لا شك أن كتابة العقاد في ((مجلة الرسالة)) كانت كسبًا كبيرًا للرسالة وللعقاد نفسه، وقبل هذا وذاك كانت مكسبًا كبيرًا لجمهور القُرَّاء المحبين للعقاد وللثقافة العميقة الجادة.
وقد توقف العقاد عن الكتابة لها نظرًا لمشاكسة من سكرتير تحريرها عباس خضر لعباس العقاد، وثمة بون شاسع بين العباسيين!
٩
لكن المؤسف حقًّا أن الأستاذ أحمد حسن الزيات قد وقف حيال هذه المناوشات موقفًا سلبيًّا، كمن يتفرج على مسرحية هزلية، والأنكى من هذا أنه آزر سكرتيره ((خضر! الذي اعترف أن وراء هذا كله أسبابًا ((مالية))، كما أوضح خضر في كتابه (ذكريات أدبية))(١) !! وخلاصة القصة كما رواها الأستاذ خضر في مذكراته أنه كتب في الرسالة في باب (الأدب والفن)، الذي کان یحرره، فیقول: إن ما ترتفع به بعض الأصوات مُشيدة بالتجديد في الشعر يكاد ينحصر عن لا شيء، وأن المسافة بين الجديد والقديم قد ضاقت، وأن القديم التقليدي يقول كالجديد، والداعي إلى التجديد يقول كالقديم. وكان كل الشعراء في ذلك الوقت - ما عدا فلتات سابقة - ينظمون طبقًا للبحور المأثورة، وعلى قافية واحدة. ثم يقول: والتقينا - العقاد وأنا - بعدها في إدارة (الرسالة)، وكانت لقاءاتي به عفوية، فلم أكن أقصد إليه، أو أحضر ندوته الأسبوعية التي كان يجتمع فيها بأصدقائه وتلاميذه كل يوم جمعة، استجابة لطبعي ..
وقال لې العقاد في ذلك اللقاء: - ((تعال يا مولانا .. إيه الكلام اللي بتقوله ده؟)) - قلت: أي كلام يا أستاذ؟
۔ قال: پعني شعر الجارم مثلاً زى شعري أنا؟
- قلت: لا، طبعًا ..
وتدخل بعض الحاضرين بكلام يتملقه، وغطى اللغط على الموضوع ..
ثم تكررت كتاباتي في نقده، وفي مناقشة بعض القضايا والمسائل الأدبية التي يثيرها - وكان يكتب في ((أخبار اليوم)) - مُعارِضًا له، وبشدة أحيانًا ( !! ) ...........
(١) عباس خضر (١٩٨٦): ذكرياتي الأدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص ٣٨.
١٠
كتب مرة يحتج على حجب ((جائزة فؤاد الأول)) للآداب؛ لأن اللجنة رأت أن الإنتاج الأدبي الذي ظهر خلال تلك المدة المحددة وهي خمس سنين لا يستحق الجائزة، وقال إنه المقصود بالحرمان من الجائزة، وأنه أصدر خلال هذه المدة عددًا كبيرًا من الكتب .. فكتبت أقول له: إن هذا لا ينبغي لك .. لا يصح أن تحكم لنفسك بالاستحقاق. واقترح توفيق الحكيم - في ((أخبار اليوم)) وكان يكتب فيها أيضًا - إنشاء كرسي لأحمد شوقي في كلية الآداب، ورشح له أحمد حسن الزيات، وذكر من صفاته وكفايته ما يؤيد هذا الترشيح، ودعا إلى فكرة انتفاع الجامعة بالأعلام البارزين من غير الحاصلين على الشهادات والألقاب الجامعية. وعلقتُ على ذلك ذاهبًا إلى أن الكفايات الممتازة غير مقصورة على المؤهلين رسميًّا، وأن المشرفين على الجامعات يجب أن يكونوا على سعة أفق بحيث يُقدِّرون ذلك، ويعملون على تلقيح جامعاتهم بذوي الكفايات من الخارج، وذكرتُ أسماء عبقرية لم تنل شهادات ولا درجات جامعية. وهنا وجدت المناسبة صالحة لإيراد ما كتبه في جريدة ((المؤيد)) الطالب الصغير الراسب في الشهادة الابتدائية: عباس محمود العقاد، ودعا فيه زملاءه الراسبين إلى الاجتماع للأهمية. ثم يردف خضر قائلًا: وعلقتُ على ذلك بما كان ينبغي أن يُرْضِي العقاد، ولكنه لم يرض؛ بل سخط وثار، وهَّدد بالامتناع عن الكتابة في الرسالة إن استمر هذا ((الهلفوت))
- الذي هو أنا - في مهاجمته. وقال إنه لا يهمه عشرات من أمثالي، ولكن كيف يُهاجَم في مجلة يشترك في تحريرها؟
وكان إذ ذاك يكتب افتتاحية الرسالة بالتناوب مع الزیات، كل واحدٍ منهما في أسبوع. ثم يقول خضر: إن تقديرى لشخصية العقاد وإعجابى ببعض مواقفه يختلف عن نظرتي إلى أدبه ( !! ) ..
ويظهر أنه كان يحس بهذه النظرة من خلال ما كتبت في نقده، فلم يكن يستريح إلى كتابتي في ((الرسالة)).
١١
أقيمت حفلة لتأبين محمود فهمي النقراشي، وألقى العقاد فيها قصيدة، أذكر أهم ما قلته في نقدها: إنها لا تختلف عن الشعر الذي قامت دعوته على هدمه من حيث الوحدة العضوية، فلو قدمت في أبياتها وأخرت، أو حذفت لما تغيَّر شيء، وأنها في هذا كقصيدة الجارم التي ألقيت في الحفل نفسه .. وأن مضمونها تقليدي كسائر ما يقال في شعر الرثاء.
رأى العقاد أن أمري لم يعد محتملًا، وقال لسكرتير ((الرسالة)) الذي اتصل به تليفونيًّا، وسأل عن المقال المعتاد الذي تأخر: إما أن أكتب أنا أو يكتب هو! ولم يهتم الزيات بأن يستمر العقاد في الكتابة ((بالرسالة)) ..
ودهشتُ: هل آثرني على العقاد؟
غير معقول.
ولم يلبث أن ذهب العجب حينما عَرَفتُ السبب: عرفته من عدة قرائن؛ فقد سمعت الزيات من قبلُ يشكو من أن مقالات العقاد في الفترة الأخيرة بالرسالة لم تكن تخرج عن إجابات عن رسائل ترد إليه من القراء، يسألونه فيها أن يوضح لهم ما غمُض عليهم في بعض كتب العبقريات، وإجاباته لهم التي لا تضيف جديدًا.
.
.
(تعليق: هذا محض افتراء، فقد كانت هذه الأسئلة وتلك الإجابات تتطرق إلى بعض التفصيلات والدقائق المهمة، التي تهم الباحثين والمدققين، وتشير إلى مصادر أدبية ثمينة، وتضيف معلومات جديدة حول تلك المسائل والمشكلات. هذا، فضلًا عن أنها كانت تزيل اللبس الذي يقع فيه مدرسو اللغة العربية حينما لا يدركون بعض أسرار التراكيب اللغوية التي تخفى عليهم - بخاصة تلك التي وردت في العبقريات - فيُخطّئون العقاد وهو على صواب!). كل ما ذكره خضر فيما سبق هوامش لا يؤبه لها، ولا تستحق التعليق عليها؛ لأنها من قبيل الفخر والتيه بالذات، ويريد أن يبدو فيها وكأنه كان نِدَّاً للعقاد، یساجله ویناوشه وينقده، وهي محاولة مكشوفة سبقه إليها كثيرون، وهي محاولة التسلق على أكتاف الكبار، وهذا واضح من السياق ذاته الذي تعمدت أن أذكره
١٢
((بنصه))، ولكن الأسباب الحقيقية لامتناع العقاد أو لمنعه من الكتابة في الرسالة هو ما ذكره خضر حينما قال: كان الزيات يعطي العقاد خمسة جنيهات للمقال، فلما استكتبت جريدة ((أخبار اليوم)) العقاد، وأجزلت له الأجر تضاءلت أمامه جنيهات ((الرسالة))؛ فطلب زيادة، فزاده الزيات ثلاثة إلى الخمسة. فصار يكتب بغير عناية مُوجِّهَا جُهده إلى من يدفع أكثر (وهذا قمة التجني أيضًا على العقاد الذي لم يكن يكترث للنواحي المادية، ولا يرضى لقلمه أن ينساب على الورق بغير ((عناية)) أو إجادة مجيدة!).
ويفسّر هذا التجني ما أضافه خضر بنفسه حينما قال: وما أظن أني آتي بجدید هنا إذا قلت: إن الزيات كان حريصًا على المال، فذلك كان مشهورًا عنه !! (عباس خضر: ((ذكرياتي الأدبية)) (١٩٨٦)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص ص ٣٤ - ٣٨ بتصرف قليل). ٠٠٠ كتب للعقاد انبثقت من الرسالة:
يزعم عباس خضر - في ((ذكرياته الأدبية)) - أن بداية فكرة كتابة العقاد للعبقريات أو بدء تنفيذها - على حدٍّ قوله- قد تزامن مع نشر العقاد لمقال بعنوان (عبقرية محمد العسكرية)) (١) في العدد الخاص للرسالة الصادر في ذكرى حادث الهجرة، الذي كان نواة كتابه ((عبقرية محمد))، ثم تلته بقية العبقريات(٢).
والصحيح أن العقاد كتب هذا المقال بالذات في ذلك الوقت متأثرًا بأجواء الحرب العالمية الثانية، ثم أتبعه في الأسبوع التالي مباشرة بفصل آخر تحت عنوان ((عبقرية محمد السياسية))، ثم أتبعه بمقال ثالث حول ((عبقرية محمد الإدارية)).
---------------
(١) نشر المقال المشار إليه في عدد ((الرسالة) الصادر يوم الإثنين ٢٥ محرم سنة ١٣٥٩ هـ الموافق ٣/٤/ ١٩٤٠؛ أي: في أجواء الحرب العالمية الثانية. (٢) المصدر السابق المشار إليه فى مثن الكتاب، ص ٣٠.
١٣
وصحيح أن معظم ما جاء في هذه المقالات أورده العقاد في كتابه ((عبقرية محمد)؛ ولكننا حينما نعود إلى مقدمة الكتاب نرى أن فكرة الكتابة في العبقريات الإسلامية لا سيما ما كتبه العقاد حول عبقرية نبي الإسلام قد حركتها ملابسات أخرى في وقت سبق كتاب ((عبقرية محمد))، وكتابة هذه الفصول التي نشرها في ((الرسالة)) بنحو ثلاثين عامًا - كما ذكر العقاد نفسه - حينها اجتمع يومًا بمجموعة من أصدقائه ومحبیه، وكان محور الحدیث یدور حول الکاتب الإنجليزي توماس كارلایل، حیث يقول: ((تعود بنا هذه المقدمة ثلاثين سنة، إلى اليوم الذي سمعت فيه أول اقتراح بتأليف كتاب عن محمد عليه السلام)) (١). ثم جعل يرد القصة التي انتهت بتساؤل الرهط المجتمعين: ما بالنا نقنع بتمجيد كارْلَايل لنبي الإسلام وهو كاتب غربي لا يفهمه كما نفهمه نحن؟ ثم سألني بعض الإخوان: ((ما بالك أنت يا فلان لا تضع لقُرَّاء العربية كتابًا عن ((محمد) - صلى الله عليه وسلم - على النمط الحديث؟)). - قلت: ((أفعل .. وأرجو أن يتم ذلك في وقت قريب)). ثم يعلق العقاد: ((ولكنه لم يتم في وقت قريب)) .. بل تم بعد ثلاثين سنة! وشاءت المصادفة العجيبة أن تتم فصوله في مثل الأيام التي سمعت فيها الاقتراح للمرة الأولى .. فكتبت السطر الأخير فيه يوم مولد النبي على حسب الشهور الهجرية، واتفقت هذه المصادفة على غير تدبير مني ولا من أحد؛ لأنني لم أدبر لنفسي أوقات الفراغ التي هيّأت لي إتمام فصوله، وتقسيم العمل فيه يومًا بعد يوم (٢).
ولكن هناك كتبًا أخرى للعقاد مثلت مقالات الرسالة لحمتها وسداها، ومنها كتابه النفيس ((يسألونك)) (١٩٤٦)، فالكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات التي تعتبر كلُّ منها نواة لكتاب قائم بذاته، كما أنها كانت تمثل وقت نشرها إجاباته لأسئلة وجهها إليه قُراؤه ومحبو أدبه من عُشَّاق مجلة ((الرسالة)، وقد تضمنت
----------------
(١) عباس العقاد (١٩٨٤): عبقرية محمد، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، ص ٦.
(٢) المصدر السابق، ص ٧.
١٤
-------------------------
مجموعات متنوعة من الموضوعات الأدبية والثقافية والفكرية؛ فمن أبي العلاء إلى الشعر العربي، إلى العلاقة بين العامية والفقر، وبين التزمت والإباحة، والمفاضلة بين العلم والأدب، والفنون الجميلة، إلى الشعر والقصة، والزوجة المثلى، والمستقبل، والقدوة والإصلاح، والكثير غيرها من الموضوعات. وهكذا، فقد ترك لنا العقاد مما خط يراعه تراثًا هائلًا، حافلًا بمختلف صنوف المعرفة التي راض بها ذهنه، ثم قدمها لأجيال من القُرَّاء منبثقة مما كان يشغله من قضايا العصر الذي عاش فيه؛ بل واستشرف بعض القضايا المستقبلية فأدلى بدلوه فيها أيضًا. كما تفاعل الرجل مع القضايا الإنسانية العامة من خلال قراءاته الكثيرة المنوعة في كل المجالات؛ ليثبت أن الإنسان العربي المثقف في النصف الأول من القرن العشرين لم يقل عن صنوه الأوروبي تفاعلًا مع قضايا عصره، وحضاراته المختلفة، وثقافاته المعاصرة شرقًا وغربًا.
وعلى هذا لا نعجب حينما نراه يقتحم مجالات كثيرة متنوعة، نلمسها من واقع عنوانات كتبه وبحوثه ومنها ما يندرج في مجال اللغة أو الأدب أو النقد الأدبي والاجتماعي وذلك في كتبه ((الديوان في الأدب والنقد))، و((اللغة الشاعرة: مزايا الفن والتعبير في اللغة العربية)، و((أشتات مجتمعات في اللغة والأدب))، و((شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي))، وقصة ((سارة)، ورواية ((قمبيز في الميزان))، و((ابن الرومي: حياته من شعره))، و((رجعة أبي العلاء))، و((جميل بثينة))، و((شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة))، و(أبو نواس الحسن بن هانئ))، و((ألوان من القصة الصغيرة في الأدب الأمريكي))، و(التعريف بشكسبير))، و((تذكار جيتي)، و(برنارد شو). كما وضع في باب العقائد بحثًا فلسفيًّا بعنوان ((الله) وهو مبحث شامل في نشأة العقيدة الإلهية، كما وضع كتابًا آخر بعنوان ((عقائد المفكرين في القرن العشرين .. ))، وفي المبادئ السياسية والاجتماعية له أيضًا كتب عدة، منها: ((الشيوعية والإنسانية))، و((أفيون الشعوب))، و((النازية والأديان)، و((هتلر في الميزان))، و((الصهيونية العالمية))، و((الحكم المطلق في القرن العشرين))، و((فلاسفة الحكم في العصر الحديث)»، وغيرها.
١٥
وفي الفلسفة الإسلامية ورموزها من الفلاسفة والمفكرين له أيضًا عدد من المؤلفات منها: (الشيخ الرئيس ابن سينا))، و(ابن رشد)، و((فلسفة الغزالي))، و((عبقري الإصلاح والتعليم محمد عبده))، و(الرحالة كاف)) حول المجاهد العربي الكبير عبد الرحمن الكواكبي. أما دراساته الإسلامية التي أشاد فيها بالإسلام، وأوضح فيها حقائقه، ودفع بها ترهات خصومه، وصحح فيها بعض المغالطات في حقه، وبيَّن فيها مكانة الأمة العربية وموقعها الصحيح من السبق والريادة الثقافية فهي كثيرة، ومن هذه المؤلفات: ((الفلسفة القرآنية))، و(الديمقراطية في الإسلام))، و((الإسلام في القرن العشرين))، و((مطلع النور: أو طوالع البعثة المحمدية))، و((حقائق الإسلام وأباطيل خصومه))، و(الإسلام والاستعمار))، و(التفكير فريضة إسلامية))، و(المرأة في القرآن الكريم))، و((الإنسان في القرآن الكريم))، و((الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين)). أما الدراسات المتعلقة بالأعلام شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا، فقد ضرب فيها بسهام لا تبارى، وله فيها القدح المعلى الذي لا يجارى، فكتب عن الشخصيات والرموز الإسلامية ما استقر في الوجدان بالعبقريات التي أتى فيها بالعجب العجاب، فبدأ بعبقرية نبي الإسلام، وخلفائه الراشدين العظام، وغيرهم من رجال ونساء بيت النبوة والصحابة الإجلاء. وكتب أيضًا عن سيدنا إبراهيم كتابه ((إبراهيم أبو الأنبياء))، وعن سيدنا عيسى - عليه السلام - ((عبقرية المسيح)).
١٦
د. محمد فتحي فرج، تراث العقاد في مجلة الرسالة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، ط1، 2025مج1، ص 9 - 16.
وقد توقف العقاد عن الكتابة لها نظرًا لمشاكسة من سكرتير تحريرها عباس خضر لعباس العقاد، وثمة بون شاسع بين العباسيين!
٩
لكن المؤسف حقًّا أن الأستاذ أحمد حسن الزيات قد وقف حيال هذه المناوشات موقفًا سلبيًّا، كمن يتفرج على مسرحية هزلية، والأنكى من هذا أنه آزر سكرتيره ((خضر! الذي اعترف أن وراء هذا كله أسبابًا ((مالية))، كما أوضح خضر في كتابه (ذكريات أدبية))(١) !! وخلاصة القصة كما رواها الأستاذ خضر في مذكراته أنه كتب في الرسالة في باب (الأدب والفن)، الذي کان یحرره، فیقول: إن ما ترتفع به بعض الأصوات مُشيدة بالتجديد في الشعر يكاد ينحصر عن لا شيء، وأن المسافة بين الجديد والقديم قد ضاقت، وأن القديم التقليدي يقول كالجديد، والداعي إلى التجديد يقول كالقديم. وكان كل الشعراء في ذلك الوقت - ما عدا فلتات سابقة - ينظمون طبقًا للبحور المأثورة، وعلى قافية واحدة. ثم يقول: والتقينا - العقاد وأنا - بعدها في إدارة (الرسالة)، وكانت لقاءاتي به عفوية، فلم أكن أقصد إليه، أو أحضر ندوته الأسبوعية التي كان يجتمع فيها بأصدقائه وتلاميذه كل يوم جمعة، استجابة لطبعي ..
وقال لې العقاد في ذلك اللقاء: - ((تعال يا مولانا .. إيه الكلام اللي بتقوله ده؟)) - قلت: أي كلام يا أستاذ؟
۔ قال: پعني شعر الجارم مثلاً زى شعري أنا؟
- قلت: لا، طبعًا ..
وتدخل بعض الحاضرين بكلام يتملقه، وغطى اللغط على الموضوع ..
ثم تكررت كتاباتي في نقده، وفي مناقشة بعض القضايا والمسائل الأدبية التي يثيرها - وكان يكتب في ((أخبار اليوم)) - مُعارِضًا له، وبشدة أحيانًا ( !! ) ...........
(١) عباس خضر (١٩٨٦): ذكرياتي الأدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص ٣٨.
١٠
كتب مرة يحتج على حجب ((جائزة فؤاد الأول)) للآداب؛ لأن اللجنة رأت أن الإنتاج الأدبي الذي ظهر خلال تلك المدة المحددة وهي خمس سنين لا يستحق الجائزة، وقال إنه المقصود بالحرمان من الجائزة، وأنه أصدر خلال هذه المدة عددًا كبيرًا من الكتب .. فكتبت أقول له: إن هذا لا ينبغي لك .. لا يصح أن تحكم لنفسك بالاستحقاق. واقترح توفيق الحكيم - في ((أخبار اليوم)) وكان يكتب فيها أيضًا - إنشاء كرسي لأحمد شوقي في كلية الآداب، ورشح له أحمد حسن الزيات، وذكر من صفاته وكفايته ما يؤيد هذا الترشيح، ودعا إلى فكرة انتفاع الجامعة بالأعلام البارزين من غير الحاصلين على الشهادات والألقاب الجامعية. وعلقتُ على ذلك ذاهبًا إلى أن الكفايات الممتازة غير مقصورة على المؤهلين رسميًّا، وأن المشرفين على الجامعات يجب أن يكونوا على سعة أفق بحيث يُقدِّرون ذلك، ويعملون على تلقيح جامعاتهم بذوي الكفايات من الخارج، وذكرتُ أسماء عبقرية لم تنل شهادات ولا درجات جامعية. وهنا وجدت المناسبة صالحة لإيراد ما كتبه في جريدة ((المؤيد)) الطالب الصغير الراسب في الشهادة الابتدائية: عباس محمود العقاد، ودعا فيه زملاءه الراسبين إلى الاجتماع للأهمية. ثم يردف خضر قائلًا: وعلقتُ على ذلك بما كان ينبغي أن يُرْضِي العقاد، ولكنه لم يرض؛ بل سخط وثار، وهَّدد بالامتناع عن الكتابة في الرسالة إن استمر هذا ((الهلفوت))
- الذي هو أنا - في مهاجمته. وقال إنه لا يهمه عشرات من أمثالي، ولكن كيف يُهاجَم في مجلة يشترك في تحريرها؟
وكان إذ ذاك يكتب افتتاحية الرسالة بالتناوب مع الزیات، كل واحدٍ منهما في أسبوع. ثم يقول خضر: إن تقديرى لشخصية العقاد وإعجابى ببعض مواقفه يختلف عن نظرتي إلى أدبه ( !! ) ..
ويظهر أنه كان يحس بهذه النظرة من خلال ما كتبت في نقده، فلم يكن يستريح إلى كتابتي في ((الرسالة)).
١١
أقيمت حفلة لتأبين محمود فهمي النقراشي، وألقى العقاد فيها قصيدة، أذكر أهم ما قلته في نقدها: إنها لا تختلف عن الشعر الذي قامت دعوته على هدمه من حيث الوحدة العضوية، فلو قدمت في أبياتها وأخرت، أو حذفت لما تغيَّر شيء، وأنها في هذا كقصيدة الجارم التي ألقيت في الحفل نفسه .. وأن مضمونها تقليدي كسائر ما يقال في شعر الرثاء.
رأى العقاد أن أمري لم يعد محتملًا، وقال لسكرتير ((الرسالة)) الذي اتصل به تليفونيًّا، وسأل عن المقال المعتاد الذي تأخر: إما أن أكتب أنا أو يكتب هو! ولم يهتم الزيات بأن يستمر العقاد في الكتابة ((بالرسالة)) ..
ودهشتُ: هل آثرني على العقاد؟
غير معقول.
ولم يلبث أن ذهب العجب حينما عَرَفتُ السبب: عرفته من عدة قرائن؛ فقد سمعت الزيات من قبلُ يشكو من أن مقالات العقاد في الفترة الأخيرة بالرسالة لم تكن تخرج عن إجابات عن رسائل ترد إليه من القراء، يسألونه فيها أن يوضح لهم ما غمُض عليهم في بعض كتب العبقريات، وإجاباته لهم التي لا تضيف جديدًا.
.
.
(تعليق: هذا محض افتراء، فقد كانت هذه الأسئلة وتلك الإجابات تتطرق إلى بعض التفصيلات والدقائق المهمة، التي تهم الباحثين والمدققين، وتشير إلى مصادر أدبية ثمينة، وتضيف معلومات جديدة حول تلك المسائل والمشكلات. هذا، فضلًا عن أنها كانت تزيل اللبس الذي يقع فيه مدرسو اللغة العربية حينما لا يدركون بعض أسرار التراكيب اللغوية التي تخفى عليهم - بخاصة تلك التي وردت في العبقريات - فيُخطّئون العقاد وهو على صواب!). كل ما ذكره خضر فيما سبق هوامش لا يؤبه لها، ولا تستحق التعليق عليها؛ لأنها من قبيل الفخر والتيه بالذات، ويريد أن يبدو فيها وكأنه كان نِدَّاً للعقاد، یساجله ویناوشه وينقده، وهي محاولة مكشوفة سبقه إليها كثيرون، وهي محاولة التسلق على أكتاف الكبار، وهذا واضح من السياق ذاته الذي تعمدت أن أذكره
١٢
((بنصه))، ولكن الأسباب الحقيقية لامتناع العقاد أو لمنعه من الكتابة في الرسالة هو ما ذكره خضر حينما قال: كان الزيات يعطي العقاد خمسة جنيهات للمقال، فلما استكتبت جريدة ((أخبار اليوم)) العقاد، وأجزلت له الأجر تضاءلت أمامه جنيهات ((الرسالة))؛ فطلب زيادة، فزاده الزيات ثلاثة إلى الخمسة. فصار يكتب بغير عناية مُوجِّهَا جُهده إلى من يدفع أكثر (وهذا قمة التجني أيضًا على العقاد الذي لم يكن يكترث للنواحي المادية، ولا يرضى لقلمه أن ينساب على الورق بغير ((عناية)) أو إجادة مجيدة!).
ويفسّر هذا التجني ما أضافه خضر بنفسه حينما قال: وما أظن أني آتي بجدید هنا إذا قلت: إن الزيات كان حريصًا على المال، فذلك كان مشهورًا عنه !! (عباس خضر: ((ذكرياتي الأدبية)) (١٩٨٦)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص ص ٣٤ - ٣٨ بتصرف قليل). ٠٠٠ كتب للعقاد انبثقت من الرسالة:
يزعم عباس خضر - في ((ذكرياته الأدبية)) - أن بداية فكرة كتابة العقاد للعبقريات أو بدء تنفيذها - على حدٍّ قوله- قد تزامن مع نشر العقاد لمقال بعنوان (عبقرية محمد العسكرية)) (١) في العدد الخاص للرسالة الصادر في ذكرى حادث الهجرة، الذي كان نواة كتابه ((عبقرية محمد))، ثم تلته بقية العبقريات(٢).
والصحيح أن العقاد كتب هذا المقال بالذات في ذلك الوقت متأثرًا بأجواء الحرب العالمية الثانية، ثم أتبعه في الأسبوع التالي مباشرة بفصل آخر تحت عنوان ((عبقرية محمد السياسية))، ثم أتبعه بمقال ثالث حول ((عبقرية محمد الإدارية)).
---------------
(١) نشر المقال المشار إليه في عدد ((الرسالة) الصادر يوم الإثنين ٢٥ محرم سنة ١٣٥٩ هـ الموافق ٣/٤/ ١٩٤٠؛ أي: في أجواء الحرب العالمية الثانية. (٢) المصدر السابق المشار إليه فى مثن الكتاب، ص ٣٠.
١٣
وصحيح أن معظم ما جاء في هذه المقالات أورده العقاد في كتابه ((عبقرية محمد)؛ ولكننا حينما نعود إلى مقدمة الكتاب نرى أن فكرة الكتابة في العبقريات الإسلامية لا سيما ما كتبه العقاد حول عبقرية نبي الإسلام قد حركتها ملابسات أخرى في وقت سبق كتاب ((عبقرية محمد))، وكتابة هذه الفصول التي نشرها في ((الرسالة)) بنحو ثلاثين عامًا - كما ذكر العقاد نفسه - حينها اجتمع يومًا بمجموعة من أصدقائه ومحبیه، وكان محور الحدیث یدور حول الکاتب الإنجليزي توماس كارلایل، حیث يقول: ((تعود بنا هذه المقدمة ثلاثين سنة، إلى اليوم الذي سمعت فيه أول اقتراح بتأليف كتاب عن محمد عليه السلام)) (١). ثم جعل يرد القصة التي انتهت بتساؤل الرهط المجتمعين: ما بالنا نقنع بتمجيد كارْلَايل لنبي الإسلام وهو كاتب غربي لا يفهمه كما نفهمه نحن؟ ثم سألني بعض الإخوان: ((ما بالك أنت يا فلان لا تضع لقُرَّاء العربية كتابًا عن ((محمد) - صلى الله عليه وسلم - على النمط الحديث؟)). - قلت: ((أفعل .. وأرجو أن يتم ذلك في وقت قريب)). ثم يعلق العقاد: ((ولكنه لم يتم في وقت قريب)) .. بل تم بعد ثلاثين سنة! وشاءت المصادفة العجيبة أن تتم فصوله في مثل الأيام التي سمعت فيها الاقتراح للمرة الأولى .. فكتبت السطر الأخير فيه يوم مولد النبي على حسب الشهور الهجرية، واتفقت هذه المصادفة على غير تدبير مني ولا من أحد؛ لأنني لم أدبر لنفسي أوقات الفراغ التي هيّأت لي إتمام فصوله، وتقسيم العمل فيه يومًا بعد يوم (٢).
ولكن هناك كتبًا أخرى للعقاد مثلت مقالات الرسالة لحمتها وسداها، ومنها كتابه النفيس ((يسألونك)) (١٩٤٦)، فالكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات التي تعتبر كلُّ منها نواة لكتاب قائم بذاته، كما أنها كانت تمثل وقت نشرها إجاباته لأسئلة وجهها إليه قُراؤه ومحبو أدبه من عُشَّاق مجلة ((الرسالة)، وقد تضمنت
----------------
(١) عباس العقاد (١٩٨٤): عبقرية محمد، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، ص ٦.
(٢) المصدر السابق، ص ٧.
١٤
-------------------------
مجموعات متنوعة من الموضوعات الأدبية والثقافية والفكرية؛ فمن أبي العلاء إلى الشعر العربي، إلى العلاقة بين العامية والفقر، وبين التزمت والإباحة، والمفاضلة بين العلم والأدب، والفنون الجميلة، إلى الشعر والقصة، والزوجة المثلى، والمستقبل، والقدوة والإصلاح، والكثير غيرها من الموضوعات. وهكذا، فقد ترك لنا العقاد مما خط يراعه تراثًا هائلًا، حافلًا بمختلف صنوف المعرفة التي راض بها ذهنه، ثم قدمها لأجيال من القُرَّاء منبثقة مما كان يشغله من قضايا العصر الذي عاش فيه؛ بل واستشرف بعض القضايا المستقبلية فأدلى بدلوه فيها أيضًا. كما تفاعل الرجل مع القضايا الإنسانية العامة من خلال قراءاته الكثيرة المنوعة في كل المجالات؛ ليثبت أن الإنسان العربي المثقف في النصف الأول من القرن العشرين لم يقل عن صنوه الأوروبي تفاعلًا مع قضايا عصره، وحضاراته المختلفة، وثقافاته المعاصرة شرقًا وغربًا.
وعلى هذا لا نعجب حينما نراه يقتحم مجالات كثيرة متنوعة، نلمسها من واقع عنوانات كتبه وبحوثه ومنها ما يندرج في مجال اللغة أو الأدب أو النقد الأدبي والاجتماعي وذلك في كتبه ((الديوان في الأدب والنقد))، و((اللغة الشاعرة: مزايا الفن والتعبير في اللغة العربية)، و((أشتات مجتمعات في اللغة والأدب))، و((شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي))، وقصة ((سارة)، ورواية ((قمبيز في الميزان))، و((ابن الرومي: حياته من شعره))، و((رجعة أبي العلاء))، و((جميل بثينة))، و((شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة))، و(أبو نواس الحسن بن هانئ))، و((ألوان من القصة الصغيرة في الأدب الأمريكي))، و(التعريف بشكسبير))، و((تذكار جيتي)، و(برنارد شو). كما وضع في باب العقائد بحثًا فلسفيًّا بعنوان ((الله) وهو مبحث شامل في نشأة العقيدة الإلهية، كما وضع كتابًا آخر بعنوان ((عقائد المفكرين في القرن العشرين .. ))، وفي المبادئ السياسية والاجتماعية له أيضًا كتب عدة، منها: ((الشيوعية والإنسانية))، و((أفيون الشعوب))، و((النازية والأديان)، و((هتلر في الميزان))، و((الصهيونية العالمية))، و((الحكم المطلق في القرن العشرين))، و((فلاسفة الحكم في العصر الحديث)»، وغيرها.
١٥
وفي الفلسفة الإسلامية ورموزها من الفلاسفة والمفكرين له أيضًا عدد من المؤلفات منها: (الشيخ الرئيس ابن سينا))، و(ابن رشد)، و((فلسفة الغزالي))، و((عبقري الإصلاح والتعليم محمد عبده))، و(الرحالة كاف)) حول المجاهد العربي الكبير عبد الرحمن الكواكبي. أما دراساته الإسلامية التي أشاد فيها بالإسلام، وأوضح فيها حقائقه، ودفع بها ترهات خصومه، وصحح فيها بعض المغالطات في حقه، وبيَّن فيها مكانة الأمة العربية وموقعها الصحيح من السبق والريادة الثقافية فهي كثيرة، ومن هذه المؤلفات: ((الفلسفة القرآنية))، و(الديمقراطية في الإسلام))، و((الإسلام في القرن العشرين))، و((مطلع النور: أو طوالع البعثة المحمدية))، و((حقائق الإسلام وأباطيل خصومه))، و(الإسلام والاستعمار))، و(التفكير فريضة إسلامية))، و(المرأة في القرآن الكريم))، و((الإنسان في القرآن الكريم))، و((الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين)). أما الدراسات المتعلقة بالأعلام شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا، فقد ضرب فيها بسهام لا تبارى، وله فيها القدح المعلى الذي لا يجارى، فكتب عن الشخصيات والرموز الإسلامية ما استقر في الوجدان بالعبقريات التي أتى فيها بالعجب العجاب، فبدأ بعبقرية نبي الإسلام، وخلفائه الراشدين العظام، وغيرهم من رجال ونساء بيت النبوة والصحابة الإجلاء. وكتب أيضًا عن سيدنا إبراهيم كتابه ((إبراهيم أبو الأنبياء))، وعن سيدنا عيسى - عليه السلام - ((عبقرية المسيح)).
١٦
د. محمد فتحي فرج، تراث العقاد في مجلة الرسالة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، ط1، 2025مج1، ص 9 - 16.