رسائل الأدباء 4 رسائل بين غانية ملحيس والبشير عبيد

1- رسالة غانية ملحيس

صديقي العزيز البشير عبيد

تحية تقدير واحترام

مقالك المتميز يلتقط بدقّة جوهر السياسة في لحظتها المفصلية، تلك النقطة التي يلتقي فيها الوعي بالتاريخ، والعقل بالفعل. لقد وضعت يدك على المعضلة الجوهرية في واقعنا العربي: غياب الشجاعة الفكرية والقدرة على قراءة اللحظة قبل أن تتحوّل إلى مأزق.
لفتني خصوصا قراءتك للعلاقة بين القرار السياسي الموجع والمسؤولية الأخلاقية، لأنك ربطت بين السياسة كفعل إرادة، والتاريخ كحكم مستقبلي لا يرحم. إن حديثك عن “الانسجام مع حركة التاريخ” يعبّر عن وعي فلسفي عميق يندر أن نراه في التحليل السياسي العربي المعاصر، حيث غالبا ما تُغيب البنية التاريخية لصالح الحدث العابر.
ما تطرحه ليس فقط دعوة إلى الإصلاح، بل إلى استعادة معنى الفعل السياسي ذاته، بوصفه موقفا من الزمن ومسؤولية أمام الأجيال.
بهذا الوعي المتوازن بين الفكر والممارسة، تعيد الاعتبار للسياسة بوصفها فنا أخلاقيا واستراتيجيا في آن واحد.
كل التقدير على هذا المقال العميق في فكرته، ورؤيته، والنادر في صدقه.
خالص المودة والاحترام

غانية ملحيس.
18/10/2025

***

2- رسالة البشير عبيد الى الدكتورة غانية ملحيس

إلى الكاتبة والمفكرة الفلسطينية القديرة
غانية ملحيس المحترمة،

تحية تليق بروح الكلمة الحرة وعمق البصيرة الفكرية،
قرأتُ بتمعّن واهتمام مقالك اللافت بعنوان
«إسرائيل والإبراهيمية الحديثة: من اختراع الشعب إلى الانقلاب على الإيمان الإنساني»،
فوجدتُ نفسي أمام نصّ يتجاوز حدود المقال السياسي التحليلي إلى مستوى العمل الفكري المؤسِّس؛ نصٍّ يشتبك مع الوعي والتاريخ والمقدّس في آنٍ واحد، بلغة مشحونة بالمعنى ودقّة التحليل وصرامة المنهج.
لقد قدّمتِ رؤية عميقة تنفذ إلى جوهر المشروع الصهيوني، لا بوصفه ظاهرة سياسية فحسب، بل كنسقٍ فكري متكامل يقوم على إعادة اختراع الذات والتاريخ والمقدّس لخدمة الغلبة والسيطرة. هذه القراءة الجذرية التي ربطتِ فيها بين «اختراع الشعب» وظهور «الإبراهيمية الحديثة» تمثّل نقلة فكرية حقيقية في تحليل آليات الشرعنة الرمزية التي يوظّفها الاستعمار المعاصر لتجميل وجه الهيمنة وإعادة إنتاجها بثوبٍ روحي زائف.
أُعجبتُ بقدرتك على تفكيك المقولات الكبرى من داخلها، وبذكاء استعمالك للغة تجمع بين الصرامة البحثية والنبرة الإنسانية الرفيعة.
فالعبارة لديك ليست وسيلة زخرفية، بل أداة كشف وتعرية،
والسرد التاريخي ليس استعادة زمنية، بل استحضار لبنية الفكرة ومصيرها في الواقع.
وقد لامسني في نصّك هذا ذلك الوعي العميق بالتحولات البنيوية في الوعي الديني والسياسي، وكيف يجري تفريغ الإيمان من روحه ليُعاد تشكيله في مختبرات القوة والمصالح.
يتميّز أسلوبك - في هذا المقال خصوصًا - بقدرة نادرة على الجمع بين التحليل الإستراتيجي والرؤية النقدية الفلسفية؛ إذ تمكّنتِ من بناء جسرٍ بين التاريخ والسياسة، بين الفكر والوقائع، دون أن يفلت منك الخيط الإنساني الذي يربط كل ذلك بكرامة الإنسان وحقّه في الوعي والحرية.
هذه القدرة على الإمساك بجدلية المقدّس والسياسي هي ما يجعل نصّك مساهمة نوعية في فهم اللحظة العربية الراهنة، ومصدر إلهام حقيقي لكل من يشتغل في حقل الفكر المقاوم للاستلاب الرمزي والاستعمار الثقافي.
إنني أرى في هذا المقال وثيقة فكرية ذات بعد استراتيجي،
تُضيء طريق المثقف العربي وهو يواجه حملات الخداع المعرفي وتزييف الوعي،
وتفتح أمامنا أفقًا أرحب لفهم جوهر الصراع لا في جغرافيته فحسب، بل في رموزه ودلالاته ومعانيه.
لكِ خالص الشكر والامتنان على هذا الجهد الاستثنائي الذي يجمع بين التوثيق والرؤية،
وبين الوعي النقدي والوفاء للقضية الفلسطينية كقضية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية.
إن صوتكِ في هذا الزمن المضطرب يذكّرنا بأن الفكر لا يزال قادراً على المقاومة،
وبأن الكلمة - حين تُقال بصدقٍ وإدراكٍ ومسؤولية - يمكن أن تكون جبهةً من جبهات الوعي العربي.
مع خالص التقدير والاحترام،
البشير عبيد
كاتب صحفي من تونس


***

3- رسالة غانية ملحيس


الكاتب والصحفي الأستاذ البشير عبيد المحترم

تحية تليق بصدق الكلمة وعمق الانتماء،
قرأت كلماتكم النبيلة التي حملت من التقدير ما تجاوز شخصي إلى الفكرة ذاتها، فلامست فيّ معنى المشاركة الصادقة في همّ الوعي العربي، وفي مسؤولية المثقف حين يواجه آليات التزييف والاستلاب التي تسعى لطمس حقيقة الإنسان ومعناه.
إنّ تفاعلكم الثري مع مقالي «إسرائيل والإبراهيمية الحديثة: من اختراع الشعب إلى الانقلاب على الإيمان الإنساني» وقراءتكم المتبصّرة يشكّلان إسهاما فكريا موازيا في تفكيك البنى الخطابية التي يقوم عليها الخطاب الاستعماري المعاصر، وفي إعادة الاعتبار لدور المثقف العربي بوصفه فاعلا في إنتاج الوعي ومقاومة الاستلاب الرمزي والمعرفي.
لقد أشرتم، بعمق لافت، إلى خطورة إعادة تشكيل المقدّس في خدمة القوة، وإلى أهمية إدراك الأبعاد الرمزية للصراع، وهو ما يلتقي مع جوهر ما سعيت إلى تسليط الضوء عليه: أن المشروع الصهيوني ليس فعلا سياسيا فحسب، بل هو مشروع لإعادة بناء المقدّس في خدمة الهيمنة، وأن ما يسمى بـ«الإبراهيمية الحديثة» إنما هو انقلاب على جوهر الإيمان الإنساني ذاته.
فالمعركة اليوم، كما أشرتم، ليست في الجغرافيا وحدها، بل في الوعي، وفي مفاهيم الإيمان والحرية والإنسان.

أشكركم على قراءتكم الثاقبة التي منحت النص بُعده العربي الأوسع، وجعلت من الحوار بيننا فعلا من أفعال الوفاء لقضية تجمعنا: قضية الإنسان العربي في وجه الإبادة المادية والرمزية معًا.

خالص المودة والتقدير
غانية ملحيس


***



4- رسالة من غانية ملحيس إلى البشير عبيد


الصديق العزيز الكاتب الصحفي البشير عبيد

قرأت مقالك القيّم " غزة والتحولات الإقليمية: حدود القوة وامكانات التغيير"بتمعن ، ولا يسعني إلا أن أحيّي فيك هذا الوعي المنهجي الذي يلتقط غزة بوصفها "مختبرا استراتيجيا" تتقاطع فيه القوة، والتحالفات، والتوازنات الإقليمية.
لقد أحسنت قراءة الطبقات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تتحرّك فوق سطح الحدث.
لكن ما لفتني هو أنّ غزة، في لحظتها الراهنة، تخطّت حدود المقاربة الاستراتيجية نفسها. فالمشهد الذي تصفه - بكل تعقيداته وتحولاته - لا يطال تلك الطبقة العميقة من المعنى التي انفجرت من قلب الاصطدام:
ذلك المعنى الحضاري الذي لم يعد ممكنا تجاهله، لأنه لم يعد نتيجة الحدث، بل أصبح الفضاء كله الذي يعيد تعريف الحدث.
نعم، غزة تعيد رسم التحالفات.
نعم، تختبر صدقية القوى الإقليمية والدولية.
لكن ما يحدث في غزة يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية إلى ما يشبه الزلزال المعرفي الذي يهز بنية الحداثة المادية الغربية نفسها:
• الآلة العسكرية فقدت احتكارها للحسم.
• التحالفات فقدت قدرتها على صناعة رواية مقنعة.
• والإنسان- بصرف النظر عن موقعه في المعادلة - عاد مركزا لصناعة التاريخ.
في تحليلك للفاعلين الإقليميين والدوليين، تبرز بدقة حدود القوة التقليدية، لكن غزة اليوم تُظهر ما هو أبعد: أن "القوة" لم تعد مفهوما عسكريا أو سياسيا فقط، بل تحوّلت إلى قيمة أخلاقية و"معنى" و"تماسك مجتمعي" يعجز الفاعلون التقليديون عن قياسه، أو التأثير فيه، أو تجاوزه.
إنّ ما تسميه "الصمود المدني" هو في جوهره يقظة روحية – إنسانية تُربك الحسابات العسكرية وتؤسس لتحوّل حضاري لا يملك النظام الإقليمي ولا الدولي أدوات احتوائه.
لهذا، يبدو لي أن غزة اليوم ليست مجرد "كاشف استراتيجي" ، بل مسبار حضاري يختبر حدود النموذج الغربي نفسه: حداثته، قيمه، سرديته، ومشروعيته الأخلاقية.
وأجد أن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط وفق السيناريوهات التي ذكرتها - وهي دقيقة ومبنية على معطيات واضحة - بل وفق سؤال آخر لم يعد ممكنا تجاهله:
ما الذي سيفعله النظام الدولي حين يكتشف أن القوة لم تعد قادرة على احتواء المعنى؟
هنا، في هذا السؤال، يبدأ المستقبل الحقيقي.
أقدّر عاليا جهدك التحليلي العميق، وأتمنى أن تتوسع هذه المقاربة لتلامس هذا البعد الجديد الذي فرض نفسه من قلب غزة:
البعد الذي يجعل من الصراع ليس مجرد قضية إقليمية، بل نقطة انعطاف حضارية تعيد تعريف الإنسان، والشرعية، والقوة، والمصير.
كل التقدير لك ولمسارك المعرفي.
غانية ملحيس


***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...