جانب لتحقيق هذه الأهداف من خلال توجيه طلبتها، وفي مختلف مراحلهم التعليمية الجامعية، لإجراء أبحاث متطلبات تخرجهم في المرحلة الجامعية الأولى، ورسائلهم الجامعية في مرحلتي الماجستير والدكتوراة، حول جرائم حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا في قطاع غزة.
• التشظّي الثقافي بعد اوسلو
خلال حواراتنا جرى طرح ونقاش غياب أقلام فلسطينية وازنة عن المشهد الثقافي لما بعد السابع من أكتوبر. وحدّد الصديق د. عواد أبو زينه Awwad Abu-Zaineh ثلاثة اتجاهات أفرزها اتفاق اوسلو: "الأول التعصب والتعنصر للاتجاه السياسي أو لوجهة نظر الفصيل الذي ينتمي إليه وهو في موقفه يتجاهل أو ينكر على الآخرين مواقفهم وتوجهاتهم ويهاجمهم وقد يصل الأمر إلى حدود الاتهام والتخوين، الثاني فئة انكفأت على ذاتها وأصبحت دائرتها مغلقة حول الذات تحرص على أن لا تثير احدا ضدها او تغضب أحدا، والفئة الثالثة من التزموا الصمت ولم نعد نقرأ لهم شيئا وكأنهم آثروا السلامة بالصمت.
وعن "غياب الصوت" أو "الصمت" غاب صوت جزء أصيل من شعبنا. فمنذ بداية هذا العدوان المجرم أعلنت حكومة الاحتلال نظام الطوارئ. وكان المستهدف بذلك شعبنا في الأراضي المحتلة عام 1948، حيث غاب صوت الكتّاب والمثقفين، وجرت ملاحقة العديد منهم على خلفية كتابة منشورات لهم، حتّى قبل بدء العدوان، وفصل عدد منهم من أماكن عملهم. وأعاد نظام الطوارئ ذكرى الممارسات القمعية التي مورست ضدهم بعد النكبة. لقد عاشت البقية الباقية من الفلسطينيين في الداخل تحت الحكم العسكري رسمياً منذ عام 1948 وحتى نهاية 1966 عندما تم تفكيك جهاز الحكم العسكري ونقل صلاحياته القمعية إلى الشرطة وجهاز المخابرات. وعلى صعيد التفاعل مع هذه الحوارات كان صوت الصديقة العزيزة الكاتبة خالدية أبو جبل Khaldia Abo Jabal، من الجليل الفلسطيني، كأنّه الصوت الوحيد الذي كان حاضراً، وبقوة.
لم تقتصر حالة التشظّي الثقافي بعد اوسلوا على الحالة الفلسطينية، بل وطالت الحالة الثقافية في عمقها العربي. في السابع عشر من كانون أول (ديسمبر) 2023، كتبتُ مقالا تحت عنوان: "الثقافي والسياسي في ضوء العدوان على غزّة"، ذكرت فيه أنّه "في خضمِّ هذه المقتلة التي لم يسلم من همجيتها البشر والشجر والحجر، يفرض سؤال العلاقة بين الثقافي والسياسي نفسه على المشهد الثقافي العربي، وبخاصة في هذه المقتلة الكاشفة التي لم تعد تقبل الحيادية في المواقف. فمن خلال المتابعة، وإن لم تكن مروحتها شاملة، يمكننا تصنيف مواقف المثقف العربي إلى ثلاث فئات: الأولى تلك الفئة التي تماهت هوية المثقفين الوطنية مع القضية الفلسطينية كهوية نضالية، فلم ينفكّوا بالانحياز إليها والدفاع عنها، والثانية التي انشغلت بقضايا بلدانها، والثالثة من أعلنوا “براءتهم” من القضية الفلسطينية، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك من خلال تبنيهم للسردية النقيض وجاهروا، ليس فقط بعدائهم للفلسطينيين وقضيتهم القومية، بل وتواقحوا بدفاعهم عن تلك السردية إلى حدِّ التشفي بالضحايا".
• عن دور المثقف العضوي مرة أخرى
إذا حصرنا عملنا بالجهد الفردي، وحصرناه في الجانب الثقافي فقط، وفي ظلّ حالة التشظّي الراهنة، فمن هو المثقف القادر على الفعل؟
وخلال حواراتنا أيضًا جرى طرح ونقاش علاقة المثقف بالسلطة. وفي مقالك سلّطت الضوء على الحالة الثقافية الفلسطينية ما بعد أوسلو، والعلاقة الجدلية بين الثقافي والسياسي، ومن منهما يقود الآخر، ودعوتِ إلى "ابتكار لغة جديدة تستعيد البعد الجماعي دون أن تلغي خصوصية المكونات الفلسطينية داخل الوطن وخارجه، ودور كل مكون في قيادة النضال الوطني في المراحل المختلفة وفقا للتطورات الميدانية". كما وتطرقتِ إلى دور المثقف العضوي في هذه المرحلة.
والمثقف العضوي، وفقًا للمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، ليس مجرد شخص يفكر أو يكتب بمعزل عن مجتمعه. بل هو جزء لا يتجزأ من طبقته الاجتماعية، ويعمل على تنظيم وعيها وصياغة رؤيتها للعالم. وظيفته ليست التفكير في الفراغ، بل التعبير عن هموم طبقته وآمالها وتطلعاتها، وتحويلها إلى مشروع سياسي واجتماعي متماسك. هو يجمع بين الفكر والممارسة.
في اللحظات الخطيرة، وعندما "تنحرف البوصلة السياسية"، يتعاظم دور المثقف العضوي إذ تقع على مسؤوليته تعليق جرس الإنذار، أو القرع على جدران الاخزان – حسب ما دعانا إليه الكاتب الشهيد غسان كنفاني -، وذلك من خلال إعادة توجيه الوعي، والتذكير بالمبادئ الأساسية والثوابت التي لا يجب التنازل عنها، ومساعدة صانع القرار على رؤية الصورة الأكبر وتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتحصين الجبهة الداخلية من خلال بناء وعي جمعي قادر على الصمود في وجه التحديات ورفض الحلول المنقوصة.
لا شكّ أن العلاقة المثالية بين الثقافي والسياسي هي علاقة شراكة نقدية؛ حيث يربط المثقف الفعل بالرؤية، ويغذي السياسي بوعي ومعرفة تمنع انزلاقه، بينما يترجم السياسي هذه الرؤى إلى قرارات وإجراءات عملية على أرض الواقع. وفي المقابل فإن تساوق موقف الثقافي مع موقف السياسي يعكس تبعية الأول للثاني، ويضبط إيقاع موقفه مع الموقف الرسمي، وهذا يلغي الدور الطليعي للمثقف الذي يرى المشهد بشموليته، ويرسم مستقبله، ولا يراه وفق رؤى السياسي وحسابات مصالحه الآنية. كما أنّ على الثقافي أن يعبّر عن نبض الشارع وتطلعاته، ويقوده من خلال تشكيل رأي عام ضاغط على السياسي لإجباره على اتخاذ مواقف تنسجم مع تطلعات الشعوب.
نابلس
14/9/2025
==========