رسالتان بين محمد خالد وغانية ملحيس

- رسالة محمد خالد إلى غانية ملحيس


بعد قيام السلطه وتشكيل مؤسساتها ووزاراتها واجهزتها الامنيه، كنت في لقاء مع منسق بعض برامج تمويل الاتحاد الأوروبي للسلطة. كان موضوع فساد السلطه محور اللقاء حيث قال لي ذلك المنسق وهو بريطاني الجنسيه " ان الاتحاد الأوروبي يعرف حجم الفساد ومستوياته في السلطه. وأحد اوجهه هو التعينات في القطاع العام حيث انها تتم على اسس غير الكفاءه وخارج حدود الحاجه. مما خلق قطاع عام مكتظ و متضخم و غير فاعل ومكلف لا يمكن إدارته بفعاليه، وغير مستدام ماليا واداريا وذي إنتاجية متدنيه. لكن الاتحاد الأوروبي معني بأن يكون القطاع العام وسيله لربط الناس ودخلهم في السلطه لضمان استمرار تأيدهم لنهجها واتفاقاتها والاتزاماتها مع الكيان . أي ان المساعدات كانت أداة إفساد وشراء ذمم عام من أجل ترسبخ نهج سياسي يتعاطى ويرتبط بالاحتلال، والهدف الأسمى ضمان أمن الكيان ومستوطنيه. حيث سيدافع الناس عن نهج السلطه حتى لو اختلفوا معه مقابل استمرار الوظائف والرواتب والرتب. للأسف تعاطى الكثيرين من شعبنا مع هذا، حيث شهدنا كتب التعيين والواجبات لأخذ توقيع على كتاب تعيين او رفع رتبه من مكتب الرئيس. النتيجه الآن كارثيه:
- قطاع عام بشقيه المدني والامني متضخم ويستنفذ معظم الموارد الماليه للسلطه، وزاد من اعتمادها وإرتهانها للمساعدات الغربيه والعربيه وما يتبع ذلك من ابتزاز سياسي.
- ابعاد الناس عن المشاريع الانتاجيه خصوصا الزراعه في أكثر المناطق المهدده بالاستيطان وتوجههم للوظيفة الحكوميه. مما ترك الارض عرضه للاستيطان
- اضعاف الانتاجيه وروح المبادره لدى الشباب الفلسطيني بإعتماده على الراتب والقروض البنكيه.
- ضرب البنيه الاخلاقيه والقيميه وإشاعة الفساد على مستويات عده من القاعده للقمه. مثلا معظم الموظفين سكنوا رام الله واحتفظوا رسميا بمكان التسجيل في قراهم ومنهم الاصليه من أجل الحصول على بدل مواصلات. عدم التزامات بساعات دوام او عدم الدوام حيث لا يوجد مخرج محدد من الوظيفه يلزم الحضور لمكان العمل. البطاله المقنعه جعلت المؤسسات اشبه بالنوادي والقهاوي.
للاسف ان الكثيرين استمروا وما زالوا مدافعين عن هذه المفسده وكأنها اسلوب حياة مقبول.


///


- رسالة جوابية من غانية ملحيس إلى محمد خالد


الاستاذ العزيز محمد خالد

أقدّر كثيرا ما تفضلتَ به من عرضٍ دقيق لتجربتك وشهادتك حول بدايات تشكّل السلطة وأوجه الفساد البنيوي في مؤسساتها. ما ذكرته ليس مجرد توصيف لخلل إداري أو انحرافٍ في المسار، بل هو في جوهره كشف لبنية منضبطة بالهيمنة، صيغت فيها المساعدات والعلاقات الاقتصادية والأمنية كأدوات لتطويع الوعي وتوجيه السلوك الجمعي.
لقد تحوّل القطاع العام، كما أشرت، إلى آلية ضبط اجتماعي، لا أداة بناء وطني. فالمسألة لم تكن فقط في سوء التعيينات أو تضخّم الجهاز الإداري، بل في إعادة صياغة مفهوم الانتماء بحيث يُربط الخبز بالولاء، والوظيفة بالطاعة، والمعيشة بالرضوخ. هكذا غُيّبت روح المبادرة، وتآكلت القيم الإنتاجية، وحلّ الأمن الوظيفي محلّ الأمن الوطني.
إنّ أخطر ما في التجربة ليس الفساد ذاته، بل القبول به كحالة طبيعية، بل وكوسيلة للبقاء. هنا تتحقق الهيمنة بأعمق صورها: حين يتحوّل الضحية إلى حارسٍ لبنية الاستلاب، والموظف إلى شاهدٍ على انطفاء المعنى في عمله اليومي.
ما وصفته هو وجه من وجوه الاحتلال الجديدة: الاحتلال عبر التمويل، وعبر هندسة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، بحيث يُستبدل الوعي المقاوم بوعيٍ مصلحي هشّ. ولذلك لا يمكن فصل نقد الفساد عن نقد البنية السياسية التي أنتجته، ولا عن مشروع التحرر الذي أُفرغ من مضمونه الاقتصادي والاجتماعي.
نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم العمل العام، بوصفه مسؤوليةً لا وظيفة، ومجال خدمةٍ لا وسيلة انتفاع. فالتحرر يبدأ من استعادة الإنسان لكرامته وفاعليته، لا من تبديل الشعارات.

أشكرك على هذا الطرح الصريح، الذي يعيد النقاش إلى جذره الحقيقي: العلاقة بين الاحتلال، والمساعدات، والوعي الجمعي، أي بين الفساد كظاهرة والهيمنة كمنظومة.

خالص التقدير والاحترام


غانية ملحيس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...