قبل دقائق من شروق الشمس، أتوجه نحو مكاني المعتاد، اللسان الصخري المؤدي إلى قلعة قايتباي. أجلس على المقعد القماشي القصير، وأخرج عدة الصيد، أفرد بوصة الصيد المطاطية المرنة، أمرر الخيط النايلون الرقيق، والقوي برغم هذا، من الحلقة العلوية، وفي الجزء الأخير من الخيط، أثبت كرة الفلين الصغيرة، وقطعة من الرصاص، وأخيرا، الصنارة. أفتح الصندوق البلاستيكي الصغير لأختار الطُعْم المناسب. أخفي الصنارة بداخل الطعم، وألقيها في الماء، وأنتظر.
أراقب قطعة الفلين الطافية بعناية، عندما تغطس تحت الماء، وأشعر بالجذب لأسفل، أرخي الخيط قليلا، حتى تبتلع السمكة الطعم، وبداخله الصنارة، في هذه اللحظة فقط، أجذب البوصة بقوة، فلا تستطيع السمكة أن تفلت. تتلوى في محاولات يائسة للفكاك، دون جدوى. أجذب الخيط بسرعة، فتقترب السمكة رويدا رويدا. تبدو صغيرة، ساذجة، ابتلعت الطعم بسرعة، وبعد عدة محاولات منها للتملص، تستسلم أخيرا، فأطبق عليها أصابعي، وأنظر لها عن قرب، لا تشبه ميسون. أخلصها من الصنارة، وألقيها مرة أخرى في الماء. أضع نوعا آخر من الطُعم، وأعيد الكرة.
ميسون، الرقيقة، الخجول، والوحيدة التي دق لها قلبي، منذ عشرين عاما، ومازال. كانت ميسون فتاة أحلام الحي، ولكنها لم تكن تلقي بالا إلى أحد، تمشي ناظرة للأرض التي أمامها، في خظوات سريعة، رشيقة، منتظمة، وتتجاهل عبارات الغزل المتناثرة عليها من الجميع، وبدون حتى أن تبتسم أو تلتفت. كانت أمي وأمها صديقتين، وكانت تدرس معي في الكلية ذاتها، وإن كنت أسبقها في الدراسة بعام. كانت تأتي مع أمها إلينا، وكنت أشرح لها ما استغلق عليها فهمه من دروس الكلية الصعبة، وعندما أنهيت دراستي بتفوق، وأنهيت عام الخدمة العسكرية الذي لم يكن يريد أن ينتهي، وتسلمت عملي معيدا في الكلية، اختفت ميسون فجأة. القصة التقليدية التي تحدث دوما. عريس يمتلك شقة مجهزة ولديه عمل ودخل جيد.
سمكة ثانية، تشبه أختها، سرعان ما تخلصت منها، ثم ثالثة، لحقت بهما. كل السمكات تتشابه. أثناء فترة طفولتي، قرأت عن الصياد الفقير في قصة ألف ليلة وليلة، يرمي شبكته مرة واثنتين وثلاث، حتى تخرج له عروس البحر المسحورة. نصفها العلوي إمرأة رائعة الجمال، أما نصفها السفلي فجذع سمكة. منذ أن غابت ميسون وأنا أبحث عن عروستي المسحورة، نصفها العلوي ميسون، ببشرتها البيضاء، ووجها النحيل، يقطر الماء من وجهها، تبتسم لي ابتسامتها العذبة وتميل بوجهها في خجل، بينما يتمايل جذعها السمكي في الماء. سأقرأ عليها قصائدي التي كتبتها لها منذ سنين، ما زالت طازجة، أقرأها لنفسي من وقت لآخر، ولن أنسى تعويذة الصياد السحرية: "يا سمك يا سمك، هل أنت على العهد القديم مقيم؟". فقط، عليها أن تقول "نعم" حتى يزول السحر وتعود إليّ ميسونتي.
في الجوار، يتواجد عدد من الصيادين على طول اللسان، أترك مسافة معقولة بيني وبين الآخرين. لا أريد صحبة ولا إزعاجا. هذا الصياد الكهل عن يميني، اصطاد لتوه سمكة متوسطة، انعكست عليها أشعة الشمس، فلمعت في الهواء للحظات، قبل أن يضعها بأصابعه الخبيرة في سلته العتيقة. أما ذلك الشاب عن يساري، والذي يتسلى بسماع الأغاني الصاخبة المنطلقة من هاتفه المحمول، ولا يتوقف عن الأكل والشرب طوال الوقت، فلا يصطاد شيئا، ولا يبدو أنه سيفعل. يقترب مني في حذر، ويسألني بعد أن ألقيت السمكة الخامسة أو ربما السادسة في الماء:
- لماذا تلقي بالسمك الذي تصطاده في الماء يا حاج؟ هل به عيب؟
- نعم. لا توجد بينهن من تشبه ميسون.
يبتعد الشاب في حذر أكبر، حتما يظن بي الظنون. هكذا أفضل. لملمتُ أشيائي، وفي طريق العودة، تذكرت تلك التي تنتظرني في البيت، فمررت على حلقة سمك عم درويش، أمامه عدة طاولات خشبية مليئة بأنواع الأسماك المختلفة، وبدون كلام، فتحت له الصندوق البلاستيكي الصغير، فألقى فيه عدة سمكات متشابهات، تتلوين في يأس. ناولته النقود، واتخذت طريقي نحو البيت، بمشيتي المتمهلة، المتثاقلة، وأنا أدندن بأغنية قديمة، نسيت أغلب كلماتها.
أراقب قطعة الفلين الطافية بعناية، عندما تغطس تحت الماء، وأشعر بالجذب لأسفل، أرخي الخيط قليلا، حتى تبتلع السمكة الطعم، وبداخله الصنارة، في هذه اللحظة فقط، أجذب البوصة بقوة، فلا تستطيع السمكة أن تفلت. تتلوى في محاولات يائسة للفكاك، دون جدوى. أجذب الخيط بسرعة، فتقترب السمكة رويدا رويدا. تبدو صغيرة، ساذجة، ابتلعت الطعم بسرعة، وبعد عدة محاولات منها للتملص، تستسلم أخيرا، فأطبق عليها أصابعي، وأنظر لها عن قرب، لا تشبه ميسون. أخلصها من الصنارة، وألقيها مرة أخرى في الماء. أضع نوعا آخر من الطُعم، وأعيد الكرة.
ميسون، الرقيقة، الخجول، والوحيدة التي دق لها قلبي، منذ عشرين عاما، ومازال. كانت ميسون فتاة أحلام الحي، ولكنها لم تكن تلقي بالا إلى أحد، تمشي ناظرة للأرض التي أمامها، في خظوات سريعة، رشيقة، منتظمة، وتتجاهل عبارات الغزل المتناثرة عليها من الجميع، وبدون حتى أن تبتسم أو تلتفت. كانت أمي وأمها صديقتين، وكانت تدرس معي في الكلية ذاتها، وإن كنت أسبقها في الدراسة بعام. كانت تأتي مع أمها إلينا، وكنت أشرح لها ما استغلق عليها فهمه من دروس الكلية الصعبة، وعندما أنهيت دراستي بتفوق، وأنهيت عام الخدمة العسكرية الذي لم يكن يريد أن ينتهي، وتسلمت عملي معيدا في الكلية، اختفت ميسون فجأة. القصة التقليدية التي تحدث دوما. عريس يمتلك شقة مجهزة ولديه عمل ودخل جيد.
سمكة ثانية، تشبه أختها، سرعان ما تخلصت منها، ثم ثالثة، لحقت بهما. كل السمكات تتشابه. أثناء فترة طفولتي، قرأت عن الصياد الفقير في قصة ألف ليلة وليلة، يرمي شبكته مرة واثنتين وثلاث، حتى تخرج له عروس البحر المسحورة. نصفها العلوي إمرأة رائعة الجمال، أما نصفها السفلي فجذع سمكة. منذ أن غابت ميسون وأنا أبحث عن عروستي المسحورة، نصفها العلوي ميسون، ببشرتها البيضاء، ووجها النحيل، يقطر الماء من وجهها، تبتسم لي ابتسامتها العذبة وتميل بوجهها في خجل، بينما يتمايل جذعها السمكي في الماء. سأقرأ عليها قصائدي التي كتبتها لها منذ سنين، ما زالت طازجة، أقرأها لنفسي من وقت لآخر، ولن أنسى تعويذة الصياد السحرية: "يا سمك يا سمك، هل أنت على العهد القديم مقيم؟". فقط، عليها أن تقول "نعم" حتى يزول السحر وتعود إليّ ميسونتي.
في الجوار، يتواجد عدد من الصيادين على طول اللسان، أترك مسافة معقولة بيني وبين الآخرين. لا أريد صحبة ولا إزعاجا. هذا الصياد الكهل عن يميني، اصطاد لتوه سمكة متوسطة، انعكست عليها أشعة الشمس، فلمعت في الهواء للحظات، قبل أن يضعها بأصابعه الخبيرة في سلته العتيقة. أما ذلك الشاب عن يساري، والذي يتسلى بسماع الأغاني الصاخبة المنطلقة من هاتفه المحمول، ولا يتوقف عن الأكل والشرب طوال الوقت، فلا يصطاد شيئا، ولا يبدو أنه سيفعل. يقترب مني في حذر، ويسألني بعد أن ألقيت السمكة الخامسة أو ربما السادسة في الماء:
- لماذا تلقي بالسمك الذي تصطاده في الماء يا حاج؟ هل به عيب؟
- نعم. لا توجد بينهن من تشبه ميسون.
يبتعد الشاب في حذر أكبر، حتما يظن بي الظنون. هكذا أفضل. لملمتُ أشيائي، وفي طريق العودة، تذكرت تلك التي تنتظرني في البيت، فمررت على حلقة سمك عم درويش، أمامه عدة طاولات خشبية مليئة بأنواع الأسماك المختلفة، وبدون كلام، فتحت له الصندوق البلاستيكي الصغير، فألقى فيه عدة سمكات متشابهات، تتلوين في يأس. ناولته النقود، واتخذت طريقي نحو البيت، بمشيتي المتمهلة، المتثاقلة، وأنا أدندن بأغنية قديمة، نسيت أغلب كلماتها.