1- من غانية ملحيس
[ كتب الصديق عواد ابو زينة ما يلي
"قال لي صديق من وراء المحيطات: انا متفائل. وفي نفس الدقيقة قرأت عنوان منشور دكتور عادل الاسطة (غزة خيمتنا الاخيرة) مستلهما مقولة محمود درويش (بيروت خيمتنا الاخيرة... بيروت نجمتنا الاخيرة)... ما يقارب الاربعين عاما بين الخيمة الأولى والخيمة والثانية ونحن من نزول الى نزول. ومن أخيرة الى أخيرة. قل لي بربك كيف تريدني ان اتفاءل؟ هل تعتقد ان لهذا النزول آخر كي اتفاءل؟ نزولنا يا صديقي لا قاع له ولا آخر له.
غزة مبتدأ الفناء والخبر لما يأت بعد".]
///
2- رسالة غانية مبحيس
الصديق العزيز عواد أبو زينة
الخيمة ليست مرثية: من مبتدأ الفناء إلى ابتداء الحقيقة
هذا ليس ردا على اليأس بقدر ما هو محاولة لتحويله إلى سؤال فعل: كيف نحول الخيمة من مرثية إلى بداية جديدة، ومن مبتدأ الفناء إلى ابتداء الحقيقة؟
أفهم تمامًا مرارة سؤالك وإحساسك بالهبوط المستمر من خيمة إلى أخرى، ومن “أخيرة” إلى “أخيرة” وكأننا في متوالية لا قاع لها.
وليس فقط أربعون عامًا كما قلت، بل ضعفها من الخيام تكفي لتجعل حتى أكثر الناس صلابة يتساءل: أهناك آخر لهذا النزول؟
لكن لعلنا إذا أعدنا النظر وجدنا أن الخيمة ليست دائما رمزا للنهاية والفناء، بل أيضا رمزا للنهوض والقدرة على الصمود في وجه العدم. النكبة الكبرى، والتي لحقتها أخرى في أقلّ من عقدين، لم تكن نهاية الفلسطيني، بل كانت مساحة أعادت إنتاجه في الشتات.
وغزة اليوم - رغم جحيمها - تعيد تعريف معنى المقاومة، وتمنح العالم كله درسا في أن الفناء ليس قدرا، بل خيارا يُفرض ويُقاوَم.
صحيح أن نزولنا يبدو بلا قاع، لكن ما يدهش العدو ويحير العالم هو أننا - برغم كل هذا النزول - ما نزال حاضرين، وحضورنا يفوق حضور أمة، ونملي جدول أعمال العالم، وما نزال أحياء: نقاتل، نكتب، نحب، وننجب.
لو كان للنزول قاع حقا، لكنا قد انتهينا منذ زمن طويل.
التفاؤل إذن ليس رفاهية ولا إنكارا للواقع، بل هو ضرورة سياسية ووجودية. ليس لأن القادم مضمون، بل لأن تشكله رهن بإرادتنا. فإن كانت غزة، المثخنة بجراحها، المتناهية صغرا مساحة وسكانا، المحاصَرة من عدوها وأهلها وذويها برا وبحرا وجوا، قد واجهت منفردة خمس حروب مدمرة خلال أقل من عقدين، وتتعرض منذ 704 أيام لإبادة للبشر والحجر والتاريخ والذاكرة، ومع ذلك ما تزال تلهم شعوب العالم بأن الهزيمة ليست قدرا لا راد له، فذلك أكبر دليل على أن تغيير المستقبل مرهون بتفعيل الإرادة الذاتية.
الاستسلام لليأس يا صديقي هو وحده النهاية الحقيقية.
غزة قد تبدو “مبتدأ الفناء” كما قلت، لكنها في الوقت نفسه مبتدأ معنى آخر، ابتداء الحقيقة التي:
• تفضح العدو وتعمّق صدوعه التكوينية.
• وتكشف أعطابنا الذاتية المسؤولة عن توالي هزائمنا.
• وتعري العالم في زيف ادعاءاته المتصلة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
• وتنبه البشرية إلى خطر العقل الأداتي ونظام الحداثة المادية العنصرية.
• وتعيد إلينا جوهر قضيتنا.
فهل نستطيع أن نرتقي إلى مستوى تضحيات أهل غزة، ونحول الخيمة من مرثية إلى خندق، ومن “أخيرة” إلى “أولى” جديدة؟
غانية ملحيس
10/9/2025
***
3- رسالة ثالثة من غانية ملحيس الى الدكتور عواد ابو زينة تعليقا على مقاله*
الصديق العزيز عوّاد أبو زينة
أحييك على هذا الاستحضار الجميل لتجربة معرفية قديمة ظلت حيّة فيك، وعلى قدرتك على إعادة تشغيل تلك الروح الحوارية النقدية التي كانت - كما وصفت - تُشكّل أساسًا للوعي والثقافة، لا لمراكمة المعلومات. واللافت أنّ المنهج نفسه ما يزال صالحًا اليوم، حتى في محاورة الذكاء الاصطناعي، لأن جوهره ليس “المحاوَر” بل الطريقة: قلب الفكرة على وجوهها الممكنة، واستنطاق النص من زواياه المخبّأة، وإشراك القارئ في لعبة السؤال والاحتمال.
قراءاتك لرواية إسحاق موسى الحسيني لا تعيد فقط طرح أسئلتها، بل تستعيد الطاقة التحليلية الكامنة فيها، تلك التي تتجاوز الرمزية البسيطة إلى تفكيك البنية الاجتماعية والفكرية التي كانت تتشكل في ثلاثينيات فلسطين. وقد أصبت تماما في التقاط المأزق الذي تصوغه الرواية بذكاء: ليس جهل الدجاجة، بل تردّدها؛ ليس قوة الغريب وحده، بل فجوة الوعي بين الإدراك والفعل؛ ليس عجز الشعب، بل قصور القيادة التي ترى الداخل ولا ترى الخطر الخارجي.
وما يميز قراءتك - ويعطيها قيمتها - أنك أعدتَ النص إلى حياة جديدة:
جعلتَ الدجاجة نموذجًا للأكثرية المتردّدة التي تعرف الحق لكنها تتردد في ممارسته خشية الاتهام أو الخسائر، والديك رمزا للزعامة التقليدية التي تحرس الداخل وتفشل أمام التهديد الحقيقي، بينما الأقلية المبصرة في الرواية تتحول - في تحليلك - إلى تلك النواة التي التقطت الخطر مبكرًا، تمامًا كما التقطه ثوار الثلاثينات قبل أن يستفيق الجميع.
بهذا المعنى، كان لافتا ما وصلت إليه من أن الرواية لا تفضح “جهلا جماعيا” بل تعطلا جمعيا، ومن أن الخطأ لم يكن في “اندفاع المقاومة” بل في معارضة المقاومة من داخلها، وفي تقديس أخلاق الضحية على حساب حقوقها الأساسية.
هذا النوع من القراءة - الذي يجمع بين الوعي السياسي والوعي الثقافي - هو ما يجعل النصوص الكبرى قابلة للعيش من جديد، ويمنح الأدب وظيفته الأخلاقية الأعمق: أن يحوّل الحكاية إلى سؤال، والرمز إلى رؤية، والقراءة إلى وعي.
دام هذا الحضور الفكري الرفيع،
ودام هذا الشغف الذي يعيد للنقاش قيمته، ويذكّرنا بأن الوعي - مثلما فعلتم في أيام الجامعة - يُصنع بالحفر، وبالاختلاف الخلّاق، وبالقدرة على النظر خلف الأبواب المغلقة للنص والواقع معا.
* رسالة ثالثة الى الدكتور عواد ابو زينة تعليقا على مقاله
***
[ كتب الصديق عواد ابو زينة ما يلي
"قال لي صديق من وراء المحيطات: انا متفائل. وفي نفس الدقيقة قرأت عنوان منشور دكتور عادل الاسطة (غزة خيمتنا الاخيرة) مستلهما مقولة محمود درويش (بيروت خيمتنا الاخيرة... بيروت نجمتنا الاخيرة)... ما يقارب الاربعين عاما بين الخيمة الأولى والخيمة والثانية ونحن من نزول الى نزول. ومن أخيرة الى أخيرة. قل لي بربك كيف تريدني ان اتفاءل؟ هل تعتقد ان لهذا النزول آخر كي اتفاءل؟ نزولنا يا صديقي لا قاع له ولا آخر له.
غزة مبتدأ الفناء والخبر لما يأت بعد".]
///
2- رسالة غانية مبحيس
الصديق العزيز عواد أبو زينة
الخيمة ليست مرثية: من مبتدأ الفناء إلى ابتداء الحقيقة
هذا ليس ردا على اليأس بقدر ما هو محاولة لتحويله إلى سؤال فعل: كيف نحول الخيمة من مرثية إلى بداية جديدة، ومن مبتدأ الفناء إلى ابتداء الحقيقة؟
أفهم تمامًا مرارة سؤالك وإحساسك بالهبوط المستمر من خيمة إلى أخرى، ومن “أخيرة” إلى “أخيرة” وكأننا في متوالية لا قاع لها.
وليس فقط أربعون عامًا كما قلت، بل ضعفها من الخيام تكفي لتجعل حتى أكثر الناس صلابة يتساءل: أهناك آخر لهذا النزول؟
لكن لعلنا إذا أعدنا النظر وجدنا أن الخيمة ليست دائما رمزا للنهاية والفناء، بل أيضا رمزا للنهوض والقدرة على الصمود في وجه العدم. النكبة الكبرى، والتي لحقتها أخرى في أقلّ من عقدين، لم تكن نهاية الفلسطيني، بل كانت مساحة أعادت إنتاجه في الشتات.
وغزة اليوم - رغم جحيمها - تعيد تعريف معنى المقاومة، وتمنح العالم كله درسا في أن الفناء ليس قدرا، بل خيارا يُفرض ويُقاوَم.
صحيح أن نزولنا يبدو بلا قاع، لكن ما يدهش العدو ويحير العالم هو أننا - برغم كل هذا النزول - ما نزال حاضرين، وحضورنا يفوق حضور أمة، ونملي جدول أعمال العالم، وما نزال أحياء: نقاتل، نكتب، نحب، وننجب.
لو كان للنزول قاع حقا، لكنا قد انتهينا منذ زمن طويل.
التفاؤل إذن ليس رفاهية ولا إنكارا للواقع، بل هو ضرورة سياسية ووجودية. ليس لأن القادم مضمون، بل لأن تشكله رهن بإرادتنا. فإن كانت غزة، المثخنة بجراحها، المتناهية صغرا مساحة وسكانا، المحاصَرة من عدوها وأهلها وذويها برا وبحرا وجوا، قد واجهت منفردة خمس حروب مدمرة خلال أقل من عقدين، وتتعرض منذ 704 أيام لإبادة للبشر والحجر والتاريخ والذاكرة، ومع ذلك ما تزال تلهم شعوب العالم بأن الهزيمة ليست قدرا لا راد له، فذلك أكبر دليل على أن تغيير المستقبل مرهون بتفعيل الإرادة الذاتية.
الاستسلام لليأس يا صديقي هو وحده النهاية الحقيقية.
غزة قد تبدو “مبتدأ الفناء” كما قلت، لكنها في الوقت نفسه مبتدأ معنى آخر، ابتداء الحقيقة التي:
• تفضح العدو وتعمّق صدوعه التكوينية.
• وتكشف أعطابنا الذاتية المسؤولة عن توالي هزائمنا.
• وتعري العالم في زيف ادعاءاته المتصلة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
• وتنبه البشرية إلى خطر العقل الأداتي ونظام الحداثة المادية العنصرية.
• وتعيد إلينا جوهر قضيتنا.
فهل نستطيع أن نرتقي إلى مستوى تضحيات أهل غزة، ونحول الخيمة من مرثية إلى خندق، ومن “أخيرة” إلى “أولى” جديدة؟
غانية ملحيس
10/9/2025
***
3- رسالة ثالثة من غانية ملحيس الى الدكتور عواد ابو زينة تعليقا على مقاله*
الصديق العزيز عوّاد أبو زينة
أحييك على هذا الاستحضار الجميل لتجربة معرفية قديمة ظلت حيّة فيك، وعلى قدرتك على إعادة تشغيل تلك الروح الحوارية النقدية التي كانت - كما وصفت - تُشكّل أساسًا للوعي والثقافة، لا لمراكمة المعلومات. واللافت أنّ المنهج نفسه ما يزال صالحًا اليوم، حتى في محاورة الذكاء الاصطناعي، لأن جوهره ليس “المحاوَر” بل الطريقة: قلب الفكرة على وجوهها الممكنة، واستنطاق النص من زواياه المخبّأة، وإشراك القارئ في لعبة السؤال والاحتمال.
قراءاتك لرواية إسحاق موسى الحسيني لا تعيد فقط طرح أسئلتها، بل تستعيد الطاقة التحليلية الكامنة فيها، تلك التي تتجاوز الرمزية البسيطة إلى تفكيك البنية الاجتماعية والفكرية التي كانت تتشكل في ثلاثينيات فلسطين. وقد أصبت تماما في التقاط المأزق الذي تصوغه الرواية بذكاء: ليس جهل الدجاجة، بل تردّدها؛ ليس قوة الغريب وحده، بل فجوة الوعي بين الإدراك والفعل؛ ليس عجز الشعب، بل قصور القيادة التي ترى الداخل ولا ترى الخطر الخارجي.
وما يميز قراءتك - ويعطيها قيمتها - أنك أعدتَ النص إلى حياة جديدة:
جعلتَ الدجاجة نموذجًا للأكثرية المتردّدة التي تعرف الحق لكنها تتردد في ممارسته خشية الاتهام أو الخسائر، والديك رمزا للزعامة التقليدية التي تحرس الداخل وتفشل أمام التهديد الحقيقي، بينما الأقلية المبصرة في الرواية تتحول - في تحليلك - إلى تلك النواة التي التقطت الخطر مبكرًا، تمامًا كما التقطه ثوار الثلاثينات قبل أن يستفيق الجميع.
بهذا المعنى، كان لافتا ما وصلت إليه من أن الرواية لا تفضح “جهلا جماعيا” بل تعطلا جمعيا، ومن أن الخطأ لم يكن في “اندفاع المقاومة” بل في معارضة المقاومة من داخلها، وفي تقديس أخلاق الضحية على حساب حقوقها الأساسية.
هذا النوع من القراءة - الذي يجمع بين الوعي السياسي والوعي الثقافي - هو ما يجعل النصوص الكبرى قابلة للعيش من جديد، ويمنح الأدب وظيفته الأخلاقية الأعمق: أن يحوّل الحكاية إلى سؤال، والرمز إلى رؤية، والقراءة إلى وعي.
دام هذا الحضور الفكري الرفيع،
ودام هذا الشغف الذي يعيد للنقاش قيمته، ويذكّرنا بأن الوعي - مثلما فعلتم في أيام الجامعة - يُصنع بالحفر، وبالاختلاف الخلّاق، وبالقدرة على النظر خلف الأبواب المغلقة للنص والواقع معا.
* رسالة ثالثة الى الدكتور عواد ابو زينة تعليقا على مقاله
***