حسام الحداد - إعادة تعريف دور المثقف: قراءة في ثنائية باومان التشريعية–التأويلية

يشكّل كتاب زيجمونت باومان "هل التشريع وأهل التأويل في الحداثة وما بعد الحداثة والمفكرين" محطة أساسية في مشروعه الفكري الذي انشغل بتفكيك مآزق الحداثة وتحولاتها في زمن ما بعد الحداثة. ففي هذا العمل، لا يكتفي باومان برصد المسار الفلسفي والفكري، بل يسعى إلى إعادة مساءلة دور المثقف بين موقعين متعارضين: المشرّع الذي يحتكر الحقيقة والمعنى، والمؤوّل الذي ينفتح على التعددية ويرفض فرض قراءة أحادية للواقع.
ينطلق باومان من قناعة أن العلاقة بين المعرفة والسلطة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي لبّ الإشكال الذي يحدد طبيعة الأدوار التي يلعبها المثقف في المجتمع. فحين يحتكر المثقف سلطة التشريع، فإنه يرسّخ مركزية فكرية تتقاطع مع منطق الدولة الحديثة ومؤسساتها. أما حين يتحول إلى مؤوّل، فإن موقعه يتراجع لصالح الانفتاح على الحوار والاعتراف بالنسبية، لكنه يخسر في المقابل ما كان يتمتع به من سلطة رمزية تمنحه قيادة المجال العام.
بهذا المعنى، يقدم باومان أطروحته ضمن جدلية كبرى: هل المثقف في زمن ما بعد الحداثة أكثر تحررًا وانفتاحًا بفضل دوره التأويلي، أم أنه أصبح أكثر ضعفًا وهشاشة بعد فقدان موقع "المشرّع" الذي منح الفكر الحديث قوته؟ هذا السؤال لا يُطرح في سياق الفكر الغربي فحسب، بل يكتسب راهنيته في كل مجتمع يعيش أزمة في تحديد موقع المثقف بين المعرفة والسلطة.
أهمية الكتاب لا تكمن فقط في عمق أطروحته النظرية، بل أيضًا في قدرته على إثارة نقاش مفتوح حول مصير المثقف في عالم متشظٍ تسيطر عليه العولمة والإعلام الرقمي وصعود المؤثرين. إنه نص يضع القارئ أمام مفارقة حقيقية: هل نحن بحاجة إلى يقينيات كبرى تعيد للمثقف سلطة التشريع، أم أن زمننا لا يحتمل سوى التأويل والتعدد، مهما كانت كلفته على وحدة المعنى واستقرار المرجعيات؟

يقوم الكتاب على ثنائية مركزية:
يقوم كتاب زيجمونت باومان على ثنائية فكرية أساسية تشكل العمود الفقري لتحليله: ثنائية المشرّع والمؤوّل. هذه الثنائية ليست مجرد تصنيف تقني، بل تعكس تحوّلًا عميقًا في دور المثقف عبر التاريخ الحديث والمعاصر. فهي بمثابة مفتاح لفهم كيفية انتقال الفلسفة والفكر من عصر الحداثة الذي سعى إلى التوحيد واليقين، إلى فضاء ما بعد الحداثة الذي يتبنى النسبية والتعددية.
المشرّع، في رؤية باومان، هو الفيلسوف أو المثقف الذي يضع نفسه في موقع السلطة المعرفية المطلقة. إنه ذلك الذي يدّعي امتلاك المعايير النهائية للحقيقة، ويقدم نفسه باعتباره صاحب الكلمة الفصل في تحديد ما هو صحيح وما هو باطل، وما يجب أن يكون وما لا ينبغي أن يكون. وقد ازدهر هذا النموذج مع مشروع الحداثة الأوروبية، حيث ارتبطت المعرفة بالسلطة، وأصبح العقل أداة لبناء مؤسسات المجتمع وفق منطق السيطرة والتنظيم.
أما المؤوّل، فهو الوجه المقابل في هذه الثنائية. إنه المثقف أو المفكر الذي يرفض احتكار الحقيقة، ويعترف بأن المعاني متكاثرة ومتعددة بتعدد السياقات والخلفيات. المؤوّل لا يسعى إلى فرض تفسير واحد على الواقع، بل إلى الكشف عن إمكانيات متعددة للمعنى، مستندًا إلى حس نقدي يتفادى الأحكام النهائية. وهذا النموذج ارتبط بصعود ما بعد الحداثة، التي بدورها قامت على رفض السرديات الكبرى وتفكيك المرجعيات الشاملة التي سادت الحداثة، لصالح الانفتاح على التنوع والنسبية.
من هذا المنطلق، يطرح باومان سؤالًا محوريًا ينسحب على مجمل الكتاب: كيف تغيّر موقع المثقف من مشرّع للمعنى إلى مؤوّل له؟ هذا السؤال لا يقتصر على الحقل الفلسفي، بل يمتد ليطال انعكاساته الاجتماعية والسياسية. فهل تحرّر المثقف من سلطة الهيمنة ليصير أكثر قربًا من الناس في زمن ما بعد الحداثة؟ أم أنه، بفقدانه دور "المشرّع"، خسر أيضًا سلطته الرمزية، وصار مجرد مؤوّل بين آلاف الأصوات الأخرى؟ هنا تكمن قيمة الكتاب في إعادة صياغة موقع المثقف، ليس فقط في الغرب بل في أي سياق يعاني أزمة في العلاقة بين المعرفة والسلطة.

القيمة النظرية:
تتمثل القيمة النظرية لكتاب زيجمونت باومان في أنه يقدّم إطارًا تحليليًا شاملاً لفهم التحولات التي أصابت الفكر الغربي عند الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. فبدلًا من الاكتفاء بالحديث عن القطيعة بين المرحلتين، يقترح باومان نموذجًا ثنائيًا (المشرّع/المؤوّل) يتيح لنا فهم طبيعة الأدوار التي تَشكّل من خلالها المثقف. هذا النموذج يساعد على تفسير التحولات التاريخية والمعرفية ضمن منطق جدلي يوضح كيف انتقل المثقف من موقع السلطة المطلقة إلى موقع المشاركة في إنتاج معانٍ متعددة.
إبراز باومان لدور المثقف باعتباره مشرّعًا في عصر الأنوار يعكس بدقة العلاقة الوثيقة بين المعرفة والسلطة. فالمعرفة في ذلك السياق لم تكن مجرد إنتاج نظري، بل أداة لتنظيم المجتمع وفرض قواعده وفقًا لمنطق العقلانية الأداتية. هنا يتقاطع باومان مع أطروحات مفكرين مثل ميشيل فوكو وبيير بورديو، اللذين شددا على أن السلطة لا تنفصل عن أنماط المعرفة، بل تتجسد فيها وتعمل من خلالها. وبالتالي فإن المشرّع لم يكن مجرد منظّر، بل مهندس اجتماعي يسعى لتشكيل الواقع وفقًا لرؤيته الخاصة.
لكن القيمة المضافة التي يقدمها باومان تكمن في نقل النقاش من المشرّع إلى المؤوّل. ففي عالم ما بعد الحداثة لم يعد المثقف يحتكر السلطة الرمزية، بل صار مجرد طرف ضمن شبكة معقدة من الفاعلين الذين يتشاركون في إنتاج المعنى. هذا التحول يُعتبر محاولة لإيجاد بديل أقل سلطوية وأكثر انفتاحًا، حيث يُستبدل الادعاء باليقين الشامل بالاعتراف بتعدد الحقائق وتنوع القراءات. بذلك يصبح المثقف مؤوّلًا للمعاني، لا مشرّعًا لها، وهو ما يفتح المجال أمام خطاب معرفي أقل مركزية وأكثر تعددية.
وأخيرًا، ينسجم هذا الانتقال من التشريع إلى التأويل مع تحولات العولمة وتفتت المرجعيات في العصر المعاصر. فالمجتمعات لم تعد موحدة تحت سلطة سردية كبرى أو مرجعية واحدة، بل باتت تتسم بالتنوع الثقافي والمعرفي، وبسيولة الحدود بين الهويات. في هذا الإطار، يقدّم باومان قراءة تستجيب لمتطلبات زمن فقد فيه اليقين مكانته لصالح التعددية. ومع ذلك، فإن هذه القيمة النظرية تظل مثار نقاش نقدي: فهل التعددية المطلقة تمنح الحرية أم تقود إلى الفوضى؟ هذا السؤال يظل مفتوحًا ويعكس حيوية الكتاب وأثره الفكري.

نقاط القوة:
من أبرز نقاط القوة في كتاب زيجمونت باومان قدرته على الربط بين التحولات الفلسفية الكبرى وبين السياقات الاجتماعية والسياسية التي جرت فيها. فهو لا يتعامل مع الحداثة وما بعد الحداثة كإشكاليات فكرية مجردة، بل يبين كيف أن كل تحول معرفي انعكس مباشرة على بنية المجتمع وعلى موقع المثقف داخله. هذه القدرة على المزج بين النظرية والتاريخ الاجتماعي تعطي الكتاب بعدًا مزدوجًا: فهو نص فلسفي وفي الوقت ذاته تحليل سوسيولوجي للتغيرات التي مست العالم الغربي.
النقطة الثانية تتمثل في استخدام باومان لمفاهيم واضحة ومباشرة مثل ثنائية "المشرّع/المؤوّل". فبدلًا من الانغماس في التعقيدات الاصطلاحية التي تجعل القارئ العادي في عزلة عن النصوص الفلسفية، يطرح باومان مفاهيم قابلة للتداول والتوظيف في النقاش العام. هذه البساطة في الطرح لا تعني تبسيطًا سطحيًا، بل هي توظيف ذكي للغة تمكن القارئ من الإمساك بجوهر الفكرة، وتمنحه أداة تحليلية لفهم صراع الأدوار داخل الحقول الفكرية والثقافية.
أما النقطة الثالثة فهي أن باومان يمارس نقدًا ضمنيًا لمفهوم السلطة المعرفية المطلقة. فهو يرفض النموذج الذي يجعل من المثقف مشرّعًا يفرض وصايته على الآخرين، ويرى أن هذا الدور يتعارض مع تحولات المجتمع المعاصر الذي أصبح أكثر تنوعًا وتعددًا. بهذا المعنى، ينحاز باومان إلى رؤية تجعل من المعرفة مجالًا للحوار والمشاركة لا للاحتكار والهيمنة، ما يقربه من مفهوم "الديمقراطية المعرفية" التي تتيح للجميع حق المساهمة في إنتاج المعنى.
وأخيرًا، تكمن قوة الكتاب في أنه لا يكتفي بطرح أفكار نظرية، بل يثير أسئلة نقدية مفتوحة حول مصير المثقف ودوره في عالم ما بعد الحداثة. هذه الأسئلة تجعل القارئ شريكًا في عملية التفكير، لا مجرد متلقٍ سلبي للأفكار. وبذلك يتحول النص إلى مساحة للنقاش والتأمل حول قضية ما زالت راهنة، خاصة في ظل التغيرات التي فرضتها العولمة والتكنولوجيا الرقمية على وظيفة المثقف.

نقاط القصور:
أول ما يمكن ملاحظته من قصور في كتاب باومان هو التركيز المفرط على ثنائية التشريع والتأويل. فالنص يقدّمها وكأنها إطار قاطع يفسر موقع المثقف في كل زمان ومكان، بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. المثقف قد يجمع بين الدورين في الوقت نفسه: مشرّع في قضايا تتطلب موقفًا حاسمًا ومؤوّل في قضايا أخرى تحتاج مرونة وانفتاحًا. هذا الإصرار على الثنائية يجعل النموذج مغلقًا في بعض الأحيان، ويُغفل وجود مناطق رمادية أو أشكال هجينة من أدوار المثقفين.
النقطة الثانية تتعلق بـ ميل باومان إلى الاحتفاء بما بعد الحداثة بوصفها مجالًا للتعدد والاختلاف. صحيح أن هذا الانفتاح يشكّل ردّ فعل مهمًا على مركزية الحداثة وسلطويتها، لكن باومان لا يتوقف بما يكفي عند مخاطر النسبية المطلقة. فغياب أي مرجع مشترك قد يؤدي إلى حالة من الفوضى المعرفية، حيث تُساوى جميع الآراء، بصرف النظر عن قيمتها أو صدقيتها. هذا الوضع قد يُفضي إلى تفكيك المعنى بدلًا من إثرائه، وإلى إضعاف إمكانية التواصل الجماعي أو بناء مشروع مشترك.
النقطة الثالثة هي أن باومان، في تحليله، يبقى محصورًا في السياق الغربي دون محاولة جادة لتوسيع أفق النظر إلى مجتمعات أخرى. هذا الانغلاق يجعل الكتاب أقل قابلية للتطبيق في بيئات فكرية وسياسية مغايرة، مثل السياق العربي أو الإسلامي، حيث علاقة المثقف بالسلطة وبالمجتمع تأخذ أشكالًا مختلفة تمامًا. وغياب هذا البعد المقارن يُضعف من الطابع الكوني للأطروحة، ويجعلها تبدو كأنها انعكاس لخبرة أوروبية محلية أكثر من كونها تحليلًا إنسانيًا عامًا.
وأخيرًا، يمكن القول إن باومان، رغم قوته التحليلية، يميل أحيانًا إلى التجريد النظري الذي لا يقدم حلولًا عملية أو تصورات بديلة لكيفية ممارسة المثقف لدوره في زمن ما بعد الحداثة. فهو يكتفي بوصف التحول من المشرّع إلى المؤوّل، لكنه لا يقدم إرشادات عملية حول كيفية تجاوز المآزق الناتجة عن هذا التحول، أو كيفية التوفيق بين الحاجة إلى مرجعيات مشتركة من جهة، والحاجة إلى التعدد والاختلاف من جهة أخرى. هذا ما يجعل القارئ في نهاية الكتاب أمام أسئلة مفتوحة أكثر من كونه أمام أجوبة عملية.

إشكالية المثقف:
من بين القضايا الجوهرية التي يثيرها باومان في كتابه هي إشكالية موقع المثقف في المجتمع المعاصر. فالنقاش حول دور المثقف ليس جديدًا، لكنه يأخد عند باومان صيغة مغايرة ترتبط بالتحولات التي شهدها العالم مع الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. فهل المثقف هو قائد مشرّع يفرض رؤيته على الآخرين، ويضع القواعد والمعايير التي ينبغي اتباعها؟ أم أنه مجرد مؤوّل ووسيط يفسر تنوع المعاني ويتيح للناس قراءة العالم بطرق متعددة دون فرض إلزام معرفي أو سلطوي؟
هذا الطرح يعيد إلى الواجهة سؤال السلطة الرمزية للمثقف. ففي زمن الحداثة، كان المثقف يحظى بمكانة المشرّع، يُنظر إليه باعتباره مصدرًا للمعرفة اليقينية وصاحب سلطة أخلاقية وفكرية على المجتمع. أما اليوم، ومع سيادة ما بعد الحداثة، تراجعت هذه السلطة لصالح صورة المثقف المؤوّل، الذي لا يحتكر الحقيقة بل يشارك في نقاش مفتوح حولها. هذا التحول يعبّر عن تراجع مركزية المثقف كـ"زعيم فكري"، وتحوله إلى طرف واحد ضمن شبكة واسعة من الأصوات والمعارف.
لكن التحدي الأكبر يظهر في عصر الإعلام الرقمي وصعود المؤثرين. فالمثقف لم يعد يمتلك سلطة التشريع التي كان يتمتع بها في الماضي، لكنه أيضًا لم ينجح في ترسيخ سلطة التأويل كبديل مقبول وفاعل. فالمجال العام بات مزدحمًا بآلاف الأصوات المتنافسة، كثير منها يفتقر إلى العمق المعرفي، لكنها تتمتع بجاذبية جماهيرية عالية. وهكذا يجد المثقف نفسه محاصرًا بين فقدان الدور التقليدي وعدم القدرة على تثبيت دور جديد في مواجهة "طوفان المعلومات".
من هنا، يكتسب طرح باومان أهميته الخاصة، إذ يفتح نقاشًا حول كيفية إعادة تعريف وظيفة المثقف في زمن يسوده التعدد والانقسام. فهل على المثقف أن يستعيد بعض ملامح دور "المشرّع" ليمنح المجتمع مرجعيات مشتركة، ولو جزئيًا؟ أم أن مهمته الحقيقية تكمن في تعزيز دور "المؤوّل" القادر على بناء جسور بين المعاني المختلفة وتنظيم الحوار داخل فضاء معرفي مشتت؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة، وتعكس أن أزمة المثقف ليست مرتبطة بغياب دوره، بل بضرورة إعادة ابتكاره بما يتناسب مع تحولات عصرنا.

خاتمة
كتاب باومان ليس مجرد عمل أكاديمي في فلسفة ما بعد الحداثة، بل هو نص تأسيسي لإعادة التفكير في وظيفة المثقف ودوره بين التشريع والتأويل. ورغم ما يحمله من ثغرات نظرية ومبالغات في تمجيد النسبية، إلا أنه يقدم أداة نافعة لقراءة التحولات المعاصرة في الفكر والمجتمع. ويمكن القول إن القيمة الكبرى لهذا العمل تكمن في أنه يدفعنا لإعادة طرح السؤال في سياقنا العربي: هل نحن بحاجة إلى مشرّع جديد للمعنى في زمن الانقسامات، أم إلى مؤوّل قادر على بناء الجسور بين القراءات المختلفة؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...