1
الرجل التسعيني الذي منع عنه أولادُه مشاهدةَ الأخبار بِرًّا به وحقنًا لدمعته الغالية...جرى ذلك منذ سنوات حفاظَا على صحته ونفسيته.
قبل أسبوع، تسلّل أحدُ أحفاده ، ودسّ تحت اللحاف شيئًا مهرّبًا، ربت الجدّ على رأسه الصغير شاكرًا. في وحدته، يفتح الجوّال اللوحيَّ المليء بالتطبيقات والقنوات، بحزن وصمت، يتابع ما يجري هناك.
2
في التسعينيات، وفي فيلم( امرأة واحدة لا تكفي ) لأحمد زكي شاهدنا النساء الثلاث اللاتي أحبّهن البطل، وتعلقّن به أيضًا؛ اليوم تحديدًا نتذكر ريم ( سماح أنور) الصحفية الشابة التي تتدفّق حماسة وتفور روحها بروح النضال والتمرّد، رأينا كيف ودّعته، لتذهب إلى جنوب لبنان للمشاركة في مهمة صحفية ( كنوع من النضال)، ولتغطّيَ جوانبَ من جرائم إسرائيل في جزء من لبنان العزيز.
اليوم ماذا نقول؟ هل من أفلام جديدة؟ أم نقول: فيلم واحد لا يكفي! وصحفي واحد لا يكفي! وقناة واحدة لا تكفي. وشجب واحد لم يعد يكفي، بل لا يجدي!
صوت عفويّ منفعل: أمّة واحدة لا تكفي!.
3
الطفل الذي ظهر قبل سنوات وسنوات ، وفي يده لقمةٌ مدّ بها عبر الشاشة لإطعام طفل شاهده يبكي على التلفاز؛ بالقليل من الكلمات والكثير من الأثر الإنساني لمعاني الطفولة حين تكون التعبيرَ الأصدقَ والأنقى... نأكل معًا، نقتسم اللقمة ، ولكن هيهات! فالصورة والشاشة يحكمهما اليومَ ما يحكم هذا العالم من قيود وبطش وعدوان وادعاءات.
حدث ذلك الموقف في أثناء حرب تبدو اليوم منسيّة.
ذلكم الطفل في عمره الصغير، الطفل الذي أرسل مساعدةً عاجلة مستحيلة، صار اليوم كبيرًا و لا شك، أما المجاعة ، فهي أكبر من أن يستوعبها عقل إنسان واحد .. يمكن للطفل، وقد كبُر، أن ينضمّ إلى أية وقفة احتجاج مترجمة!
4
النسر الرحيم، الذي انتظر وانتظر موتَ طفلٍ جائع ذات حرب في جنوب السودان، في التسعينيات أيضًا.
النسر الذي كان له ما أراد: طار جائعًا أو حصل على وجبة عظام بشرية، والمصوّر الذي فازت صورته بجائزة دولية لم يَسمع عنها، وجدوه منتحرًا بعدها بعدة أيام .
الجديد ظهرت لنا نسور من نوع آخر .
5
الرجل الذي فارقه النوم من هول ما شاهد في الأخبار في ليلة واحدة، صلّى الفجر، وعاد، وفي طريقه إلى فراشه، أطلّ لآخر مرّة على عدّة قنوات من تلك التي تجيد نقل الألم.. لوّح بيده مودّعًا للمذيعين والمراسلين ، ودّع من بقي حيًّا يستنجد.. ودّعهم. نام ولم يصحُ بعدها.
كانت آخر كلماته في السجود:
ربّي أنقذْ هابيل من قابيل.
أنقذ (إنسانًا) من (لا إنسان)
أنقذ ضعيفًا مبتلًى من ضعيفٍ استقوى حين أمِن بطشك.
وعلى وسادته ..ختم:
ربّ رُحماك بمن لجأ إلى حماك.
6
في اليوم (الأخير) أٌجلِي الصحفيون من هناك، سمح لهم بمغادرة (مكان القتال) ،و قيل لهم: حفاظًا على سلامتكم! وقيل لانتهاء الأمر من جذوره .. وقيل لئلا يتعطل هدم المربع الأخير!
كان بعضهم يودّ البقاء كخطّ دفاع أخير عن الأطفال والأمهات والأبرياء العزّل؛ بلا سبب مقنع، أُخرجوا ، واتهمتهم دولةُ بطشائيل زورًا بأنهم دخلوا بلا تصاريح !
وقف مصوّر شجاع من بينهم، اقترب من جنديٍّ ظهر قبل أيام، في مقطع فيديو وهو يفتخر بقتل 27 طفلًا، لم يسأله عن الجريمة، فقد يغيّر الأرقام ولسوف يكذب حين ينوي مرة أن يصدق. ودّع المصوّر آلة التصوير بلقطة أخيرة وبلمسة حانية، وبنظرة ذات معنى إليها، ثم رماها بكامل وزنها في وجه القاتل، ومضى !
7
اليوم الأخير للحياة!
اعترضوا على العبارة، و هدّدوا باستخدام أسلحتهم لكيلا تنكشف جرائمهم! صوّبوها ، ثم قالوا بلا حياء:
اليومَ يحلّ السلام!
و قالوا : نحن نتحدّث عن اليوم الأجمل اليوم التالي!! بعض المعلّقين والمحلّلين حذّروا من أيّام صعبة.
على النقيض من كل ما يجري، ومن بين الركام ، من عمق الأرض، تظهر يدان تلوّحان بعلم وبشارة النصر ، وصوتٌ جريح يردّد :يوم أول ،يوم أخير، لا فرق، هي أيام نجمعها لنعود أقوى وأصلب.. و ستبقى راية الخوف السوداء ترفرف بالذعر فوق خرائب صدوركم وفي قلب أحقادكم ، وسنبقى نحمل راية الحق وراية الوطن والنصر القادم نحملها في قلوبنا. سنظهر ذات يوم كفينيق ينهض من بين الركام والرماد.
8
في الختام ، يودّ أصحابُ الضمائر الحيّةأن تظهر المزيدُ من الحقائق في كتاب أسود يُسمّى( دستور القتلة).
الرجل التسعيني الذي منع عنه أولادُه مشاهدةَ الأخبار بِرًّا به وحقنًا لدمعته الغالية...جرى ذلك منذ سنوات حفاظَا على صحته ونفسيته.
قبل أسبوع، تسلّل أحدُ أحفاده ، ودسّ تحت اللحاف شيئًا مهرّبًا، ربت الجدّ على رأسه الصغير شاكرًا. في وحدته، يفتح الجوّال اللوحيَّ المليء بالتطبيقات والقنوات، بحزن وصمت، يتابع ما يجري هناك.
2
في التسعينيات، وفي فيلم( امرأة واحدة لا تكفي ) لأحمد زكي شاهدنا النساء الثلاث اللاتي أحبّهن البطل، وتعلقّن به أيضًا؛ اليوم تحديدًا نتذكر ريم ( سماح أنور) الصحفية الشابة التي تتدفّق حماسة وتفور روحها بروح النضال والتمرّد، رأينا كيف ودّعته، لتذهب إلى جنوب لبنان للمشاركة في مهمة صحفية ( كنوع من النضال)، ولتغطّيَ جوانبَ من جرائم إسرائيل في جزء من لبنان العزيز.
اليوم ماذا نقول؟ هل من أفلام جديدة؟ أم نقول: فيلم واحد لا يكفي! وصحفي واحد لا يكفي! وقناة واحدة لا تكفي. وشجب واحد لم يعد يكفي، بل لا يجدي!
صوت عفويّ منفعل: أمّة واحدة لا تكفي!.
3
الطفل الذي ظهر قبل سنوات وسنوات ، وفي يده لقمةٌ مدّ بها عبر الشاشة لإطعام طفل شاهده يبكي على التلفاز؛ بالقليل من الكلمات والكثير من الأثر الإنساني لمعاني الطفولة حين تكون التعبيرَ الأصدقَ والأنقى... نأكل معًا، نقتسم اللقمة ، ولكن هيهات! فالصورة والشاشة يحكمهما اليومَ ما يحكم هذا العالم من قيود وبطش وعدوان وادعاءات.
حدث ذلك الموقف في أثناء حرب تبدو اليوم منسيّة.
ذلكم الطفل في عمره الصغير، الطفل الذي أرسل مساعدةً عاجلة مستحيلة، صار اليوم كبيرًا و لا شك، أما المجاعة ، فهي أكبر من أن يستوعبها عقل إنسان واحد .. يمكن للطفل، وقد كبُر، أن ينضمّ إلى أية وقفة احتجاج مترجمة!
4
النسر الرحيم، الذي انتظر وانتظر موتَ طفلٍ جائع ذات حرب في جنوب السودان، في التسعينيات أيضًا.
النسر الذي كان له ما أراد: طار جائعًا أو حصل على وجبة عظام بشرية، والمصوّر الذي فازت صورته بجائزة دولية لم يَسمع عنها، وجدوه منتحرًا بعدها بعدة أيام .
الجديد ظهرت لنا نسور من نوع آخر .
5
الرجل الذي فارقه النوم من هول ما شاهد في الأخبار في ليلة واحدة، صلّى الفجر، وعاد، وفي طريقه إلى فراشه، أطلّ لآخر مرّة على عدّة قنوات من تلك التي تجيد نقل الألم.. لوّح بيده مودّعًا للمذيعين والمراسلين ، ودّع من بقي حيًّا يستنجد.. ودّعهم. نام ولم يصحُ بعدها.
كانت آخر كلماته في السجود:
ربّي أنقذْ هابيل من قابيل.
أنقذ (إنسانًا) من (لا إنسان)
أنقذ ضعيفًا مبتلًى من ضعيفٍ استقوى حين أمِن بطشك.
وعلى وسادته ..ختم:
ربّ رُحماك بمن لجأ إلى حماك.
6
في اليوم (الأخير) أٌجلِي الصحفيون من هناك، سمح لهم بمغادرة (مكان القتال) ،و قيل لهم: حفاظًا على سلامتكم! وقيل لانتهاء الأمر من جذوره .. وقيل لئلا يتعطل هدم المربع الأخير!
كان بعضهم يودّ البقاء كخطّ دفاع أخير عن الأطفال والأمهات والأبرياء العزّل؛ بلا سبب مقنع، أُخرجوا ، واتهمتهم دولةُ بطشائيل زورًا بأنهم دخلوا بلا تصاريح !
وقف مصوّر شجاع من بينهم، اقترب من جنديٍّ ظهر قبل أيام، في مقطع فيديو وهو يفتخر بقتل 27 طفلًا، لم يسأله عن الجريمة، فقد يغيّر الأرقام ولسوف يكذب حين ينوي مرة أن يصدق. ودّع المصوّر آلة التصوير بلقطة أخيرة وبلمسة حانية، وبنظرة ذات معنى إليها، ثم رماها بكامل وزنها في وجه القاتل، ومضى !
7
اليوم الأخير للحياة!
اعترضوا على العبارة، و هدّدوا باستخدام أسلحتهم لكيلا تنكشف جرائمهم! صوّبوها ، ثم قالوا بلا حياء:
اليومَ يحلّ السلام!
و قالوا : نحن نتحدّث عن اليوم الأجمل اليوم التالي!! بعض المعلّقين والمحلّلين حذّروا من أيّام صعبة.
على النقيض من كل ما يجري، ومن بين الركام ، من عمق الأرض، تظهر يدان تلوّحان بعلم وبشارة النصر ، وصوتٌ جريح يردّد :يوم أول ،يوم أخير، لا فرق، هي أيام نجمعها لنعود أقوى وأصلب.. و ستبقى راية الخوف السوداء ترفرف بالذعر فوق خرائب صدوركم وفي قلب أحقادكم ، وسنبقى نحمل راية الحق وراية الوطن والنصر القادم نحملها في قلوبنا. سنظهر ذات يوم كفينيق ينهض من بين الركام والرماد.
8
في الختام ، يودّ أصحابُ الضمائر الحيّةأن تظهر المزيدُ من الحقائق في كتاب أسود يُسمّى( دستور القتلة).