مصطفى معروفي ـ شاعر صعلوك

عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذ عَوى
وَصَــــوَّتَ إِنــســانٌ فَــكِــدتُ أَطــيــرُ
هذا البيت حفظته عن ظهر قلب وكنت أردده بمناسبة وأحيانا بدون مناسبة حتى قبل أن أعرف من هو صاحبه أو الشاعر الذي قاله.وكان ذلك في صغري وبداية تلمس طريقي نحو الشعر ونحو الأدب عموما.
ولا أخفيكم أنني من محبي شعر الصعاليك،لما أجد فيه من إباء وعزة نفس ولما أجد فيه من أريحية طاغية وتعاطف مع الفقراء الذين عاشوا في مجتمع لم تكلأهم فيه العدالة الاجتماعية بعنايتها وعطفها،ولذا فقد كنت دائم الرجوع إلى شعر الصعاليك وإلى سيرهم أقرأ ذلك بتأمل واستنتاج العبرة وما يمكنني استنتاجه.
ومن الشعراء الصعاليك الذين تعلقت بهم وربطت علاقتي معهم :
ـ عروة بن الورد الذي يقول:
إِنّــي اِمــرُؤٌ عــافي إِنــائِيَ شِركَةٌ
وَأَنــتَ اِمــرُؤٌ عــافي إِنــائِكَ واحِدُ
أَتَــهزَأُ مِــنّي أَن سَــمِنتَ وَأَن تَرى
بِوَجهي شُحوبَ الحَقِّ وَالحَقُّ جاهِدُ
أُقَــسِّمُ جِــسمي فــي جُــسومٍ كَثيرَةٍ
وَأَحــسو قَــراحَ الماءِ وَالماءُ بارِدُ
ـ الشنفرى الذي حفظت قصيدته المشهورة باسم(لامية العرب)في مقابل (لامية العجم) للطغرائي والتي حفظتها كذلك ،والطغرائي ليس من الشعراء الصعاليك.
والشنفرى يقول في مستهل قصيدته (لامية العرب):
أَقيموا بَني أُمّي صُدورَ مَطِيَّكُم
فَــإِنّي إِلــى قَومٍ سِواكُم لأمْيَلُ
وفيها يقول:
وَفــي الأَرضِ مَــنأى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى
وَفــيــها لِــمَــن خـــافَ الــقِلى مُــتَعَزَّلُ
لَعَمرُكَ ما في الأَرضِ ضيقٌ عَلى اِمرئٍ
سَـــرى راغِــباً أَو راهِــباً وَهــوَ يَــعقِلُ
ـ تأبط شرا الذي يقول:
أَلا هَــل أَتــى الــحَسناءَ أَنَّ حَــليلَها
تَــأَبَّطَ شَــرّاً وَاِكــتَنَيتُ أَبــا وَهــبِ
فَــهَبهُ تَــسَمّى اِسمي وَسَمّانِيَ اسمَهُ
فَأَينَ لَهُ صَبري عَلى مُعظَمِ الخَطبِ
وَأَيــنَ لَــهُ بَــأسٌ كَــبَأسي وَسَورَتي
وَأَيــنَ لَــهُ فــي كُــلِّ فــادِحَةٍ قَــلبي
والأحيمر ـ تصغير الأحمر ـ السعدي صاحب البيت الذي بدأت به مقالي هو شاعر من بني سعد بن زيد مناة بن تميم ،عاش في أواخر العصر الأموي وأول العصر العباسي،والبيت يصور نفور الشاعر من الناس واستيحاشه منهم ،وأنسه بالوحش رغم ضراوته وغدره كالذئب مثلا.
والأحيمر كان لصا يقطع الطرق ويرتكب الجناية تلو الجناية إلى درجة أن قومه خلعوه وتبرأوا منه،فخاف وتوغل في الصحارى على غير هدى.
وقد كان يتغذى مما تمده به الظباء في الربع الخالي،بينما النعام كانت تنفر شاردة فزعة منه.
وقد كان الأحمير على لصوصيته وفتكه شاعرا بأحاسيس صادقة وصراحة لا مجال فيها للمواربة والمراوغة.
يقول الأحمير من نفس قصيدة البيت السابق:
وإني لأستحيي من الله أن أُرى
أمــرّ بــحبلٍ لــيس فــيه بــعير
وأن أســأل الــعبد اللئيم بعيره
وبــعران ربــي في البلاد كثيرً
فهو هنا يتقرب إلى الله بسرقة الإبل (إبل الله) التي توفر عليه "سؤال اللئيم".
والأحمير كان يتفاءل بنهيق الحمار ،إذ يرى فيه دليلا على اقتراب قافلة للتجار ،فيقطع عليهم الطريق ويسلب منهم مايريده.
يقول الأحيمر:
نهق الحمار فقلت أيمن طائر
إن الحمار من العمار قريبُ
والأحيمر يتحدث عن المروءة والوفاء،ولكن يبقى وفاؤه الدائم للوحوش التي تتشارك معه حياته في الفتك والصعلكة،يقول
أراني وذئب القفر إلْفين بعدما
بــدأنا كــلانا يــشمئز ويذعرُ
تــآلــفني لــمــا دنـــا وألــفته
وأمكنني للرمي لو كنت أغدرُ
ولــكنني لــم يــأتمنّيَ صاحبٌ
فــيرتاب بــي ما دام لا يتغيرُ
وإذات كانت العرب تقول في ما تقوله:
"لا تنفق كلمتين إذا كفتك كلمة واحدة"
فإن الشاعر الأحيمر السعدي يقول:
من القول ما يكفي المصيبَ قليله
ومــنه الــذ لا يكتفي الدهرَ قائلهْ
يــصد عــن المعنى فينزل مائحا
ويذهب في التقصير منه تطاولهْ
فــلا تــك مكثارا تزيد على الذي
عــنيتَ به في خطب أمر تزاولهْ
هذا هو الشاعر الأحمير السعدي في شعره ونبله وإبائه،وكما يبدو للقارئ من خلال أبيات شعره أعلاه فهو شاعر في شاعريته أرق وألطف من بعض صعاليك الشعر في وقتنا الراهن، إذ في شعره لا تجد نبوا ولا إسفافا بل تجد النبل والمتعة رفيقين متلازمين.
اللهم بلغنا مقاصدنا حيث ما كنا.
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...