انتصار السري - زهايمر.. قصة قصيرة

بُعدكَ ناراً تلتهمني.. بهذه الجملة بدأت كتابة رسالتها إليه، خيالها يأخذها إلى لحظتهما مع بعض، أنفاسه تشعل حواسها، تلهب خلايا عقلها فتوقفها عن عملها. يعجز قلمها عن نسج باقي السطور، تضعه جانبا على الطاولة، تحاول شغل نفسها بعمل فنجان قهوة، تزيد من مسحوق البن الحرازي المشهور بجودته، الكثير من السكر يجعلها تشعر براحة أعصاب، قبل غليانها تضع الحليب عليها، تصبّ منها في الفنجان، تتلذذ بشربها، رائحة القهوة تعيدها إلى مقهى مدينتها العتيقة وشربهما قهوتهما بالحليب معاً ومن ذات الفنجان، يومها دخلا صنعاء القديمة من باب اليمن، تجوّلا في أزقتها، كل بائع يروّج لبضاعته، ثياب نسائية تحاكي التراث، فضيّات، أدوات التجميل، الكل يدعو لزيارة محله وعرض بضاعته، يسيران بين تلك الزحمة، عيناه تحرسانها من عيون المارة، يقطّب حاجبيه عندما اقترب أحد المارة منها، يصلان إلى سمسرة النحاس، يدخلانها، يسحرهما جمال تصميم بنائها الذي يعود إلى عصر الممالك بأعمدتها الحجرية المقوّسة، ونوافذها المرتفعة، مشربيّاتها التي ينفذ منها ضوء الشمس. يلجآن إلى أحد محلات بيع الفضة المنتشرة بداخلها، تختار أحد الخواتم، يشرح لهما البائع اسم ذلك النقش المسمى «البديحي» نسبة إلى ناحتها اليهودي البديحي. صعدا إلى آخر طابق في السمسرة، تطل صنعاء ببهاء عمرانها عليهما، تتجلى صوامع المساجد القريبة، رهبة المكان، قدسيته تنسيهما وجودهما، في أحد الأركان تحكي له عن تاريخ صنعاء، عيناه تطوقانها، يطبع قبلة خاطفة على شفتيها، يعانقها، صوت أقدام تصعد درج السمسرة فتخرجهما من سكرتهما، يغادرانها لكنها تسكنهما. يصلان إلى سوق الملح الذي يحتوي على العديد من الأسواق الفرعية: سوق الفضة القديم، الفتلة، الحبوب، الجنابي، المكسرات، البز، وغيرها. في سوق اللقمة تشدهما رائحة الكباب، العديد من شولات الغاز منتشرة تقبع فوقها أباريق الشاي والبن، ومقالي الكباب، أيضا مواقد الفحم وأسياخ من الكباب تتقلب فوق نارها، ورجال ينسكب عرقهم وهم يعملون بجد، عربة بائع الكدم المتجولة، شخص يدعوهما للصعود إلى قسم العائلات في أحد المطاعم.

طلب عدداً من أسياخ الكباب، وكوبين من البن بالحليب. تأكل الكباب بيدها، يشربها البن بيده، صوت دقات قلبيهما يطغي على الأصوات القادمة من السوق. يستمر سيرهما كسائحين، يلتقطان الصور لمعالم صنعاء، يصلان إلى بائع النحاس، هناك يسألان عن الأباريق والمزهريات وغيرها من المنحوتات النحاسية، يستمر تجوالهما مأخوذين بدهشة المكان وعراقة عمارة بيوتها التاريخية. من أحد بيوتها تطل طفلة من نافذة مشرعة لها ضلفتان خشبيتان، وتعلوها قمرية ذات زجاج ملون. يمران بمسجد طلحة وقبته الكبيرة، وببابه المقوس يستظلان فوق دكته.

في نهاية طوافهما يأخذان صوراً لهما بداخل بستانها المسمى المقشامة، يستمران بالمشي، هي تقفز أمامه كطفلة، ومن حين إلى آخر تعانق ذراعه، امرأة عجوز تبتسم وتدعو لهما، يضع بجوف يدها عملة معدنية.

عند «السائلة» يصعدان فوق جسرها الحجري المعلق، السيارات تمر من تحتهما، بيوت مدينتها القديمة تودّعهما وتدعوهما إليها من جديد.

«سأعود قريبا».. هذه هي جملته التي تعوّد كتابتها لها عند سؤالها عن قرب عودته، تخاطب نفسها «ترى متى سيكون ذلك القريب؟»!

تفتح جهاز التلفاز تشاهد تقريراً إخبارياً عن عملية الإنزال الأمريكي في محافظة البيضاء والذي راح ضحيته عدد من الأطفال وهدم سبع منازل. تغلق التلفزيون وتفتح صفحتها على الفيس، تتصفح صفحات بعض أصدقائها، لا زالت تلك الحادثة تتصدر منشوراتهم، وصور ضحاياها، تشعر بغثيان، وألم يعتصر قلبها، تغلقها، تحتضن قلمها لكنه يعاندها.

تتحسس رقبتها بأناملها، تشعر ببقايا ندبة عليها، فيحتويها قلق مما حدث لها في صباح يومها، هي المرة الأولى التي تحس فيها بخوف من فقدانها الجزئي لذاكرتها، حقاّ لقد كانت في حالة من التوتر والألم الذي شق رأسها كان يدك خلايا دماغها دكا.

لم تدرك ماذا حدث لها عند نزولها من الحافلة، غير أنها عند وصولها المقهى أسرعت إلى الحمام لتغسل وجهها من آثار الحر، وتفرغ حمولة مثانتها التي أرهقتها.

في المرآة شاهدت انعكاس صورتها، وكساها رعب عندما نظرت إلى أسفل رقبتها، حيث تبدو آثار عضة خفيفة دون وجود ألم، وتنميل في شفتها السفلى تدغدغها دغدغة لذيذة، خافت من تلك المرأة المنعكسة ملامحها على المرآة فلم تصدق أنها هي، ترى من هي صاحب العضة؟ تعود إلى الطاولة، تبحث في حقيبتها عن نقودها، تجدها كاملة فتصدم، تحاول استرجاع ما حدث لها في الحافلة، تخونها ذاكرتها، لا ترى غير صورة عارية من الأحداث، تسأل نفسها هل أعطيت سائق الحافلة أجرته؟! وإذا لم أسلمه أجرته فكيف تركني أمشي دون أن يطلبها مني؟

تبدو ذاكرتها كورقة خالية من أيّ معلومة، قلبها يخفق لمجرد التفكير أن الزهايمر قد يغزو عقلها مبكرا.

رائحة عطر تعبق بها طرحتها فتشعر بالقرف والنفور. تستدعي كل جزئيات مخيلتها أين شمت ذلك العطر؟ بغتة أغمضت عينيها كأن شيئاً ولج فيهما، عندما برق في ذاكرتها خيال ظل الذي جلس إلى جوارها على الحافلة.


انتصار السري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...