أنيسة عبود - نميمة... قصة

يا الله ما أروعني .
قلت لنفسي وأنا انظر في المرآة وأراقب شعري القصير المنتوف كما لو أن دجاجة تنكش فيه با حثة عن حبة قمح في كومة قشّ . أعجبت بنظرة عيني الغائمتين وابتسامتي البلهاء التي لا تنتمي لهموم هذا العصر .
مررت اصابعي في شعري وفركت رأسي قليلا" شعرت أن أفكارا" كثيرة تساقطت على الأرض . حتى أن وجه ذاك الفتى التي لا تفتأ أمي تحدثني عنه وتحضني على إغوائه . كانت الأفكار ملونة . بعضها باهت مثل لون البحر حين تتكاثف الغيوم في السماء . وبعضها ملون بألوان كثيرة مثل قوس قزح الذي يقطع البلدة إلى نصفين . غربي للأغنياء الذي يبنون فيلات ( من قوت الشعب المناضل العظيم . وشرقي للناس المتقين القانعين الذين يذهبون إلى الحرب غير خاسرين أي شيء سوى ان يناموا في أسرة نساء متعبات تفوح من أجسادهن رائحة البصل والفلافل . )
ما هذه الأفكار التي تكومت حولي .؟ ستغضب أمي مني . لقد لوثت لها البلاط الذي تتفاخر به أمام الجارات اللواتي لم يبلط لهن أزواجهن المنزل . فكانت أمي تهزّ يدها وتشير إلى أن مسح البلاط سهل جد" وليس كمثل الأسمنت الرمادي الذي يجلب الكآبة .
في الحقيقة ..كنت معجبة بأمي . من أين لها كل هذه المفردات التعبيرية .؟ ربما كان جدّ جدي شاعرا" ولكن أصابعها الثخينة الخشنة لا تدل على مورثات أنامل الشعراء الحريرية التي يكتبون فيها القصائد المفخخة لحبيباتهم .
حدقت بالأفكار التي مازالت تتساقط من رأسي وأنا أحرك أناملي بين خصلات شعري المنتوف المقصوف ,المعكوف . شعرت بالخطر الشديد . وفكرت أن أرتدي قبعة تخفي أفكاري من عيون العابرين . أو أرتدي منديلا" ألفّ به أفكاري الخطيرة .
انتم لا تعرفون ماهي افكاري الخطيرة . مثلا: أنا لا أحب أن أعلق صورة أبي على كل الجدران في المنزل . ولا احب أغاني فيروز . ولا استمع للخطابات السياسية في الأعياد الوطنية .
ولا أحب ان أقبل يد أخي الكبير كلما عاد من السفر . ولا أذهب مع أمي إلى حمام – النسوان – لأعرض نفسي بحثا" عن عريس . وأنا لم أخرج في مظاهرة مباركة لمختار القرية حين زوج ابنه الأجدب الذي لم يترك فتاة في القرية إلا وغازلها , لدرجة أن جميع الفتيات حلمن به .. وتلوين أمامه على كورنيش البلدة القذر الذي امتلأ بقشور الفستق والكلام التافه . لم تكن فتيات المدينة يرين ابن المختار جميلا" . لكن هن يرين سيارته جميلة . وقصر والده يتسع للكثيرات . فلا بأس أن يتزوج بأربعة طالما هو قادر على شراء أربع سيارات . رفيقتي البلهاء التي وضعت وصلة لشعرها كلفتها راتب شهر في الوظيفة قالت : مرزوق . مرزوق )
تركت فنجان القهوة يسقط من يدي ويتفتت أمامها فأصابتها نثرات منه . فاندهشت وظنت أني تأثرت جدا "وغرت , وهاج بي الشوق وحرك في جسدي الرغبات إلى مرزوق بمجرد أن ذكر اسمه . لم تكن صديقتي تهتم ( من أين لك هذا ) هي تراه مرزوق . رضي الله عنه وأرضاه ؟؟ وانا أراه حرامي , يسرقني ويسرق أهل البلدة كلهم دون أن ينتبهوا . ولولاه كنت أمتلك ثمن توصيل خصلات شعر طويلة في رأسي . تخفي شعري المنتوف وتخفي أفكاري الخطيرة .الفتاكة .
أنا أعرف أن أفكاري شرسة
وأرى فيما أرى بأن المرء يزداد تعاسة كلما تراكمت الأفكار في رأسه .
واعتقد بأن هذه الأفكار هي التي نتفت شعري وجعلته غير قابل للتسوية والتمليس .
بالأمس أعطتني امي مبلغا" من المال . فوجئت بكرمها المباغت . أمي بخيلة . تخاف من زيارة خالي لأنه رجل أكول كما تسميه . مع ذلك اعطتني المال وهي تبتسم : اذهبي وقصي شعرك وملسيه – بالكرياتين – قلت : الكرياتين مكلف .
قالت : لا بأس . المهم أن يتحسن شعرك
أمي لا تعرف بان شعري ميزة خطيرة .
قلت لها : أنا بشعة يا أمي . خطتك غير ناجحة معي .
قالت بعصبية وهي تنحني قليلا" وتمد يدها باتجاهي : سلوى أكثر بشاعة منك ومع ذلك تزوجت .أمي غرزت سكينا في صدري . يعني هي تراني بشعة . كيف يقولون بأن الأم ترى ابنها السعدان غزالا" ؟
دمرني توصيف أمي , التي تؤنبني دوما لأنني لا امشط شعري . ولا أضع الشرائط الملونة فيه لعلني أغري حسونة ويرسل لي رسالة طالبا" موعدا" مني . فالشرائط الملونة أهم من الشهادات الملونة برأيها .
هه . والله يا حسونة أنا لا أحب أمك التي تلبس الأحمر وهي غامقة البشرة وتقول لأمي بأن البحر هو سبب لونها الغامق . وتقول بانها ستبيع بقرتها - رمانة – وتعمل عملية تجميل لتكبير صدرها ووركها , نكاية بجارتهم زوجة المعلم مأمون التي – تتغندر في الشارع ذهابا وإيابا كل مساء وكل صباح .. تذهب إلى دكان أبي لتشتري البقدونس , فلا تترك رزمة على حالها . تفك الرزم كلها وتنقي العروق الخضراء , ثم تترك الباقي منفلشا" بلا ترتيب وهي تنحني على النعناع . هذه رزمة ذابلة . وتلك صفراء . وغيرها غير مناسبة . ثم تقرفص وتميل بصدرها على صندوق البندورة فيظهر مفرق ثدييها الضخمين المنفلتين دون حمالة . ثم بحركة مقصودة تلم ثدييها بيدها مدعية البراءة . وأبي مدعيا" انه لا يراها . لكنها ما أن تغادر حتى يلتفت إلى جاره الذي يلعب معه ( المنقلة ) ويهمس بأذنه مع غمزة من عينه : ( صاروخ ) يردد الجار : نعم صاروخ . لكن سرعان ما وقع الكلام في أذن أمي التي كانت بالقرب من بقالية أبي لتحضر البنّ من أجل جارتنا , فرأت نظرته المواربة المريبة . وعندما أخبرت جارتنا أم حسونة بذلك . انتفضت وقالت : عيب علينا أن نهمل أنفسنا . الرجال عيونهم زائغة , لا تملأ عيونهم إلا حبة التراب .
قالت أمي مستنكرة , غاضبة : وهم .. هم ألا يكبرون ؟ والله يا أم حسونه زوجي بطنه شبر إلى الأمام .
ردت أم حسونه :
هه . تعالي شوفي زوجي ( ملهلط مثل الموزة المهترئة ) . قرعت الكلمات أذني كجرس كنيسة مهجورة . نظرت إلى الأفكار المتساقطة من راس أمي وجارتنا .
شعرت أن أبي عبارة عن سيارة عتيقة تحتاج إلى محرك جديد . وأن أمي تحتاج إلى -تصويج وتغيير مرايا - انتابتني موجة حزن . كدت أبكي . لأول مرة أشعر ان الزمن يشبه الوحش الذي أكل بقرة جارتنا أم حسونة وحرمها أن – تصوّج – نفسها .وتعيد ترتيب رغباتها ومراياها .
مرّ وقت طويل لم تحدثني أمي عن حسونة أو غيره .. مع أني قصصت شعري . وصبغته بألوان مفرحة , وتمشيت أمام بيت مرزوق ذهابا" وإيابا . ونفضت رأسي من كل الأفكار التي كانت سابقا" وتبرأت منها , وحشوت دماغي بأفكار اشتريتها ( خلنج ) لم تستعمل من قبل . إلا أن حسونة الذي رآني فجأة وانا أجتاز بقالية أبي بكل ثقة وكبرياء . نظر إليّ وقال وهو يعاين جسدي : أما تزوجت بعد ؟
كان صوته أجشا" مثل السيارة العتيقة التي عبرتني ببطء وهي تنفث دخانها الأسود .
نظرت إليه وقد بدا مهلهلا وقلت :
برايك ألا تحتاج هذه السيارة إلى تصويج ؟

6- تشرين أول - 2025

....................................
تصويج : إصلاح الهيكل الخارجي للسيارة ملهلط . تعبير شعبي يدل على الميوعة وانعدام القوام الحقيقي . أنيسة عبود .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...