فنون بصرية يحيى بركات - السينما الفلسطينية: بين وهم التزييف الغربي وذاكرة التاريخ المتجذرة في عمق السردية الفلسطينية

في الأيام الأخيرة، وبينما نشرتُ مقالاتي بالإنجليزية في مواقع المهرجانات السينمائية الدولية حول فيلم آن ماري جاسر فلسطين 1936، انهالت تعليقات متباينة من قرّاء ونقاد. بعض هذه التعليقات جاء في إطار النقد الغربي التقليدي الذي نعرفه جيدًا، وبعضها الآخر كان أكثر إنصافًا، يعيد النقاش إلى جوهر القضية.
أولًا: جوهر التعليقات
هناك من رأى أن أفلام جاسر، رغم الاحتفاء بها في كان وتورنتو وربما الأوسكار، تُقدَّم على أنها "أصوات أصيلة من فلسطين"، لكنها في الحقيقة أصوات تُقاس بمعايير الغرب لا بمعايير التجربة الفلسطينية نفسها. أي أن المهرجانات تكافئ تلك الروايات القابلة للتسويق: المعاناة والمقاومة في قوالب إنسانية سهلة التناول، تُرضي ذائقة المتفرج الغربي وتُسكِت شعوره بالذنب.
آخرون تساءلوا: لماذا لا تُعرض في هذه الأفلام "الأصوات اليهودية"؟ ولماذا لا يُسلَّط الضوء على التناقضات الداخلية في المجتمع الفلسطيني: الطبقية، أو الصراع بين القومية والإسلامية، أو حتى العنف الداخلي؟ وكأن الفيلم الفلسطيني لا يُعتبر "واقعيًا" إلا إذا قدّم الفلسطيني ممزقًا من الداخل، فاقدًا لوحدته، بينما يُقدَّم المستعمِر في موقع مكافئ أخلاقيًا.
وفي المقابل، كان هناك من كتب بوضوح: "لماذا يجب أن تُعرض الأصوات اليهودية في فيلم يتناول الاستعمار البريطاني لفلسطين؟ القصة هنا عن كيف صادرت بريطانيا الأرض من الفلسطينيين وأعطتها للمستوطنين." وهو تعليق يعيد البوصلة إلى مكانها الطبيعي: الاحتلال والاغتصاب، لا "التعددية" الزائفة.
ثانيًا: رؤيتي وردي
من تجربتي الطويلة في العمل السينمائي، أدركت أن الغرب يحاول دائمًا فرض معادلة التوازن الزائف: مساواة الضحية بالجلاد، الفلسطيني بالإسرائيلي، وكأنهما طرفان متكافئان في نزاع. يريدون من السينما الفلسطينية أن تنقاد لمفهوم "الاعتدال"، أن تُبسّط تاريخنا حتى لا تُحرجهم، وأن تجعل من المجرم "وجهة نظر" أخرى.
لكن الحقيقة أن السينما الفلسطينية لا تستطيع أن تلعب لعبة السياسي، ولا أن تدخل في منطق "التنازلات التكتيكية". السينما، مثل الثقافة الفلسطينية في كل تفرعاتها، لا يمكن أن تُخضَع لمفهوم الاعتدال الغربي. إن فعلت ذلك، فهي ترتكب خيانة للموروث الثقافي وتزويرًا للتاريخ.
لقد اضطر بعض السينمائيين الفلسطينيين في الماضي إلى الخضوع لهذه المعادلة الغربية بحكم التمويل أو المشاركة في الإنتاج المشترك. لكن النتيجة كانت واضحة: نقد شديد، منع من العرض في فلسطين، وعزلة شعبية خانقة. في المقابل، هناك مخرجون جاؤوا من مجتمعات غربية محمّلة بهذه الأوهام، لكن حين واجهوا الواقع الفلسطيني على الأرض، انعدلت بوصلة عقولهم وأدركوا أن هذه الأرض لا تسمح بتزييف سرديتها.
وأذكر هنا تجربة شخصية: فريق ألماني أراد إنتاج فيلم عن القدس، يُقسَّم إلى 24 قصة، نصفها "إسرائيلية" ونصفها "فلسطينية"، بحجة "إظهار التعايش". لكنني قلت لهم بوضوح: أي تعايش؟ الفلسطيني في القدس يعيش تحت قوانين احتلال عنصرية تصادر بيته وتجبره على الرحيل. طلبت أن يُعترف بالقدس كمدينة فلسطينية محتلة، رفضوا. طلبت أن يكون الجزء الفلسطيني مستقلاً، رفضوا. أرادوا "وهمًا جميلًا" يُسوّق عالميًا، بينما يُمحى الواقع الموثَّق. هذه التجربة مثال حيّ على أن المطلوب ليس الحقيقة، بل إنتاج رواية توافق المزاج الغربي وتتفادى شبح اتهام "معاداة السامية".
ثالثًا: الفيلم والسردية
فلسطين 1936 لم يُقدَّم كرواية سهلة الهضم. بل أعاد فتح فصل مطموس من التاريخ: ثورة شعب ضد الاستعمار البريطاني، وضد بذور المشروع الصهيوني التي كانت تُزرع تحت حماية الإمبراطورية. المطالبة بإدخال "الأصوات اليهودية" هنا ليست حيادًا، بل محاولة لتخفيف وضوح الجريمة.
أما القول إن الفيلم يختزل التاريخ في ثنائية "الضحية/المقاومة"، فهو تجاهل متعمد. لأن تلك الحقبة لم تكن سوى مواجهة مباشرة بين الفلسطيني الأعزل والآلة الاستعمارية. هل يُطلب من السينما أن تُجمّل الاحتلال أو تُقدّمه كمشهد "متعدد الأصوات"؟ هذا سيكون التزييف بعينه.
سينما آن ماري جاسر، مثل سينما كوثر بن هنية في صوت هند رجب، ليست صنيعة لجان المهرجانات، بل مشروع استعادة للذاكرة الفلسطينية من محاولات المحو والتزوير. هذه الأفلام لا تُبسّط التاريخ، بل تُعيد امتلاكه.
إن التعليقات التي ترد على أفلامنا تكشف العقلية الغربية التي تريد دومًا أن ترى الفلسطيني بعيون الآخر: منقسمًا، ضعيفًا، متردّدًا. لكن السينما الفلسطينية ترفض أن تنقاد لهذه الرؤية. هي تُعيد الفلسطيني إلى قلب الصورة، وتجعل الاحتلال في الكادر حيث يجب أن يكون: مجرمًا لا شريكًا، جلادًا لا ندًّا.
لهذا، نعم نصفّق. ليس تصفيقًا مجانيًا أو احتفاليًا، بل تصفيقًا مقاومًا. لأن كل فيلم يصرّ على جعل فلسطين موضوعًا وذاكرة ومقاومة، إنما يشق جدار الأيديولوجيا الغربية الذي فُرض على سرديتنا لعقود طويلة.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...