حسَن الرّحيبي - الرّسائل العصريَة.. من أمّي الحنونة أبي الحنون.. إلى الرسائل الرومنسية والعاطفية

كان أبناء القرى يجتهدون من أجل كتابة رسائل جميلة ومؤثرة أدبياً ونفسياً .. وكان البريّق جازان اللّه عنا خيراً يحضر كل هذه الكتب الجميلة كل صَباح يوم اثنين ، ومنها كتب لجبران خليل والمنفلوطي والمازني والعقاد وطه حسين .. وكتب الأناشيد الوطنية وكتب ولد قربال بأراجيز خفيفة حول ظواهر اجتماعية مثل العيد لكبير ، وعجز الفقراء عن توفير ثمن أضحية لم يكن يتجاوز آنذاك 300 دريال ..
وكتاب عن وفاة الرسول الكريم بحضُور الصّحابي الجليل معاذ بن جبل ..
طبعاً لم يكن أبناء الفقراء قادرين على شراء شيء ، فيكتفون بالتفرج على العناوين .. لكن أحد أبناء الأغنياء كثيراً ما تتوفر له الظروف لاقتناء أحدها خاصّةً كتاب الرسائل العصرية وأهميتها الحيوية بالنسبة للمراهقين آنذاك .. فيطوف الكتاب عبر أصقاع المنطقة وكداها وهضَابها المترامية .. ليلة يبات في الدهاهجة وليلة في الطيور أو اولاد الحيطي أو الزرايب أو بني عروص أو زرݣ أو اولاد سبيطة ولعثامنة .. يبيت المراهق ساهراً طول اللّيل من أجل تهييء رسالة بأسلوب أدبي راق ، وإحساس عاطفي جياش .. لا أعرف كيف كان أبناء البوادي يقرأون ولم يتوفر لهم شيء كي ينمّوا أفكارهم ومداركهم ولغتهم .. خاصّةً أن العمل الرعوي والزراعي كان يشغل جل وقتهم .. إما يلحݣ لحمار لحمل السّرݣ ، أو يجيب لبهايم من ضَاية الجّبلي .. لا زلت أذكر لما كنا نحطوا لعتالي حذا سيد لمشاوري ونطلعوا نقراوا مع العشرة ..
آش منّك آ عرݣ ؟
وآش منك آجوع ؟
وآش منك آوسخ وحالة وحوايج مشرّݣين ؟ حفاةً عراةً إلا من رحمة ربك ؟
حتى لما انتقلنا إلى المستوى الإعدَادي بسيدي بنّور لم نتأثر بالرّسائل العصرية ولا مولاي ابّيه ، بل استمر جفاؤنا وصُمودنا وقسوتنا وشدة الحياة علينا في رسائلنا وتعبيرنا ..




أمّي الحنونة
أبي الحنون
أسلم عليكم جميعاً وعلى كل إخوتي كل واحد باسمه .. لا يخصّنا سوى النظر في وجهكم العزيز
وبعد :
لا بد مَا ترسلوا لي شيئاً من النقود والدّقيق مع بّارك العطار يوم الثلاثاء القادم .. تقاضَى عليّ كلشي ..
رسَائل تݣطع في الݣلب وتختصر كل شَيء .. وتلخّصُ كل إحسَاس بالفقر والحُݣرة وإقصَاء المجتمع لنا في أوضَح تجلياته ونحن أطفال شديدو الهشَاشة والحسَاسية والضّعف ، وغياب الدّولة الرّحيمة والإنسانية من وجودنا وتفكيرنا .. بشكل عَميق ومختصَر بالبؤس والغبن والغربَة والضّياع والحزن .. لا زال مستمراً معنا إلى اليوم نتعايش معه باطمئنان وسعادة وروح التحدّي .. كنا لا نزال نجدها مَرمية فوق بدَادز مَازير طيلة سنوَات الستينات والسبعينات ..
مَا ادّات منّا الرّومنسية لاَ حق ولا باطل !
جَابتها عَا في رَاسها !
عَن الجَميع
حسَن الرّحيبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...