Hلمهدي ضربان - هؤلاء هم في القلب: اليوم مع الكاتبة الروائية هدى نعمون... الرواية تتطلب نفسا قويا وخبرات عميقة ..!!

لحظة الكتابة وترسيم وعي دخول معمعتها لا يمكن أن تأتي هكذا من اللاشيء أو اللاجدوى ..بل هي لحظة ترتسم في الوعي وفي الذاكرة وتربطك بحدث أو بشرارة معنى لازمك في مسار الحياة خاصة حينما تكون مرتبطا بالكلمة والبوح وصناعة محتوى.. يرتبط بك و بهواجس لك تربطك بمسارات الكتابة و كذا تلك الومضة التي تعيدك الى الذات الواعية ..
كذلك حدث لي مع هذا المبدعة الروائية التي عرفتها منذ سنوات عديدة .. لكنني سرعان ما إفتقدتها من سنتين لم أعايش حرفها أو تواجدها القيمي في داخل ذاكرتي.. حتى جاءت اللحظة أو قل تلك اللقطة التي إسترجعت بها كل تلك التفاصيل الهاربة كذلك ما حدث لي في بحر الأسبوع الماضي وأنا أطالع تفاصيل تعاليق من الذين يؤشرون على ما كتبت من مقالاتي بعنوان : هؤلاء هم في القلب ..لأجد إسمها تعلق وتتابع ..تساءلت كثيرا ..هل هي تلك التي إفتقدتها وكنت قرأت لها حوارا أجرته معها الصحفية المتميزة سارة سعيداني في صفحة الركن الثقافي لصحيفة الحياة في جويلية من عام 2023..نعم هي بالذات التي تعلق لي اليوم على إحدى مقالاتي نعم.. لكن أين كانت ..ولماذا إنسحبت أو لم أعد أراها في الصفحات الثقافية ولا حتى في السوشل ميديا أو عبر حوارات نسمعها في الإذاعة الوطنية وكذا المحطات الاذاعية الجوارية.. نعم ..وجدت أن أسلم طريقة هو الإتصال بها والتواصل ومعرفة الأمر منها هي شخصيا ...الاتصال بالنسبة لديها كان محطة فرح.. لاحظت سعادتها وأنا أتصل.. أين أنت مبدعتنا .. قالت لي الكاتبة الروائية المتميزة هدى نعمون.. شكرا على السؤال أستاذي.. نعم إنقطعت عن الكتابة والتواصل منذ اكثر من عامين ..السبب لم يكن سوى وفاة أخي سفيان رحمه الله .." وفاته كانت بالنسبة لي ..إنقطاعا عن الحياة.. وعن حراك الدنيا ..فقدت بفقدان يوسف طعم الحياة "..وهي تحكي ذكرتني بوفاة أخي الكبير رحمه الله ضربان محمد لخضر وكذا والدتي الراحلة المجاهدة حمدي فطيمة زهرة..وما عايشته من إحتباس حياتي ..كاد أن يؤثر صحيا ونفسيا على صيرورة حياتي ..وكان لتعلقي بهدى مذ حاورتها الصحفية سارة سعيداني أن رسمت عنها رؤية من تفاصيل إبداعية وكذا تواصلي معها الذي كان يكاد أن يكون يوميا وفي كل لحظة ..عشرة أخوانية ومحبة عائلية تعيشها وأنت تتناغم مع هؤلاء الذين يحملهم قلبك في ود العلاقة الأصيلة والراقية والهادفة..
وبقيت على تلك الصلة الى أن إفتقدت تواجدها ورسمت في ذهني العودة اليها الى الكاتبة الروائية هدى نعمون التي برمجتها تماما منذ تواصلنا المتناغم ..
والحمد لله أن تعود الينا مبدعتنا استحضر جيدا معطات حوارها في مع سارة ..أستمد منه تفاصيلا لتجربتها ومساراتها مع الإبداع وكذا رحيق معان لها تلون مشهدها الإبداعي المتميز ..
إنها الكاتبة الروائية والمبدعة هدى نعمون التي عادت الى التواصل و عادت الى بيتها الإبداعية وعادت لي عبر تفاصيل عايشتها من رؤاها التي عرفتها عبر حوارها المتميز في جريدة الحياة حيث عشنا عبر بوحها خلاصات من تراجم لهذه المبدعة التي عادة ما صنعت مجدها من خلال إختمار تجربتها التي طوعتها عبر هندستها الخاصة..ترسم يافطتها الإبداعية الحصرية ..
سيرة ذاتية :
تقول الكاتبة الروائية هدى نعمون: " يمكن أن أعرف نفسي على أني امرأة تعشق الفن والإبداع الذي يطال كل تفاصيل حياتي الصغيرة والكبيرة، شغوفة به ، لدرجة جعلته المحرك الأساسي والباعث على الإقبال والإستمرار في عمل ما ، أحاول بشتى الطرق أن أكسر الروتين بتجنيد الموجودات حولي و جعلها قابلة لأن تصبح عملا فنيا إبداعيا ،و على سبيل المثال ، وقبل أن أنخرط في سلك التربية والتعليم كأستاذة التعليم الثانوي ، مرت على مسامعي وبشكل مبالغ فيه صفات منفرة منه ، فقد نعمت بالعمل المرهق والشاق ، العمل الذي يعرضك لأمراض الضغط والسكري ، الذي يصرفك عن كل ما هو جديد إذ يجعلك شخصا منغلقا، محدود الأفق لا يدعك ترى أبعد من حدود قسمه ، الذي يستهلك كل وقتك فيصرفك مانعا عن نظم قصيدة أو تأليف قصص .... تخوفت في البداية ، و لكن رميت كل هذه الصفات في سلة المهملات، و رحت أؤثثه بما يروقني ، أخذت أزرع الإبداع في كل أدوات التعليم ، أن أقرأ النصوص بشغف ناقد مستكشف و أن ألقي القصيدة إلقاء شاعر يعتلي منصة ملتقى أدبي، أن أشرح الدرس وفق بناء يشبه بناء قصة أعتمد فيها اختلاق أزمة ما ، ثم أوزع الأدوار على التلاميذ كل حسب مستواه لدفعهم إلى حلها في جو ماتع مشوق ...أستمتع و أمتع تلاميذي .
و هذا الأمر لا يختلف عن عالم الكتابة ، فقلمي لا يزاوج بين الكلمات إلا و الشغف في الإبداع هو المحفز الأساسي للانتاج الأدبي والباعث على تأسيس حياة يومية إنسانية داخل المتن النصي، رواية كان أو قصة أو قصيدة شعرية ، و الأمر ليس بالهين كما يراه البعض، بل يتطلب القدرة و الصبر الجميل على ذلك ، ولا يتحققان إلا بارتفاع مستويات الشغف للإبداع ، إلى جانب توفر الملكة اللغوية، والوعي والقدرة على بناء الأحداث ،بطبيعة الحال، فبهم جميعا أنجبت أول رواية لي الموسومة بـجنائز الحب بعد مخاض عسير، وسأنجب أعمالا الأدبية أخرى ،ولا أدري بالضبط متى سترى النور .
و حتى إختياري لتخصص النقد الأدبي في المرحلة الجامعية الثانية " ماستر " سببه الأساسي هو الإبداع دائما، باعتبار النقد هو إبداع على إبداع ...
تقول هدى نعمون في حوارها لصحيفة الحياة : " للإبداع الأدبي مغرياته يختلف وقعها في النفس من مبدع إلى آخر، و لأن نفسي تميل إلى محاولة الجمع بين مختلف المتضادات ، لخلق حالة من التأمل الإنساني والتفكير الطويل لاكتشاف هذه التناقضات ثم فك ألغازها، فقد كان هذا السبب دافعي الأساسي لتبني فكرة الكتابة السردية ..حيث أن العمل الروائي يمنحك الفرصة لفهم هذه التناقضات والوعي بدلالاتها داخل النسق النصي من جهة ، و من جهة أخرى تميز بالثنائية المتضادة خارج السياق النصي، فهو أمر شاق مرهق وممتع شائق في الوقت نفسه ، ممتع للأسباب التي ذكرتها سابقا، باعتباره أحد الفنون، هدفه الأساسي هو تحقيق الأبعاد الجمالية وتأثيرها على القارئ ، ولارتباطه بالشغف والحب والتآلف في علاقة حميمية مع مكوناته السردية المختلفة أثناء الكتابة ، و شاق في مرحلة ما قبل الكتابة ، إذ يتطلب جهدا لبنائه ، فلابد من إختمار الأفكار و تلاقحها فيما بينها للوصول إلى المعنى المرجو ، ثم وضع خطة مبدئية قابلة للتغير من وقت إلى أخر حسب متطلبات القيمة المستهدف انتاجها ، و كذا اختيار الشخصيات و دفعها نحو الصراع لخلق أزمة ما ..في حبكة محكمة ،ثم السعي إلى الخلاص منها بشكل ذكي لتحقيق فعل إنساني يؤرخ للحقيقة .."..
" وبكل صراحة ، سأحاول إيجاد تفسير مقنع للحبسة الكتابية طويلة الأمد ، أحيانا أربطها بمستوى الشغف للكتابة بين الإقبال بحماس والإدبار في ملل جاف ، ومدى القدرة على الاستمرار، فكثيرا ما تتطلب الأحداث التي أنتجتها الشخصيات عبر النسق السردي وقفة تأمل والتعاطي مع مجريات السرد و مساره ، وحتمية توظيف الخبرات الحياتية واللغوية
للمواصلة ،فصدور عملي الأدبي الوحيد لحد الساعة رواية " جنائز الحب " ..لا يمثل مطلقا الفترة التي إستوت فيها فكرة الرواية عندي ، فمرحلة التخطيط لها أخذت سنوات عدة من التمحيص والتحقيق والبحث القراءة ،ثم الإشتغال عليها بتأن شديد زمن الكتابة و كأنها الرواية الأخيرة التي سأكتبها ... ربما ؟؟؟..و أحيانا قليلة أربطها بفكرة الكسل في مجال الإبداع السردي الروائي الذي يتطلب نفسا طويلا وخبرات عميقة لا بد أن تجدد قبل العودة إليها من جديد هذا من جهة ،ومن جهة أخرى الرغبة في مغامرة أدبية جديدة ،إذ أسارع إلى ولوج عالم الأجناس الأدبية الأخرى مجربة ،معتنقة جمالياتها ، طامعة في تحقيق المتعة وإكتشاف مدى قدرتي الإبداعية فيها كالشعر الحر والقصة وكتابة السناريوهات ، فلست التي تتقبل البقاء حبيسة جنس أدبي على حساب آخر ، ولهذا أتوقع إن سرت على هذه الوتيرة البطيئة في الكتابة وربطها بالقابلية النفسية لذلك، أن لا تكتمل التجربة السردية عندي، كما لن تكتمل التجربة الشعرية و لا المسرحية مستقبلا ، خاصة وأني أعمل على إنتاج مجموعة قصصية وديوانا شعريا بالتناوب ، كما سبق وأن شاركت مع المخرج المتوفى محمد جرالفية رحمة الله تعالى عليه في تأليف تمثيلية إذاعية و وضع الحوار و المشاهد ..
تواصل كلامها : إن الأدب واحد خلق إنساني يكتمل ويتكامل بالرجل والمرأة معا لإعطاء صورة كاملة للمجتمع ، كان الأدب ـ قبلا ـ غير مكتمل حين كان أحادية الخطاب ذكوريا ، لكن الأن بعد الاعتراف بالمرأة كمبدعة إقتحامها مجال الأدب أثرته وجعلت الحياة أكثر وضوحا ، و لهذا فأنا أؤكد أن الكتابة هي مشروع فهم الحياة من أبعادها المختلفة ." ..
" حاولت من خلالها رواية " جنائز الحب " ..معالجة بعض القضايا الإجتماعية التي تخص المرأة بالدرجة الأولى ،المرأة التي فقدت توازنها بين ذاتها الداخلية وذاتها الإجتماعية في عالم جديد متغير بشكل مستمر ومتسارع , و لقد سلطت الضوء على ذلك الصراع القائم بين الرجل و المرأة ، بعيد عن تكريس صفات المرأة المتمردة المسترجلة وفي الوقت ذاته الحرص على انصاف الرجل ..
كذلك عايشت حرف المبدعة هدى نعمون.. فهي من عشيرتي.. ومن قبيلتي ويمكنك القول.. أنها هي فعلا.. في القلب..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...