جيهان جمال - هاوية الوجع...

زخات من مطر تسبح فى براح الروح ..تدق على نافذة قلب يشتاق بلهفة للحظات انطلاق
تأتى الصباحات ..مُصطحبة غيمات شٓمس
كانت تتراقص من بعيد فٓتلوح لها ،وتُخبرهٓا المجيئ ..لكن على مٓهل ،كى لاتسرقها الآيام
وهى تسابق الزمن ..ثم تستحلفها أن تتأنى الخطو كى لا تثقل بخطوات العُمر المشدود
على وتر خيوطهٓا الذهبية ..فتجيئ عابرة فى بحر فياض من حلو؛ومر الأيام .
ثم ترحل غارقة فى كُل ليلة تاركة مساءات القلب ودفء الكلمات سٓابحة فى بريق النجمات لتغفو فى رضا براح الروح .
خلف النافذة الزجاجية ..
كانت تقف راجية تستحلف رياح المدينة ألآ تٓضُجر، وأن ترحٓل فى هدوء .. حاملة عن أكتافها مالم تعد تستطع تحمله من تجاوزات طقوس تِلْك الحياة .
فٓهل أستشعرت الصغيرة حِينهٓا إشارات السماء وتداركتهٓا لتعطيها وافر حقها فى ضرورة الأنتباه ، والحذر ؟!
وهل نحن مهما أحتطنٓا من عثرات تِلْك الحياة ، وحٓملنٓا حٓذرنا فى حقائب صبرٓنا على الأيام . . سٓيصير لنا مُدخٓر وافر من هذا الصبر الذى كم تمنينا أن يعيننٓا على تقبل تغيرات طقوس الحياة ؛والقلوب ؟!
هيهات .. ....
فمتى مٓنع الحٓذر قٓدر على مٓر الزمان ؟!
للأسف " راجية " كانت مثلنا نحن الكثيرون من البشر الذين لم ننتبه لإشارات السماء التى أُرسِلت لهٓا ، وأودعت أمام عينيها على عتبات طقوس الأيام .
فٓلم تٓحظى برحلة الصعود الأخير فى ركاب الأمنين من غدر الأيام ؛ولم يٓكُن لها مقعد على هذا الجناح الهنى ؛ولا هذا المتكئ المطرز بخيوط ناعمة من حرير الأحلام ..إلا بهذا الوقت القصير المستقطع من رحلة ايامها وقت أقلاع قلبها من هنا؛ووصوله إلي هناك ،وهو يصطحب براءة اللهو معه بحلو الأُمنيات .
على ضفاف النيل الساحر ..
يقف البيت الكبير مطلا على حواديت وجنبات الحكايا..شاهدا على الكثير من تفاصيل وجوه وقلوب ساكنيه .
تسكن عائلة راجية هذا البيت الكبير مع الجٓد والجٓدة والأبناء .
الجد الكبير الذى عاشت فى صحبة أيامه طفلة سعيدة مع عائلتها بين جنبات البيت الكبير .
هو جدها لأبيها اسمه ..محرم،وهو أصل تجارة المنيفاتورة القديمة ..بعدما توسٓع بها مع أخيه مُنذ وفاة والدهم الجد الأكبر..راجى الكبير .

ثم ذاع صيتهم أنذاك بتِلك المدينة الساحرة أسوان .
تلك التجارة التى آلت فيما بعد لوالد راجية مُقسٓمة بينه وبين أخته بشرع الله .أما أخيهم الثالث فقد كان ابي راجي واصيا عليه .
تتذكر راجية جدها محرم أثناء كتابة مذكراتها ، وهى جالسة بشرفة البيت الكبير المُطلة على النيل ،وتقول :جدى كان رجل ذا مهابة لم تكسرها أمام عيون الناس على مر الزمان هذه الجلسة التى إمتدت بطول سنوات عمره على ذاك الكُرسى المتحرك ..
كان جدى .. أسمر البشرة .. عسلى العينين فخيم الصورة ،والصوت ،مهيب الطلّة ،وان بدت هذه الطلّة فى بدايات شبابه كما أخبرنى أبى قعيدة عاجزة لذوى النظرة السطحية..لكنه كان يبدو دائما لمن يَرَوْن الحياة بمرآة الواقع المؤثر فى حياة من حولهم بهذه الهيئة المهيبة وهكذا كان يراه أشباهه من أصحاب الفكر المتسع الذى يتخطى حدود الزمان والمكان ، والقدرة على تحريك الحياة .
إذ كانوا هؤلاء لايرونه قعيد..بل كانوا يرونه،وكأنه سلطان بهى الطلعة يعتلى من على كُرسيهِ عرش السطوة ..
لم تمنعه أعاقته من الزواج لكنه للأسف .. وأعتذر أنى أقول للأسف كان قد تزوج من إحدى قريبات العائلة،وهى جدتى الجميلة هانم .. أتذكر عيونها الزرقاء،وبشرتها التى كانت بلون الحليب الصابح ،ووجنتيها النابضة بجمال الحياة ..يقولون أنى أشبهها كثيرا .
بعدما انجبا الأبناء الثلاثة ..ومن بينهم طفل معوق رافق الحياة وهو يعتلي كرسى متحرك،ولا يحرك ساكنا ..ارتضى جدى بنصيبه ، ولم يؤثر فيه هذا الموضوع طويلاً على الأقل أمام العائلة إذ ظل يركز فى أن يجتهد من بعد وفاة والده الجد الأكبر لأنه يرى أنه الأقوى الذي لم يستسلم لهذا الكرسى..بل انطلق من فوقه كالجواد الجامح ،ورفع من شأن تجارتهم مع أخيه منذ أن فتفرغوا تماماً لتجارة والدهم والتى جعلتهم من أكبر أصحاب محلات المنيفاتورة بأسوان من قبل أن تمتد فروعهم بعد ذلك خارج حدود أسوان لتصل للقاهرة والإسكندرية .
ظل أخيه الأصغر يحترم كلمته ،ويعمل لها ألف حساب وحساب إلى جانب أن محرم كان بالفعِل كبير العائلة فٓكلمته مسموعة إذ كان يفض الخصومة والنزاع كذلك كان يقوم بمساعدة أولاد أعمامه بكل مايحتاجونه من مشورة لرعاية أراضيهم الزراعية .
فقد كان موسوعة متفردة من الأطلاع والقراءات المُتعددة فى كافة مجالات الحياة من تجارة لصناعة ، لزراعة،وترك مكتبة كاملة كأرث عائلى لأولاده،وأحفاده بالبيت الكبير ،وأوصاهم بالمداومة على الإطلاع والقراءة لأنهما كانا نافذته المتحركة ليرى هذا العالم الذى لم تستطع قدماه السير للوصول إليه .
لذا صٓار محرم بالذات يزن الجميع عقله بميزان الدهب ،وقد ورث عنه تِلْك المواهب المتفردة ابنه راجى أبى ،وابن ابنته حبيبى جواد.
لذلك كان بالفعل الجد محرم بالفعل رجلاً واثق الحال ملكا ،وقد ورث عنه ابنه راجي والدى تِلْك الصفات فكان بكامل هيئته وهيبته وصفاته الشخصية والعقلية الفذة .
فالأب راجى محرم ..رجل واثق الخطى يمشى ملكا .
هاوية الوجع / ٢
اقطن ،وأبى ،وأمى ،وأخى على بالطابق العلوى ، بينمٓا يقبع عمي راضي وهو راضى بحاله الذى لايعلم عنه شيئا ويعيش بيننا بروحه الطاهرة وتقوم على رعايته بكل محبة واريحية أمى مع عاملة المنزل من بعد وفاة جدتى هانم والدته .
عمي راضي جميل الطلّة مثل آبيه،وأخيه..لكن قلبي يشعر أنه يختلف فى شيئ وحيد إذ أنه سيظل من السباقين إلى الجنة لكونه يعيش بين الجميع عازف مُنفرد فى ملكوت الله لايدرى عن مجريات آمور دنيانا سوىٓ شيئ واحد اسمه الرضا الذي يطُل من عينيه عٓبر نظرة ملائكية حالمة .
فٓتجده وكأنه يتفهم نظراتنا حين نلتف حوله ، بتلك المشاعر الفياضة حباً له فٓتفيض بها عينيه حين تلامس طبطبت ايادينا مسامع قلبه قبل كتفيه..فٓتستشعِر من إبتسامته الصافية أنه كان يحتضن أيضا تِلْك اللحظات،وكأنه شديد الوعى والإدراك لهذا السلام العائلى الذى تحمله طبطبة الروح فنستشعر جميعا روح الحياة ! لكن الكلمات بين شفتيه كانت كسيحة الحروف عاجزة عن الرد .
أمٓا العمة راجية الكبيرة والتى قد سُميت بإسمها.. فٓكانت قسمتها ونصيبها من هذه الدنيا هذا الجوار العزيز لبيت عمها
فؤاد محرم ،والذى اصبح ذات يوم بيتها الذى ضمها بحنانه،ورحمته مُنذ أن أنتقلت للأقامة به .
البيتان يتشابهٓان فى أشياء كثيرة ، بل يكادا يتطابقان فى معظم تفاصيل شكل وملامح روح ايآم دنياهم ؛وكأن حالهٓا هو حال العائلات الكبيرة هناك .
إذ كان النصيب قد وقف عندها واختارها لهذا الزواج العائلى الذى ألمهٓا كثيراً ،ولوعهٓا أكثر حين صارت قسمتها كأبيها وأمها من هذه الزيجات العائلية الحاملة لجينات المرض ! والذى غالباً يحدث من زواج الأقارب .

إذ اعتادت عائلات كثيرة على ذلك لأسباب كثيرة سواء من أجل الحفاظ على المال وعلى إسم وتقاليد العائلة فربما هي شهوة السلطة العائلية ،وأحيانا جبروت السطوة ،وربما كلها آشياء لا تمت للإنسانية بصلة .
فتجدهم غير متداركين لمّا سوف يجبه هذا الزواج عليهم فيما بعد !
وربما تجد من بينهم الذين إذا تداركوا بعدما يرزقون بأولاد معوقين ارجعوا الأسباب للقسمة والنصيب كى يريحوا ضمائرهم ,
وعلى الرغم من غضب عمتي بالبدايات من بعد الإنجاب إلا أنها بعد ذلك امتثلت لأمر الله ،ولم تمتلك من أمرها شيئ كُل تِلْك السنوات سوىٓ الرضا،وهذا أروع مافيها .
فصارت تُشبه إلى حد كبير جدتى هانم ..فٓتفانت فى الأخلاص لنصيبها ،وقسمتها اللذان أثمرا فى قفص الزوجية ثلاث ثمرات اثنتان سليمتان والثالثة كانت قسمتها أن تٓصير الثمرة المعطوبة..جواد،وو" فارس،ومحرم .
محرم الصغير ،والذى اسموه على إسم جده لأمه وعم يونس زوجهٓا .
وهكذا ورث محرم عن جده، وعمه كُل الألم الذى ظل ينزف طوال أيام، وليالى العُمر ،وهو كسير ..كسيح على ذات الكرسى المتحرك .
لكن جدي كان نصيبه أفضل حالاً إذ كان كامل الأهلية سليم العقل ناطق اللسان عظيم الحُجة .
لذا لم يمنعه عجزه على الكرسى المتحرك من أن يكون مسئولاً أمام كافة تبعات الحياة ، وبالفعِل ؛اكمل مشواره بمساندة اخيه فى تجارة المينفاتورة .
تشاركت عمتى راجية الكبرى مع أمها ،وزوجة عمها في الكثير من تفاصيل الألم ، وكذلك مٓحبة الأمل فى ترتيب روح البيت من الداخل ،وحمل أٓى طٓيف يثقل على هناوة أيام ،أولادهم خارج أسوار البيت الكبير.
فهى قد ورثت عنهم هذا القلب المُحِب كأبنة ، ثم زوجة ، وأم .
لم تٓشعُر راجية بغربة فى بيت عمها الكبير .

فٓبيت ابيها كان مثلما بيت عمها تماماً ..إذ هما من نوعية تِلْك البيوت التى كانت قد سٓكنتها المٓحبة ، وفاضت بين جنابته على من قطنوا به .
فنثرت المحبة عطرها فى كُل الأركان و الأتجاهات ،ورغم ذلك لم تترك الرياح البيتين لحالهما .
فلم يبقىٓ أٓى بيت فيهما لقت طويل من بعد مرور السنوات هادئ .. هانئ ،وأن ظلا يحتضنا رائحة الود بين الجدران على من فيهم ،أو رُبما فى آحيان كثيرة كانوا يبيتوا ،ويصبحوا وَهُم مُغلقى الأبواب على هناوة أوقات العائلة الكبيرة بعيداً عن عيون الناظرين .
أو هؤلاء الحاسدين الذين ارجعت إليهم الجدة ماحٓدث بل ،وحملتهم مسئولية كُل ماحٓدث لأبنها الأصغر ،وحفيدها ابن ابنتها .
راجية تتذكر راجية جدتها قائلة : بالفعل كانت جدتى هانم راضية لكن كان أقصى ماتخشاه هو تربص عيون الحاسدين بِنَا .خائفة علينا من أن تحرق نار غيرتهم قلوب فلذات أكبادها ،وهذا كان معتقد جدتى الدائم .
والذي ارجعت إليه أسباب مرض عمي ، وابن عمتى .. فتراها كانت تُطلق البخور بالمنزل ، لتفوح رائحته العطرة ..كعطر حكاياها لنا ،ونحن صغار .
إذ كان وقت الظهيرة ،وصلاة الجمعة
أفضل أوقات أيامها في يوم الجمعة من كُل أسبوع ، وبخاصة أنه يوم العائلة حين كانت تستقبل صباحهُ من بعد صلاة الفجر ، وغالبا كان هذا شأنها مع كُل الأيام فى الصحو باكِر .

فقد كنت أشاهدها من شرفتنا إذا صحوت باكِر ..ليظل يوم الجمعة عندها ،وعندهم له وقع وشأن خاص .
وكأني لازلت أرى يوم التٓجٓمع العائلى الكبير فى حُضن ، وأيام جدى محرم .
تأتي عمتى راجية بأولادها لزيارتنا فى هذا اليوم من كُل أسبوع ، وينزل أبى أخيهٓا الأكبر راجى بِنَا جميعا..لنتلاقيا أنا و جواد على مائدة الدفء والأستمتاع بطعام الجدة الشهىِ ، المتبل بعشق حلاوة اللحظات التى كانت تجمعنا جميعاً ،

لكن الشيئ الوحيد الذى كان يكسر نظرة الفرح فى عيوننا كأطفال هو ذاك الكرسى المتحرك الذى كان يجلس عليه جدنا .. محرم ،وابنه ، وحفيده على الطاولة المستديرة معنا حينها .

أتذكر مُداعبات جدى ،وأحضانه الدافئة لنا جميعاً ،وكأنه مُعافى حتى اني كدت أتخيله واقف على قدميه ،ويضمنا بيديه جميعا دونما تفرقة بين عاجز ،وسليم !
لن انسى اني مُنذ نعومة أظافرى وعٓدت قلبى أن قلب هذا الجواد بالذات ماخُلق إلا ليخطفنى على ظهر أشراقة أيامه ، وضوء شموع لياليه ، لتنبض سنوات عمرى معه بالحياة .
إذ كان جواد دوماً هو الرفيق الوحيد لى .
فٓمُنذ أن فتحت عيونى معه على نافذة الأيام ، وخٓطت أقدامنا الصغيرة عتبات البيت الكبير لتلهو بين جنباته ماعرفت،ومارأيت سواه .

فحين أسندت قلبى على دفء جدران البيت الكبير رآتنى هذه الجدران ،واسترقت السمع لهمسات قلوبنا البريئة ،واحتضنتنا .
ثم جاءت خطوات الليالى تتلوها خطوات الأيام السباقة بشمس النهار لننطلق بعيداً عن دائرة البيت الكبير بعدمٓا شٓبت أقدامنا ،وامتلكنا الخطوة .
هاوية الوجع / ٣
القاهرة ..
المدينة تشبههم مهما اختلف الزمان،والمكان و تُشبه مدينتهم الأخرى .
كلاهما تتشابه معها ومعه فى ملامح الشكل والروح.
ورغم مرور السنوات لم تٓزل تسبح فى حياء بشرة ليالي سمراء ، وتتمرغ فى حُضن عيون مُنكٓهة بطعم العسل الصافى ..
تِلْك العيون الخلابة المُطلة على نيل القاهرة الساحر ، تقف وحيدة .. شريدة .. بأنتظاره كلما خطفته اللحظات ،وسرقته خِلسة من عمر زمن الحُب الذى يقف وحيد هو الأخر كلما تباعدا .

النيل هنا أو هناك كما هو .. لا يتغير أبداً على قلوب أحبّته، واخلصت له ، واعطته من نبض دقاتها حياة .
مازال يقف ويشهد على الحكايا فتراه احيانا شريد ،وأحياناً اخرى ينبض بالحياة ،وبخاصة حين يستدعى رفيقته الشمس فى كُل صباح كٓى تدفيئ لحظات شتاءه البارد ، أو حين يخبرهٓا أن تخلع عنها ثوب الغيوم ،و أن تظهر بردائها المُغاير لهدوء صباحات المدينة الأخرى أسوان والذى ربما يبزغ في كُل يوم على استحياء هناك !
من قبل سنوات ..
ظلت السنوات تمر ووراءها سنوات أخذة معها أيام وليالى العُمر على قارعة النصيب .
تهافتت قلوب كثيرة ، حول قلب راجية إلا أنه لم يٓهفو سوىٓ له .
أما عن كُل تِلْك الدقات فما توقفت راجية لدقة واحدة كلما جمعتها بأحدهم الصدفة العابرة بالمدينة فما كانت تشعر بأحدهم ،وحين كانت تتفق إحدى العائلات القاطنة معهم بالمدينة على ان يتقدم احد ابنائها لطلب يد راجية .
تٓجدهٓا لا تلتفت ولاتستوقفهٓا أبدا دقات هذه المحطات !
وهذا ماكان يخطف قلب والديها عليها لخوفهم أن تقع ابنتهم فى المحظور !
وبالفعل هذا ما تأكد وقوعه ..فلم يستوقفهٓا سوىٓ دقاته هو جواد ابن عمتهٓا ، والذى ما استشعرت بالحُب سوى معه !
مًنذ البدايات النائمة فى مهد الحكايا حين فتحت عيون قلبها على طٓلة عينيه قاحلة السواد ،وبريقهما الخاطف الآخاذ الذى أضاء لها ليالى العُمر كتلك النجمات التى تضيئ سماء ليل العاشقين .
كٓبرا سٓوياً حتى انهيا دراستهم الثانوية ليكملا دراستهم الجامعية بجامعة أسوان .
تخرج هو من كلية الطب ، وتخرجت هى من كلية الصيدلة وهنا ستجد أن اختلاف الدراسة كان هو المسار الوحيد الذى ماجمعتهم طرقات أيامهم به ،وأن كان هو ذاته ذلك المسار المُكمل لطبيعة المهنة ، وطبيعة الأيام بينهما ، والتى ماعرفت أبدا مسار مُغاير .

معظم العائلة لم تكن مغمضة القلب عنهما لكنهم كانوا يغضوا الطرف خٓشية الالتفاتة .

إذ كانت العائلة شاهدة على دبيب قلوبهم خلف خطوات الحكايا ،لكنهم كثيراً ما كانوا يتكتمون البوح خٓشية فتح الجراح .
وعلى الرغم من استيعابهم الدرس القاسى وأخذهم كُل الحيطة والحذر من عدم تكرار تجارب الزواج العائلى كٓى لاتتكرر المآسى .
وعلى الرغم من ذاك الشعور المُقلق المصاحب لأيام وسنوات العُمر والمؤكد أن الحذر لا يمنع من وقوع قدر شأنهم شأن الكثيرين من الطيبين المستسلمين لأقدارهم إلا أن جواد وكذلك راجية لم تعطوا لهم بالاً . ولم يلتفتوا لتحذير العائلة المستتر خلف النظرات ، ودقات القلوب الحائرة خوفا عليهم ليبقى التحذير دائماً غير مُعلن خٓشية فتح الجراح .
فكانت العائلة تخشىٓ مُجرد الحديث عن سريان تِلْك الچينات المُحملة بالألم ، والكثير من الإخفاقات فوق جبين الأيام المُقبلة لأبنائها .
من بعد موقف جدهم الأكبر محرم ورفضه زواج الأقارب ، ثم أعلانه ، وتحذيره لأحفاده منه ، من بعد انجاب ابنته راجية الكبيرة لأبنها محرم الصغير.
إلا أن لنصيب العاشقين وقسمة قلوبهم مواقف أكثر حِدة وتأثير دون النظر إلى المصلحة ،وماتتطلبه ضروريات ظروفهم العائلية .
ودونما مُقدمات أعلن جواد رغبته بالزواج من راجية بعد تخرجهما من الجامعة مُباشرة .
فجواد مُدرك تبعات أمر قلبه لذا قرر المواجهة المباشرة مع العائلة .

فٓرحت راجية أيما فٓرح ،وكادت أن تطير إلى سماء العاشقين المُلونة ب الفرح .. بعد أن كاد حلمها الوحيد الذى تمنته ان يتحقق .
وهاهو سوف يقبل على مشارف عمر الأيام لكن رفض العائلة القاطع من الطرفين كاد أن يطيح بعقل العاشقين .
وأخيرا خرجت العائلة عن صٓمتها الطويل وكشفت ستر الحكايا بالبوح الصادق ،والرفض التام لهذه الزيجة المسمومة .
بعدما أعلنوا جميعا أن هذه العوامل الوراثية كانت سبب رئيسي فى ان جعلت قلوب بريئة تعيش كالموتى بينهم .
وبالأكيد أنها رُبما ستكون يوما ما مؤثرة تأثير سلبى على حياتهم هم أيضاً بهذه الزيجة .
لم تٓكُن كافية صرخة راجية المدوية والتى خرجت كالقذيفة المشتعلة من رحم مودة الأيام بينهم ثم وئدت فى مهدها من قِبل العائلة .
قبل ان تنطق بأسانيد الدفاع عن هذا الحُب والذي كان منها أنه من الجائز أن يحمل ابنائهم ذات المرض لو أن احدهما تزوج من أي عائلة أخرى .
لكن العائلة فضلت الرفض وأن الأيام كفيلة أن ينسوا هذا الأمر ويعودوا ليتستروا ؛ويستتروا جميعاً خلف الحكايا ،والا يبوحوا ثانية كما كانوا يفعلوا قديماً .
لم يٓكُن مافي قلب جواد وراجية شفيعا وهم يترجوا الجميع أن يتركوهم لحالهم ..
أو أن قلب احدهم لم يٓكُن موصل جيد لهذه الأحاسيس المتدفقة والعاشقة انتحار على عتبات الحب.
ظنت راجية أنهم يتفهموا أن محراب قلبها لم يجد أنيس لملكوت الروح سوى قبلته .
فلا حياة لها إلا بأنفاسه ، ولا جوار إلا جوار قلبه ،
فٓهى مُنذ أن احبت جواد كُل هذا الحُب ، وهى كالراهبة لاتعرف من دنياها شيئ سوى الخشوع علي عتبات هواه،وهو كان مثلها ،واكثر إذ أنه لايرى من نساء الدنيا غيرها.
بعد مرور عام ..
من بعد شد وجذب بين جميع الأطراف قررا جواد ،وراجية الزواج والسفر للقاهرة ،والبُعد تماماً عن أجواء العائلتين المشحونة ضدهما بهذا الرفض .
وفضلا ألآ ينجبا أطفال ،وأن يعيشا لبعضهما ،ولا يتحملا وزر حياة أخرين يكونوا سببا في اتيانهم للحياة معاقين، ولن يتحملوا وذر انفاس شريدة فى صدور بريئة .
القرار لم يٓكُن سهل عليهما أبدا ،وخاصة راجية وشعورها الأنثوي الطبيعي أنها تضحى بأمومتها بكامل أرادتها من أجل حبها لجواد .
وكذلك جواد كرجل صعيدي النشأة ،والتربية يعي أن ثراه وثروته الحقيقية في ذاك الوتد الغارس فى جذور أرضه والذى سوف يشد صلبه لذلك يعلم علم اليقين أنه ضحى بالعزوة من الأبناء من أجل حبه لراجية ..
وهكذا من بعد تفكير عميق انتصرا لقلبيهما .

تم تعينهم بجامعة القاهرة واستلمت راجية عملها مُعيدة بكلية صيدلة القاهرة،وكذلك جواد عُين معيد بكلية طب القاهرة ، وتخصص فى طب الأمراض الوراثية .
وتمت موافقة الأسرة على مضض ،وعاشا حياة هانئة فى بيت صغير أنيق .
اشترته لهما العائلةً فى احدى العمارات المُطلة على نيل القاهرة الساحر بحي العجوزة ، وتم فرشه بجميع الأمكانيات اللائقة بوضعهم الأجتماعى .
ثم أهدت العائلة سيارة للعروسين كٓى تُعينهم على الأنتقال بحُرية فى القاهرة .
أ لى جانب شقة صغيرة اعدت لهما في أسوان ببيت العائلة الكبير لأستقبالهم وقتما شائوا .

لكن كُل هذا لم يمنع الغصة التى علقت بقلوب أهاليهم والتي انتقصت كثيراً من فرحتهم ..لاعتقادهم أنهم حرموا من امتداد نسل سليم معافى من راجية ،وجواد لو لم يٓكُن لقسمة ونصيب قلوبهم الاحتكام لهذا الأمر.. وتمسكهما بالزواج من بعضهما !
الثلاثة أعوام الأولى للزواج ..
مرت عليهما كالأحلام الجميلة الخاطفة فقد أكتفيا ببعضهما عن العالم الخارجي ليبقيا سعيدان حالمان كما هما !
كُل ماكان يزعج تِلْك السعادة هو استمرار موقف العائلة الغاضب ، والصادم فيهما .
بتِلك النظرات الغير سعيدة التى كانت تصدر على الأخص من أمهاتهم ؛وهذا السكوت الحزين الذى كان يطغى على أٓى جلسة سمر تنقصها البهجة التى كانت كلما جمعتهم الاجازات حين كانوا ينزلون ببيت العائلة بأسوان .
حاولا كثيراً أن تصفو الأجواء العائلية لهما ؛وأن يأتي أبائهم وأمهاتهم لزيارتهم بمنزلهم بالقاهرة لكن للأسف دون جدوى فقد أخذوا منهم موقف متشدد ،وان ظل مستترا.

لكن راجية وجواد كانا سعيدان إنهما انتصرا لحبهما ؛وأنهما لم يكررا المأساة؛ ولم يهتموا أو يتوقفوا عند الإنجاب .
وبالذات أنهم لن ينسوا أن أقسى ماكان يشقيهم فى طفولتهم ،ولن يرتضوه لأنفسهم ولذريتهم نظرة العائلات لهؤلاء الأبناء الذين حملوا هذه الچينات التى كان أغلبية الناس حولهما يهمسون بأنها مسمومة.
إذ كانت اللوعة الكبرى كلما تذكرت راجية وتذكر جواد ماكان يحدث بالصِغر حين غُلقت الأبواب عليهم خٓشية ،وخيفة من كلام الناس عن الجد والعم ، وابن العمة .
حتى أن راجية وجواد وإخوتهم الأصحاء ظلوا يخشون التعامل مع الغرباء ؛وهذا مالم يقبلا أن يعيشا فيه ثانية مع أولادهم إذا انجبا أبناء غير أصحاء . .
وهذا ليس بالغريب إذ تجد أن كثير من العائلات غالبا مايكون لها قانونها الخاص فى التعامل مع مثل هذه الأمور خٓشية البوح ،وكٓأنها وصمة عار ..غير مُدركين أن أصحاب هذه الأمراض يستحقون العون والاحتواء من المجتمع كله وليس من سبيل سوى انخراطهم فيه .
حتى لو ظلت أمراض الوراثة على مر الزمان شيئ مؤرق للكثيرين من الأُسٓر .
خاصة تِلْك العائلات التى كان هذا من البداية قدرها ،أو رغما عنها ،أو لو حتى لو شاركت فى ظلم نفسها بنفسها بحسن نية ..بالنهاية لا أحد يريد أن يصاب فلذات أكباده بمكروه .

اختلف الكثيرين فى الوقوف عند هذه الحالات فمنهم من أعتبروهٓا فى عداد الفضائح التى من الواجب ،والأصول أن يتستروا عليها ،ويغلقوا الأبواب حتى يستطيع الأصحاء من ابنائهم الزواج فصارت عرف سائد بينهم .

والبعض الأخر منهم ،ومع التطور الزمنى والعلمى واجه الأمر بصدق فاحتوىٓ ، ورحٓم ، وكشف المسكوت عنه ، وطرق الأبواب؛وذهب ليبحث عن أمل فى الشفاء ،حتى وان أكتشفوا أن هذا الأمل سراب .
هاوية الوجع / ٤
تمر السنوات .. تلو السنوات ،وراجية كما هى مُنذ تِلْك اللحظات الأولى لمهد الغرام .
لازالت نائمة فى حضن تِلْك اللحظات التى اندلعت فيها شرارة الحُب هناك بينهما .
فمُنذ رزقت العائلة بهما وتعلمت انفاسهم الحبو بين صدورهم وكانت أولى خطواتهم بالحياة مصاحبة للطف أقدارهم..لذلك راجية دوما عنده ،وعند هذه اللحظة التى اقتلعتها فيها عينيه من دلال عليائها حتى باتت واصبحت فى كل ليلة تجدل ضفائر الأحلام بشرائط من حرير ملون بفرح أيام سوف تجمعهم .
فكان يخطفها من حصن الدلال الذى كثيرا ما تحصنت به ،وهى صغيرة ،وما غزاه غيره ..حتى هذه اللحظة التى غرقت فيها بلا رجعة فى شهد الغرام معه .
احد الليالى ..
جواد عائد بسيارته من بعد غياب يومان أخبر خلالهما راجية أنه فى مؤتمر علمى بمدينة المنصورة ..يُحادث نفسه ،وكأنه يلومهٓا ،ويقول :
لم تٓزل راجية فى عيونى هى هذه الطفلة الجميلة التى أحببتها بهاتين العينيين التى تمرح مع النجوم فى بحور تتلالآء مع نجوم السماء .

راجية .. أنتِ كما أنتِ كما العروس البِكر ..التى مازالت تشتهيها ليالى عشقى لكى .
أنتِ كما أنتِ لا أشعُر بحنان أيامى سوى بين ذراعيكى ؛ولا تتدثر بالدفء أيامى سوى بين تموجات شعرك المسافر مابين ليالى العُمر الذائبة فيكى ليضمنى إليكى الحنين ..فأعود .

فتراها وبعد مرور سنوات طوال على زواجهما لازالت بالفعل الفتاة التى تمناها معظم شباب مدينتها ، وهو الفارس الذى أختطفها على صهوة جواد الغرام من بينهم .
لترتمى فى كل ليلة بين احضان عيون قلبه وتغفو فى أمان ..
وعلى الرغم من اعتياده الغياب فى السنوات القلائل الأخيرة إلا أنها دائماً تنتظره ،ولاتمل الأنتظار ؛وهو أيضا يتلهف العود إليها..لذا ظل لايطيل أيام الغياب .
أما قلبه فكان لا يرجوا من الدنيا شيئ سوى أن يغفو بين أحضانها على الرغم من انانية چيناته الذكورية التي جعلت هذا الغرام الكبير لايسلم من شيئ ما يؤرق لياليه !
رُبما هذا الشيئ الغير مرئي وجه من اوجه الحياة المستترة لبعض البشر .
فتجد أنه رُبما تضطرهم الأقدار بأن يكون لديهم بمكان ما هذا الصندوق الأسود الذى رُبما لا يفتح أبداً أو قد يُفتح حين تجبره الظروف أو ربما يظل الجانب الأخر من الحياة هو هذا الشيئ المحسوس والغير ملموس كمثل ماتشعر راجية !
ذات مساء ..
‏وثمة قلق لاتدرى راجية له أسباب يسكنها من سنوات قلائل ولا تبوح ،وكلما زار طٓيفه ايام العُمر ،ولياليه خِلسة أخبئه العقل ،واودعه طى النسيان .
‏‎فٓيظن القلب أنه وهٓم لم تكتٓبه الأقدار بعد !
‏‎ أو رُبمٓا كان مُجرد احلام لم ترسم عذاباتها بعد .
‏‎فيسرع القلب من خطو اللهفة عٓله يلمح ثمة أطياف للحكايا علها تترائى من خلف خبايا الأحلام ؛وكأنه قد إعترج على ساقِ واحدة !
‏‎فٓتٓشٓبست يداه بأمنيات كثيرة أغلبهٓا تترنح بُعدا
‏‎ وأخريات تٓتشبث بالعودة خطوة أو رُبما خطوات خشية الأنزلاق لهاوية الوجع !
ليلة شتاء ..
تتدثر راجية بشالها الوردى ؛وهى واقفة بالشرفة .
البيت يلفه الهدوء ؛وهذه الأضاءة الخافتة الآتية من أقصى الليڤنج روم صوب الشُرفة تعكس على وجه راجية روح نجمات خفت ضوئها بعدما ظلت تروح؛وتجيئ مع هذا الطقس الغير عادى الذى يلوح به رعد السماء بإشارات كادت ان تقبض قلب راجية ؛وهي تنتظر عودة جواد،وفى يدها كوب دافيئ من قهوتها.
تحادث قلبها الذى يطبطب على روحها الشريدة وتقول : تأخر بالمجيئ ؛وعلى غير العادة فهو المُعتاد مُنذ سنوات على تِلْك الرحلة السنوية الخاصة بالعمل وهاهو تاريخها المحدد بالثانية ذهاب وعودة مدون على جدار القلب .
لماذا تأخرت ياجواد ، وتأخرت معك الأوقات .. مختطفة الساعات التي تسرقنى معها فى رتابة ، و لا أعلم إلى أين ؟!
بعد مرور ثلاث ساعات ..
مر موعد وصوله الذى أخبرها به فتحاول الاتصال به مُنذ ساعة على هاتفهه الخاص ،ولا مجيب .
الهاتف مُغلق ..فتنقبض أكثر وأكثر .
تدخل من الشُرفة ..مُمسكة بالموبايل ..لتتصل بأخيها على ..كٓى يحضر عندها حالا ..
فقد مزقها القلق على جواد وتريد أن تفعل شيئ كٓى تخرج من تِلْك الحالة .
يرد عليها أخيها بأنه لاداعى للقلق ، وهو سيتولىٓ الأمر ، وسٓيحضر اليها على الفور .

على كان قد انتقل للقاهرة مُنذ سنوات هو ،وابن عمته فارس أخو جواد ،وتزوج كلا منهم من عائلات أخرى وانجبوا البنين والبنات وعاشوا واستقروا مابين القاهرة والأسكندرية للعمل بفروع محلاتهم التجارية .
لكن العلاقة العائلية بشكل عام مع من بقوا بأسوان من الكبار ظلت مُقتضبة كل تلك السنوات بين راجية و جواد.
تخرج راجية من شرودها ، وأحساسها لأول مرة بما كانت تتشكك به أوقات غياب جواد لتعترف لنفسها الأن انها كانت غير منطقية في أيام بعينها وأن اختلاق الأسباب كانت كذلك غير منطقية! وانها كانت تتقبلها دون استفسار؛وكٓأنها صارت مثل عائلتها بأسوان حين كانوا يتسترون الحكايا خٓشية البوح بِما قد يؤلم !
تعترف الأن انها مثلهم ظلت تتقبل الكثير من المواقف الغير مُعلة على مضض كٓى لا تعكر صفو الحُب بينهما .
يٓدق جرس الباب ..
تهرع راجية مُسرعة لفتح الباب عٓلهُ يكون جواد ..ثم تترد وتقف لحظة امام القنصول الكبير بقرب باب الشقة لتهندم سروالها الحريرى الأرجواني ثم تفك خصلات شعرها الكستنائىى من قيد هذا الشريط الأسود الحريرى ؛وتبتسم ابتسامة وجلة ..حائرة .. تائهة بين دقات قلبها المرتجفة ارتجافة عنيفة ظنتها هى طبول فرح .. وماظنت ابدا أن دقات طبول الفرح هذه ليست إلا كرؤيا الفرح الصاخب بالأحلام ؛ والذي غالباً مايكون نذير شؤم .
ثم تكابر ، وتكدب احساسها .. ناطقة بإسمه .. -جواد حبيبى .
تفتح الباب .. لتجد على أمامها .. يدخل مُسرع .. ثم يُغلق عليهما باب الشقة .. و يمسك يديها المرتعشة علها تهدأ بين يديه ، وهو يحنو عليها ويضمها الى صدره .
فتختنق دموعها ؛ويرتجف قلبها ملتاعاً وهي تختبيئ أكثر .. وأكثر بصدر أخيها .
ثم تخور قواها ؛وتتساقط دموعها ..فقلبها قد غٓلبه الشعور بشيئ مروع قد حدث.
يطبطب اخيها على كتفيها ؛ويهمس بصوت حنون ..قائلاً..
-حبيبتى .. غيرى هدومك ..
وتعالى معايا .
فترتعش الكلمات بين شفتيها ؛وثمة قلق قاتل تجهله ! وتقول ..
-اجى فين ؟!
فين جواد .. ياعلى ؟!
-جواد بخير .. اطمنى ياراجية .. خير بأذن الله .
حاجة بسيطة تماسكى من فضلك ..وماتصعبيش عليا الموقف .
ماقدرش اشوفك بتتعذبى كده ياراجية .

تحتضن أخيها وهى ترتجف .
لم يٓكُن علي بالنسبة لجواد أخ لزوجته ..أو ابن عمه ؛ وفقط .
على ظل صديق جواد الذى يعلم عنه كُل شيئ ؛وهو أول من أبلغوه بالحادث كما كان
جواد مدون بياناته فى جواز سفره .

ينتقلا سٓوياً للمستشفى التى بها جواد من بعد هذا الحادث المروع على طريق المطار
ويدخل جواد ،فى غيبوبة كاملة ..
تمر ثلاثة أيام وهى بجواره .. جالسة تحت قدميه ..لاتعى من امر الدنيا شيئ ؛ولم تحاول أن تستفسر عن ملابسات الحادث !

هى تخشى كشف المستور الذى كان يفضحه قلبها ؛ولكنها كانت توئده وئدا .
تحضر العائلة كلها من أسوان لتلتف كُل القلوب حولهم من جديد .
بالحجرات المجاورة كان أبناء جواد التؤام .. راجى ،وفهد والبالغين من العُمر تسع سنوات .. وأمهم .. نيڤين رشدى يصارعون الموت ..
نيقين رشدى .. والتى عٓاشت كل تلك السنوات ؛وماتت الأن مع أولادها فى الظل..كما أرتضت مُنذ البدايات فٓهى عاشت معه عشر سنوات .
مُنذ أن أحبت جواد ؛ومن قبل تلك العشر سنوات بعام واحد احبته حين كانت طالبة عنده بالجامعة ..
والديها مغتربين بإحدى دول الخليج ؛وتعيش وحيدة فقيرة المشاعر مع جدتها العجوز .. رغم ثراء عائلتها .
كرهت هذه الحياة الكئيبة الجافة فهربت من جفا ايامها للعيش مع جواد وتكوين أُسرة جديدة .. تُحقق فيها حلمهٓا. وتُشبعها حنان ويشبعوها دفء ؛وأمان .
لكنها الأن غادرت الحياة ؛وهى ليست وحيدة .. فقد أخذت أولادها معها .
لم تفعل فعلة أمها وأبيها ؛وكأنها رفضت أن تترك أولادها بالدنيا وحدهما ..
فقد كان هذا شرطها الوحيد لموافقتها على الزواج من جواد ..ألآ يأخذ منها أولادها أبدا مهما كانت الأسباب ..لذا ارتضت حياة الظل ..بعدما ارتضى هو وأرضا غرور چيناته الذكورية .. واشبع أنانيّته بأن يصير لديه من أمرأة أخرى ودون عِلْم راجية أولاد أصحاء .

إذ لم يٓكُن يعلم وقتها أن للقدر تصريفات أخرى قد تهوى بكل أحلامه المُحققة؛وتطيح بها لهاوية وجع ليس بها أٓى نقطة رجوع !
اليوم التالي ..
تم دفن الأم مع أولادها بمقابر العائلة بأسوان بعد أستئذان عائلتها التى عادت من الخليج لحضور مراسم الدفن .
فقد كانت وصية ابنتهم ألا تترك أولادها أبدا حية أو ميتة ؛وهو ما كانت قد أخبرت به أهلها منذ بداية زواجها من جواد حين كانوا يعترضوا على حياة الظل التى كانت تحياها ابنتهم؛ وكٓأنها كانت تٓشعُر بالمصير !
ودعهم على الوداع الأخير ، والعائلة كلها التى كانت معه ؛ومعهم فى لحظات الوداع والتى جمعتهم فى هذا المشهد الحزين .
فهم أيضاً كانوا لا يعلمون عن أمر أسرة جواد الجديدة أي شيئ .
فقط علي من كان يعلم كُل شيئ عن جواد؛وكأن أختيار جواد له كان تكفير عن خطئه بحق أخته راجية .
أمٓا على فقد غلبته أصول العائلة ،وترابطها ، وكذلك مشاعر الصداقة الصادقة التى جمعتهم منذ الطفولة فتحٓمل ؛وتحٓامل على نفسه كثيرا ؛وَكُل ماكان يهون عليه هذا الأمر
هو مدى ادراكه لمكانة راجية عند جواد .
تمر الشهور ..
يخرج جواد من الغيبوبة ثم يعود إلى راجية وإلى بيتهم ..ليخبر حبه العظيم أنه لم يستطع أن يخبئ سره أكثر من ذلك ،وعاد .

عاد جواد ليمكث ليل نهار إلى جوار حب العمر على ذاك الكرسي المتحرك .. تماماً كأخيه محرم ؛ وخاله راضى .
فقد صار مثلهما قعيد ؛ولا يعى الكثير من أمر الدنيا .
أما راجية فقد رجعت معه من بعد عِدّة أشهر إلى أسوان .. وتركت القاهرة .. وعملها بالجامعة .
لكنها ماتركت وصية جدها محرم التي كان يتولاها راجى فقامت بالأشراف على الجمعية الخيرية التي كان قد انشئها جدهم لرعاية المعوقين .
كذلك الإشراف علي الدعم المادى الذى ماتوقف منذ وفاة الجد لدعم الأبحاث العلمية القائمة على التوصل لكل ماهو جديد فى مجال البحث العلمي الخاص بالأمراض الوراثية ..كل هذا ؛وهى إلى جانبه .
بمرور السنوات ..
وهاهي راجية تستحلف رياح المدينة ألآ تٓضُجر .. وأن ترحٓل بعيدة عنها حاملة عن أكتافها مالم تعد تستطع تحمله من تجاوزات طقوس الحياة . وأن تتوقف عن الصخب بالقلب و العبث ب لياليه .. فكفى .
أمٓا حبها العظيم فقد علمها ،وأخبرها الدرس الأخير .. اننا مهما أجتهدنا فى الحيطة والحذر
فلن يمنع حذّرنا أبداً قدر .

تمت




جيهان جمال / مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...