أحببت هالة منذ كنت في العشرين من عمري. كنا نجتمع سويًّا في نادي الأدب بالكلية، تحت إشراف أحد الأساتذة ممن يهوون الشعر والقصص. كنت أكتب الشعر، أما هي، فكانت تكتب القصص القصيرة. كان جمالها من النوع الهادئ، بلا صخب، بيضاء البشرة، سوداء العينين، محجبة، وكان صوتها رقيقًا وهي تقرأ علينا قصصها، وتصمت في ترقب منتظرة آراءنا وتعليقاتنا. أحببتها في صمت، ولم أجرؤ، ونحن مازلنا طلبة، على أن أصرح لها بشيء، ولكنني كنت متأكدًا من أنها تعرف، ومن أنها تبادلني الشعور نفسه، فقط، تنتظر أن أبدأ. في أحد الأيام، أخبرتنا أنها قد خطبت، وتجنبت النظر إليّ وهي توزع علينا قطع الشيكولاتة. في النهاية، هي لم تعدني بشيء، وأنا أيضًا لم أخبرها بشيء. تزوجت هالة، وسافرت مع زوجها الذي يعمل في الخليج، وأنجبت طفلين. الآن أصبحا شابين. أنا أيضًا تزوجت، وصار أبنائي طلبة في الجامعة. أتابع أخبارها على منصات التواصل الاجتماعي، أعلق على منشوراتها، أبدي إعجابي ببعضها، وأهنئها كل عام بعيد ميلادها. عرفت مؤخرًا من أحد الأصدقاء المشتركين أنها قد انفصلت عن زوجها، أو بالأحرى، تم الانفصال بعد قضية خلع، رفعتها عليه بعد أن اكتشفت أنه تزوج عليها في الغربة. عادت هالة إلى مصر، تعيش الآن مع والدتها، بعد وفاة أبيها، أما ابناها، فقد اختارا أن يعيشا مع والدهم. يزوران مصر في الأجازات والأعياد، بعد هذا، تبقى وحيدة، وحزينة. أتواصل معها من وقت لآخر عبر الواتس. لا مقابلات، ولا مكالمات. لقد تجاوزت هالة الخامسة والأربعين عامًا، وأنا كذلك. لكنني مازلت أحبها.
صديقي الدكتور عمرو هو من ألهمني الفكرة. كان الدكتور عمرو أستاذًا في كليتنا بالإسكندرية، ثم انتدب للتدريس يومين في الأسبوع بإحدى الجامعات الخاصة بالقاهرة. كان بحاجة إلى نوع من التغيير والتجديد في حياته الرتيبة. هناك، تعرف على إحدى الزميلات، الدكتورة داليا. كانت تعتنق بعض أفكار الحركات النسوية الجديدة، من قبيل إمرأة قوية مستقلة، وكائن متكامل مكتفٍ بذاته، ولست نصفًا يحتاج إلى نصفٍ آخر، وشعارات من هذا القبيل. حكى لي عمرو كيف وجد داليا مسلية في البداية، وكيف كانا يخرجان معًا بعد انتهاء المحاضرات ليتناولا الغذاء في أحد المطاعم القريبة من جامعتهم، ثم تقوم بتوصيله بسيارتها إلى الفندق الذي كان يبيت ليلته فيه، وكيف كانا يتكلمان في الهاتف ليلاً حتى ساعة متأخرة من الليل، ثم تطور الأمر، حتى تزوجا في حفلٍ عائليٍّ بهيج، وبحضور زملائهما في الجامعة، وعقد قرانهما المأذون الشرعي، واستلم كلٌ منهما نسخة من قسيمة الزواج. رتب عمرو محاضراته في جامعة الإسكندرية لتكون أيام السبت والأحد والإثنين والثلاثاء. يسافر صباح الأربعاء إلى القاهرة ليعطي محاضراته، ثم يذهب مع داليا إلى شقتها، ليقضيا مساء الأربعاء معًا، ثم يذهبان معًا إلى جامعتهما صباح الخميس، فيستكمل محاضراته، ويعود بعدها إلى الإسكندرية بقطار المساء. كان عمرو سعيدًا متحمسًا وهو يروي لي مغامراته، أهم شيء ألا تشك زوجته الأولى في شيء. تلك هي المغامرة الحقيقية. يحرص على محادثتها مساء الأربعاء، وأثناء عودته بالقطار مساء الخميس. عند عودته للمنزل، يتحجج بالإرهاق، وبعد حمام دافئ، يتناول وجبة ساخنة وشهية، ثم، الجمعة يومٌ جديد. أما زوجته الفيمينيست، فهي أكثر منه سعادة بهذا الزواج، لا أحد يتحكم فيها طوال الأسبوع، ولا أحد يطلب منها شيئًا، ولا حتى كوبًا من الشاي. يتغذيان في الخارج يوم الأربعاء، ويطلبان بيتزا أو شطائر في المساء. يدفع عمرو ثمن هذه الوجبات، فقط، فقد رفضت زوجته أن يساهم بأي شكل في مصروفاتها الأخرى. لا أحد يطلب من الآخر أن يهتم بأمه أو أبيه، أو بمشاكله العائلية. اتفقا على عدم الإنجاب. أحيانًا تتبادل معه المحادثات التليفونية أثناء الأسبوع، ولكنها ناضجة، لا تطلب منه أن يأتي إليها فورًا لأن متعبة نفسيًّا أو وحيدة أو تشعر بالملل أو أي شيء من هذه الترهات الأنثوية. علاقة متوازنة، ومريحة، كما يقولان.
استفسرت من شيخ المسجد عن شرعية هذه العلاقة، فقال بأن شروط وأركان الزواج صحيحة، من توثيق وشهود وإشهار وقبول، ولكنه لا يستريح لهذا النوع من الزيجات، كما أنه مبني على خداع الزوجة الأولى، وطلب مني أن أتوجه لدار الإفتاء، لأستفتي من هم أعلم منه.
أفسد عليّ عمرو استقراري النفسي، فبعد ما كنت قد أقنعت نفسي لسنوات طويلة بأنني سعيد في حياتي الزوجية، مع زوجتي الطيبة، الغبية قليلاً، ومع أبنائي الأعزاء، الذين لا أعرفهم جيدًا في الواقع، ولا أمثل بالنسبة إليهم إلا الممول الوحيد، وأحيانًا، السند وقت المشكلات. أصبحت الآن لا أكاد أنام من فرط التفكير في الأمر، هل أفاتح هالة؟ هل أجبن كما جبنت منذ خمسة وعشرين عامًا؟ ربما تصدني، ربما تحتقرني، ربما زهدت في الرجال، ربما ترى فيّ خائنًا لزوجته الأولى مثلما فعل زوجها السابق. ثم ماذا سأقول لزوجتي وأولادي إذا ما تغيبت عنهم ليوم أو يومين كل أسبوع؟ هذا الوغد عمرو كان يمتلك عذرًا مقنعًا، ثم أين سنقضي أيامنا المختلسة؟ في بيت أمها؟ بالتأكيد لا، هل أستأجر لها شقة مفروشة؟ وإذا رفضت؟ هل أشتري شقة تمليك؟ هل سأكتبها باسمها؟ إن مدخراتي طيلة عمري تكفي بالكاد لشراء شقة متوسطة. هل سأشتري لها شبكة؟ وخاتم؟ هل سألبس خاتمين؟ بالتأكيد لا، سأستبدل واحدًا بآخر. لن تلاحظ زوجتي الطيبة. لم يقل لي عمرو ماذا فعل في هذه المسألة. والمهر؟ لقد كبرنا على هذه الأشياء، لكنني سوف أودع لهالة مبلغًا معقولاً، يدر عليها عائدًا شهريًّا مدى الحياة. لم أكتب لزوجتي، قليلة الطلبات، أو ربما عديمة الطلبات، أي شيء. لو عرف ابني الكبير أنني قد أنفقت ما أملك على زوجة جديدة بدلاً من أن أشتري له شقة ليتزوج فيها، فسيقتلني. لا، لن يصل الأمر لهذه الدرجة، ربما اتهمني بالخرف وأقام ضدي دعوى حجر. وزوجتي، تلك الغافلة، صحيح أنني فشلت خلال سنوات زواجنا في أن أقيم معها حوارًا ثقافيًّا راقيًّا، فهي لا تحب الأدب ولا الشعر، وثقافتها مستقاة من المسلسلات والأفلام التليفزيونية، ولكنها تتفانى في أداء واجباتها الزوجية والأسرية، وبدون أن يطلب منها أحد أي شيء. هل ستطهو لي هالة الأكلات التي أحبها؟ هل ستحضر لي قهوتي المضبوطة؟ هل سترعاني كما ترعاني زوجتي؟ أم أننا سنقضي سويعاتنا المختلسة في قراءة الشعر، والحوارات الثقافية، واستحضار الماضي؟ أما زالت تكتب قصصًا قصيرة؟ إنني أحتفظ في أوراقي القديمة بقصة لها، بخط يدها، مع صورة جماعية للمجموعة، في إحدى ندواتنا الأدبية. وماذا عني؟ إنني لم أكتب الشعر منذ سنوات. هل ستعود ملهمتي؟ هل ستوافق أصلاً؟ هل ستخبر ابنيها؟ وزوجها السابق؟ ماذا سيكون موقفهم؟ هل سيوافقون؟ أم سيعارضون؟ ألم يتركونها وحيدة وفضلوا عليها أموال الخليج؟ ماذا يريدون منها؟ أليس من حقها أن تعيش حياتها كما تريد، مادامت لا تغضب ربها؟ يجب أن أستشير أحد شيوخ الأزهر في هذا الزواج. فلينتقم الله منك يا عمرو.
صديقي الدكتور عمرو هو من ألهمني الفكرة. كان الدكتور عمرو أستاذًا في كليتنا بالإسكندرية، ثم انتدب للتدريس يومين في الأسبوع بإحدى الجامعات الخاصة بالقاهرة. كان بحاجة إلى نوع من التغيير والتجديد في حياته الرتيبة. هناك، تعرف على إحدى الزميلات، الدكتورة داليا. كانت تعتنق بعض أفكار الحركات النسوية الجديدة، من قبيل إمرأة قوية مستقلة، وكائن متكامل مكتفٍ بذاته، ولست نصفًا يحتاج إلى نصفٍ آخر، وشعارات من هذا القبيل. حكى لي عمرو كيف وجد داليا مسلية في البداية، وكيف كانا يخرجان معًا بعد انتهاء المحاضرات ليتناولا الغذاء في أحد المطاعم القريبة من جامعتهم، ثم تقوم بتوصيله بسيارتها إلى الفندق الذي كان يبيت ليلته فيه، وكيف كانا يتكلمان في الهاتف ليلاً حتى ساعة متأخرة من الليل، ثم تطور الأمر، حتى تزوجا في حفلٍ عائليٍّ بهيج، وبحضور زملائهما في الجامعة، وعقد قرانهما المأذون الشرعي، واستلم كلٌ منهما نسخة من قسيمة الزواج. رتب عمرو محاضراته في جامعة الإسكندرية لتكون أيام السبت والأحد والإثنين والثلاثاء. يسافر صباح الأربعاء إلى القاهرة ليعطي محاضراته، ثم يذهب مع داليا إلى شقتها، ليقضيا مساء الأربعاء معًا، ثم يذهبان معًا إلى جامعتهما صباح الخميس، فيستكمل محاضراته، ويعود بعدها إلى الإسكندرية بقطار المساء. كان عمرو سعيدًا متحمسًا وهو يروي لي مغامراته، أهم شيء ألا تشك زوجته الأولى في شيء. تلك هي المغامرة الحقيقية. يحرص على محادثتها مساء الأربعاء، وأثناء عودته بالقطار مساء الخميس. عند عودته للمنزل، يتحجج بالإرهاق، وبعد حمام دافئ، يتناول وجبة ساخنة وشهية، ثم، الجمعة يومٌ جديد. أما زوجته الفيمينيست، فهي أكثر منه سعادة بهذا الزواج، لا أحد يتحكم فيها طوال الأسبوع، ولا أحد يطلب منها شيئًا، ولا حتى كوبًا من الشاي. يتغذيان في الخارج يوم الأربعاء، ويطلبان بيتزا أو شطائر في المساء. يدفع عمرو ثمن هذه الوجبات، فقط، فقد رفضت زوجته أن يساهم بأي شكل في مصروفاتها الأخرى. لا أحد يطلب من الآخر أن يهتم بأمه أو أبيه، أو بمشاكله العائلية. اتفقا على عدم الإنجاب. أحيانًا تتبادل معه المحادثات التليفونية أثناء الأسبوع، ولكنها ناضجة، لا تطلب منه أن يأتي إليها فورًا لأن متعبة نفسيًّا أو وحيدة أو تشعر بالملل أو أي شيء من هذه الترهات الأنثوية. علاقة متوازنة، ومريحة، كما يقولان.
استفسرت من شيخ المسجد عن شرعية هذه العلاقة، فقال بأن شروط وأركان الزواج صحيحة، من توثيق وشهود وإشهار وقبول، ولكنه لا يستريح لهذا النوع من الزيجات، كما أنه مبني على خداع الزوجة الأولى، وطلب مني أن أتوجه لدار الإفتاء، لأستفتي من هم أعلم منه.
أفسد عليّ عمرو استقراري النفسي، فبعد ما كنت قد أقنعت نفسي لسنوات طويلة بأنني سعيد في حياتي الزوجية، مع زوجتي الطيبة، الغبية قليلاً، ومع أبنائي الأعزاء، الذين لا أعرفهم جيدًا في الواقع، ولا أمثل بالنسبة إليهم إلا الممول الوحيد، وأحيانًا، السند وقت المشكلات. أصبحت الآن لا أكاد أنام من فرط التفكير في الأمر، هل أفاتح هالة؟ هل أجبن كما جبنت منذ خمسة وعشرين عامًا؟ ربما تصدني، ربما تحتقرني، ربما زهدت في الرجال، ربما ترى فيّ خائنًا لزوجته الأولى مثلما فعل زوجها السابق. ثم ماذا سأقول لزوجتي وأولادي إذا ما تغيبت عنهم ليوم أو يومين كل أسبوع؟ هذا الوغد عمرو كان يمتلك عذرًا مقنعًا، ثم أين سنقضي أيامنا المختلسة؟ في بيت أمها؟ بالتأكيد لا، هل أستأجر لها شقة مفروشة؟ وإذا رفضت؟ هل أشتري شقة تمليك؟ هل سأكتبها باسمها؟ إن مدخراتي طيلة عمري تكفي بالكاد لشراء شقة متوسطة. هل سأشتري لها شبكة؟ وخاتم؟ هل سألبس خاتمين؟ بالتأكيد لا، سأستبدل واحدًا بآخر. لن تلاحظ زوجتي الطيبة. لم يقل لي عمرو ماذا فعل في هذه المسألة. والمهر؟ لقد كبرنا على هذه الأشياء، لكنني سوف أودع لهالة مبلغًا معقولاً، يدر عليها عائدًا شهريًّا مدى الحياة. لم أكتب لزوجتي، قليلة الطلبات، أو ربما عديمة الطلبات، أي شيء. لو عرف ابني الكبير أنني قد أنفقت ما أملك على زوجة جديدة بدلاً من أن أشتري له شقة ليتزوج فيها، فسيقتلني. لا، لن يصل الأمر لهذه الدرجة، ربما اتهمني بالخرف وأقام ضدي دعوى حجر. وزوجتي، تلك الغافلة، صحيح أنني فشلت خلال سنوات زواجنا في أن أقيم معها حوارًا ثقافيًّا راقيًّا، فهي لا تحب الأدب ولا الشعر، وثقافتها مستقاة من المسلسلات والأفلام التليفزيونية، ولكنها تتفانى في أداء واجباتها الزوجية والأسرية، وبدون أن يطلب منها أحد أي شيء. هل ستطهو لي هالة الأكلات التي أحبها؟ هل ستحضر لي قهوتي المضبوطة؟ هل سترعاني كما ترعاني زوجتي؟ أم أننا سنقضي سويعاتنا المختلسة في قراءة الشعر، والحوارات الثقافية، واستحضار الماضي؟ أما زالت تكتب قصصًا قصيرة؟ إنني أحتفظ في أوراقي القديمة بقصة لها، بخط يدها، مع صورة جماعية للمجموعة، في إحدى ندواتنا الأدبية. وماذا عني؟ إنني لم أكتب الشعر منذ سنوات. هل ستعود ملهمتي؟ هل ستوافق أصلاً؟ هل ستخبر ابنيها؟ وزوجها السابق؟ ماذا سيكون موقفهم؟ هل سيوافقون؟ أم سيعارضون؟ ألم يتركونها وحيدة وفضلوا عليها أموال الخليج؟ ماذا يريدون منها؟ أليس من حقها أن تعيش حياتها كما تريد، مادامت لا تغضب ربها؟ يجب أن أستشير أحد شيوخ الأزهر في هذا الزواج. فلينتقم الله منك يا عمرو.