حسَن الرّحيبي - حكاية أول دُخول مَدرسي قبل63 سنة بالتّمَام والكمَال ..

صَديقا الطّفُولة حين أدخلونا المدرسة جميعاً ذات يوم إثنين من خريف سنة 1961 . كانت المدرسة جديدة ببنايتها ذات الجدران البيضاء المائلة إلى الصّفرة . وسقفها الجاهز من نوع ديما تيت . أي بتقنية البناء المفكّك préfabriqué . وبتجهيزاتها الجديدة من طاولات وسبورة شديدة السواد ومكتب المعلّم الأنيق سي بوجمعة لعمارتي . لا زالت رائحتها المتميّزة تراود ذاكرتي إلى اليوم رغم مرور ما يقرب من ستين سنة . لم نعتد الجلوس على الطاولات ، خاصةً بتلك النظافة والجدّة . إذ لم نكن نعرف سوى حصائر الجّامع المتّسخة والملوّثة بكلّ أدران الأطفال . والأتربة والأوحال العالقة صيفاً وشتاءً بأرجلهم الحافية . وثيابهم الممزّقة والملطّخة بدماء العصَافير التي تعودنا على اصطيادها في البساتين وعلى رَوابي القاق وسهل مّودنان الفسيح . ورائحة البول المنبعثة من أطفال مصابين بعاهة رهاب التبول الليلي . مما جعلنا في جهل تام بتضاريس تلك الطاولاَت . وشكلها الذي لا يُرى منه سوى السطح والأرجل الحديدية خضراء اللون . بينما غاب عن أنظارنا مكان وضع محافظنا البئيسة في أسفل ذلك السطح النّظيف والصّقيل كصَحن للأكل لم تكن عمّتي مامّا تستخدمه سوى مرة واحدة في السنة : ثاني يوم عيد الأضحىٰ حين يكون الغذاء متميزاً بنكهة مرق لحم الغنم اللّذيذ . مع خبز أبيض نظيف وناصع لم نكن نتذوّقه سوى في المقابر عندما يموت أحد أغنياء الدوّار . يسمّونه بخبز " التّفريق" . حين كنا نتبع النساء رَاكضين فرحين وغير آبهين لأحزان أهل الميت العزيز الذي غادرهم إلى الأبد ومن غير رجعة . في اليوم الموالي للدفن . إحداهنّ تحمل قفّة كبيرة فوق رأسها مليئة بذلك الخبز الناصع والجميل . تجعل مشيتها متثاقلةً ومتمايلةً من شدة ضغط الوزن . وتتولّى المرحومة "مّي الجّبلية" توزيعه على الجميع . مع حبة تمر وأخرى من الشريحة . نكون في غاية السعادة عندما تسود العدالة الاجتمَاعية في المقبرة أكثر من أي مكان آخر . ربما كاستعداد في إطار حركات تسخينية ليوم الحساب . حينما يسود الخوف والنظام والترقب لمصير اعتقدنا دائماً بأنه لا يتعلّق ب" الحارة" أي جهنّم في عُرف الأطفال ومعلّمهم الأول عبد القادر لبّيزّق . أو حارة المجذّمة في اولاَد سبيطة مشاوا في عَيطة ، حين كان يُعزل المجاذيم في مكان خاص بهم حسب رواية عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي إدمون دوتّي . وإنما بالجنّة لأن كل آيات القرآن التي نحفظها صَباحاً ومساءً تعتبرنا من المؤمنين . في حين يلقى في النار بالنصَارىٰ واليهود وأتباع فرعون ذي الأوتاد ورافضي ركوب سفينة نوح وزوجته وبعض أبنائه الذين كانوا من المغرَقين .
ظلّ أهلنا منشغلين بمصيرنا داخل حجرة إسمنتية باردة تضُمّ أجساد 104 من التلاميذ . متناسين الدخول للسوق لتبضع ما يحتاجون إليه من خضر وزيت وسكر وشاي . يلوحون لنا بأيديهم كتشجيع لنا على المقاومة والصّمود وكأننا لاجئون على حدود بلاد غزاها الأعداء . لذلك التصقنا على بعضنا نحن الثلاثة وقد راكمنا أشياءنا التافهة أمامنا إلى أن نبهنا أخي بأن في الطاولة مكاناً لإخفاء تلك الجريمة من أشباه المحافظ والدفاتر الممزقة !
مرت أيام قليلة قبل توزيعنا إلى فوجين اثنين . واحد في الصباح ويضمّ أبناء كل الدواوير التي اعتبرت بعيدة بالمقارنة مع دواويرنا القريبة . أي الصّديݣات والفقرا والبريرات ودوار سي مسعود والطالوع والحرَاريين وولاد المهدي وولاد بوعشة . بينما الآخرون جميعاً اعتبروا من دوَاوير بعيدة وقصية لا يمكن بلوغها مساءً إلا بعد العشاء . بينما المعادلة دائماً صحيحة : فمن يريد بلوغ بيته قبل المغرب . عليه الاستيقاظ قبل الفجر . والعكس أيضاً صَحيح . لذلك كنا نرى أطفالاً وصَلوا الفيلاج قبل بزوغ الشمس وقد جلّل الضّباب وقطرات الندى اللّيلي رؤوسهم وكأنهم لفظتهم إحدى الغابات البعيدة والأسطورية كما في حكاية هاينة مع الغول !
تعودنا شيئاً فشيئاً على نظام المدرسة . وبدأنا نتناسى طريقة الجلوس في كتّاب الجامع بأرجل متخالفة أو مربّعة كما علمنا الطالب سي احمد . كما بدأنا نتعلّم الكتابة بقطع طباشير ملونة على لوحة كرطونية سوداء مسطّرة بلون أحمر . وبالريشة والدواة المليئة بحبر أزرق توزعه عليها اختي الزاهية كلما عنّت الحاجة لذلك .
لاَ زلت أذكر المعلم الأنيق والمتخاذل في المساء العمارتي . عندما يراود النوم أعيننا وقد تسربت أشعة شمس شديدة الاحمرار . تجنح للمغيب خلف تلال الطالوع والجّعافرة المحروثة بشكل بديع . عبر نوافذ زجاجية متناسقة وجميلة . وهو يلقي إلينا بحبات الحمص التي فضلت عن حاجته عندما يهرق زجاجة موناضَا "سيم" في جوفه . فنتقافز تحت الطاولات لالتقاط أكبر قدر منها . لينادي بعد انتهاء معركة الحمّص على طفل قصير . كبير الرأس بشكل ملفت . لا زلت أراه إلى اليوم . ولم يعد طفلاً كما كان آنذاك . بل شاخ وفعل فيه الزمان فعلته . كما فعل معنا جميعاً . يأمره بإنشاد أغنية بلّارج أو اللّقلاق كماكان يرددها أهل الطالوع . يقف بجانب السبورة مصَوباً وجهه نحونا مردداً كلمات متلاحقة صاعدة من شفتين مرتجفتين . وكأنه يتلو موعظةً دينية مخيفة :
اشطح ليَ يا هشير
نعطيك حزام حرير
في ذاك الدوار
ديال عمّي يحيى
فيه بݣرة كحلة
ولدت ثور سباعي
علّݣ سبع ذراري
عُبّاد يا عباد !
البݣرة طاحت في الواد
جبذوها بالعݣّاد
جات الخيمة الصّݣعة دّات لفّاد
ما يكاد ينهي ملحمته الحزينة حتى تكون خيوط الشمس الأخيرة قد انطفأت . وغابت شمس ديسمبر الحزينة وراء كثبان الساحل المترامية . لينطلق كل واحد منا نحو دواره متخذين سبلاً مختلفة الاتجاهات . ويبتلع ظلام الليل أجسادنا البريئة . فنلتحق بخيامنا وقد جنّ الليل وأوقدت شموع المساء الباهتة . نتعشى ونذاكر ونستسلم لنوم عميق رغم شغب براغيث الشتاء الجائعة . لنستقبل يوماً جديداً أعلن عن بدايته ديك ولد بلبريبري ذي الصوت الجهوري المتميز . وفرامل حافلة بوشريط القادمة من الجديدة في اتجاه آسفي لإيصَال مرضَى وتجار المناطق المجاورة إلى المدينة البحرية الجميلة .

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...