شهادات خاصة الأخضر رحموني - الشاعر عبد الحميد شكيل... خمسون عاما من العطاء الأدبي

نشر الشاعر عبد الحميد شكيل كلمة أدبية اختار لها عنوان ( بيان خصوصي ) بمناسبة مرور خمسين سنة على اعتناق وجع الكتابة ..الكلمة عبارة عن مرثية يبكي فيها بحروف الأبجدية المتشائمة و الغصة في الحنجرة انكساراته الذاتية و آلامها الدفينة و الحنين إلى الأمل الهارب بقسوة الشوق.. لأنه ببساطة رغم تجربته الشعرية الطويلة و الخصبة لم يتمكن حتى اللحظة من القبض على قصيدته الحلم.. و هو الذي ركض في كل الاتجاهات بحثا عن أسرارها و قد أصدر قرابة أربعين ديوانا شعريا ..و علمته الحياة المتقلبة الزيف الثقافي و البؤس الأدبي بكل صوره و معانيه.
عرفت الشاعر عبد الحميد شكيل و أنا تلميذ في مرحلة التعليم المتوسط عن طريق كتاباته المتنوعة ما بين الشعر والقصة القصيرة والمقالة الأدبية .. كنت يومها أعيد كتابة قصائده المنشورة في كراس خاص مع قصائد شعراء من جيله تنشرها خاصة جريدة النصر مثل الشعراء : مسعود حديبي و الأزهر عطية و سالم أمين و رزاق محمود الحكيم و عمار بو الدهان و ابن رفاعة ( الاسم المستعار للدكتور العربي دحو) و مصطفى نطور و محمد زتيلي و رشيد أوزاني و عبد المجيد معلم ..لهذا عندما أصدر باكورة أعماله الموسومة ب " قصائد متفاوتة الخطورة " عن منشورات مجلة آمال سنة 1985 و بعد العودة إلى دفتري الخاص للمقارنة بينهما.. اكتشفت طبيعة التعديلات الأدبية التي قام بها شكيل على مقاطع جسد قصائده من أجل أن تكون أكثر بهاء و جمالا فنيا ..مع تصحيح الأخطاء الواردة في نسختها الأصلية المنشورة . كما أنه كان يكتب رسالة عنابة الثقافية .. مدينة عنابة التي وصل إليها مع الأقدار لمتابعة تكوينه التربوي في 10 أكتوبر 1970 قادما من منطقة ثورية هي بلدة أولاد عطية بأعالي القل ..استقر بها مكانيا و وجدانيا حتى تحول إلى عاشق عنابة و شاعرها المهموم و أهدى إليها أجمل الأغاني بل رصع رأسها بأغلى التيجان الشعرية فاستحق عن جدارة لقب شاعر بونة و الماء بلا منازع ..لأنه تغنى بالبحر و النوارس و الطبيعة و معجمه اللغوي غني بمفردات هذه الألفاظ الموحية و دلالاتها في مرحلته الأولى.. لكنه في السنوات الأخيرة اتجه إلى الماء رمز العطاء و الخصوبة ،
و ما يحمله من دلالات صوفية فيزيقية لتوظيفه بكل ذكاء ..و بقي شاعرنا القدير وفيا لكونه الشعري حيث لم يتجه قاربه نحو جنس أدبي آخر كغيره من الأسماء لأنه خلق ليكون شاعرا.
ثم عرفته في مهرجان محمد العيد آل خليفة الذي كانت تحتضنه مدينة بسكرة فعرفت فيه ميزة الشاعر الهادئ البسيط الذي يحسن الإلقاء الشعري و يغضب عندما يكون الميكروفون أو القاعة غير ملائمة له و بها التشويش لأن من طبيعة شاعرنا أن يسكن أجواء قصيدته المشحون و يتماوج معها حسب أسطرها الموسيقية و نبضاتها الداخلية و صورها المجنحة و يتوقف عند النقطة المناسبة . و إذا كان يعد من رواد قصيدة النثر في الجزائر إلا أن قصيدته تقترب من قصيدة التفعيلة في بعض عتبات مقاطعها ..حتى و إن ظلمه النقد و لم يقم بتوضيح و اكتشاف هذه الخصوصية الجمالية..التي يعود سببها إلى أنه دارس جيد لشعراء العراق و خاصة بدر شاكر السياب و له علاقات و مراسلات مع كبار شعرائه ..و كان اللقاء المفصلي بيننا عندما التقيت به في مدينة قسنطينة و أنا طالب مسكون بهم الكلمة و قد جاء رفقة الصديق المرحوم الدكتور شريبط أحمد شريبط و الأديب جمال فوغالي لحضور ملتقى الرواية المنعقد في المسرح الجهوي ..و بعدها تواصلت اللقاءات إلى أن حضر ثلاثي عنابة البهي ملتقى الأديبة زليخة السعودي بجامعة خنشلة فكان يكشف لنا و نحن نتجول في ساحة حمام الصالحين أسراره الأدبية و ملاحظاته الثقافية حول الوسط الأدبي رغم تكتمه و كذا محطات مجهولة في مسيرته ..مع العلم أن شكيل هو أول من كتب مقالة أدبية حول حياة المرحومة نشرتها جريدة النصر في 26 مارس 1980 تحت عنوان (الأديبة التي رحلت باكرا) مع تقديم عدة توصيات تهدف لإعادة الحياة إليها و الحمد لله منها ما تحقق بتظافر جهود الجميع ..و عندما سألت الشيخ أحمد السعودي الذي يعتبر الوالد الروحي للأديبة عن الأسماء التي اهتمت بها بعد وفاتها مباشرة أخبرني أن الأستاذ شكيل اتصل به و تحصل منه على المعلومات الخاصة بحياتها كما كتب عنها القاص عبد الله بن الضيف ..و كان في كل لقاء يكرمني و أتحصل منه على نسخ من دواوينه الجديدة كهدية ..و قد كتبت مقالة حول ديوانه " تحولات فاجعة الماء - مقام لأحبة " سنة 2002 و مما جاء فيها (و يبدو أن الشاعر عبد الحميد شكيل يشتغل بأدواته الخاصة على مستوى اللغة ، و يلعب بالمفردات لتؤدي الكلمة مدلولا آخر غير الذي وضعت له لغويا ، الأمر الذي يزيد من انفجار موسيقاها المتفردة .. مما يجعل من قصيدة شكيل عالما يضج بالأخلية والمعاني الفنية التي تزين النص و تمنحه شعرية متميزة ) . و لا أتجاوز في هذه الوقفة السريعة الإشادة بمحطة هامة في حياته المتمثلة في دوره و مساعيه مع الدكتور أحمد شريبط و الكاتب جمال فوغالي و الشاعر سمير رايس في تأسيس فرع اتحاد الكتاب الجزائريين بعنابة و تنشيط المشهد الثقافي بها من خلال ما كان ينظم من ندوات متنوعة و ملتقيات أدبية مع رعايته للمواهب الشابة التي برزت في تلك المرحلة بها .
رغم مرور أكثر من خمسين عاما من العطاء الأدبي و هو يعبر جسر الكتابة فإن الشاعر عبد الحميد شكيل لا زال يمسك بجمرة الكلمة الملتهبة بالصدق و المتوهجة إبداعا بكل قوة و محبة ..و شامخا لا يحسن فن الانحناء للزوابع و الأعاصير الموسمية ..متمنيا أن يتواصل إنجاز الدراسات النقدية حول مدونته الشعرية الغزيرة كالتي قامت بها الدكتورة نهاد مسعي في كتاب (شعرية القصيدة النثرية الجزائرية- عبد الحميد شكيل أنموذجا) و كتاب ( بنية الخطاب الشعري عند عبد الحميد شكيل) للدكتورة صفية دريس . و الدكتور عبد الحفيظ بن جلولي في كتابه ( خرائب الترتيب، طروحات الشعرية
المؤنَّقة / رؤى في شعرية عبد الحميد شكيل).و كتاب ( الخصائص الأسلوبية في ديوان " كتاب الأحوال" لعبد الحميد شْكِيّلْ- دراسة أسلوبية) للدكتور عبد الخالق بوراس . و ( شعرية المكان في القصيدة الجزائرية المعاصرة نماذج من ديوان مرايا الماء لعبد الحميد شكيل ) مقدمة من طرف الطالبة آسيا جبايلي بجامعة قالمة .و كذا ( شعر عبد الحميد شكيل من منظور نحو النص( نماذج مختارة) للطالبة الزهرة علواني من جامعة عنابة .
و أن يسارع إلى طبع مذكراته ( الراعي يسرد أوجاعه ) التي نشر حلقات منها ما يقارب المئة حلقة في صفحته و اختار لها لازمة ((كل شيء يمكن تزييفه، إلا ما اختزنته الذاكرة، وهي تبني طبقات وعيها الآخر) عسى أن تحظى كذلك بموضوع دراسة أكاديمية مختصة .فله من القلب كل الامتنان و الدعوات بموفور الصحة والعافية و الاستمرارية في الإبداع الخلاق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...