إلى الأستاذ النابغة الدكتور زكي مبارك
قرأت بمزيد الشكر والإعجاب كلمتك التي دبجتْها عني ييراعتك الرشيقة، فطرحت عن كاهلي عبأ من الهم ما كان لشيء خلافها أن يريحني من فادحه، وأطفأت عن كبدي شُواظًا من الكمد ما كان لغيرها أن يجيرني من قادحه، ولا عجب يا سيدي، فكثيرًا ما كنت أشعر أثناء قراءتي بدائع مُلَحك ونفائسك بائتلاف بين طبعك وطبعي، وامتزاج بين روحي وروحك، ولقد طالما وددت لو التقيت بك فتحادثنا وتسامرنا، ولكن قضى الله ألا يحصل التعارف بيننا إلا ونحن على طرفي الكرة الأرضية وبيننا المهامه البيد والآكام، والتنائف الفِيح والآجام، وسهول ووديان، وبحار وخلجان، وألّا يصلك صوتي أو يصلني صوتك إلا بعد أن يجوب شطري قارتين، ويقطع دفتي عالمين، ويمر بالجم العديد من أجناس الناس وصنوف البشر وشتى المدنيات واللغات والثقافات، فحيا الله رسالتك تلك الزكية المباركة التي
تخطت إلى الهول مشيًا على النوى
وأخطاره لا يبعد الله ممشاها
سيدي! لقد مضى عليَّ شهور وأيام، بل دهور وأعوام، وأنا أبكي مصاب الإنسانية في مصابي، وأندب ما بها من كوارث المحن وما بي، وأضج لوعة وأنينًا، وأنتحب حرقة وحنينًا، وتارة أُرغي وأزبد، وأبرق وأرعد، حتى يخيل إلي أن أعين النجوم ترنو إليَّ شفقة وعطفًا، وتدمع عليّ بقطرات النور أسفًا ولهفًا، وأن الريح تُعوِل معي أسى ووجدانًا، والموج يصطفق حسرة لي وتحنانًا، كل ذلك ولا أسمع من بني آدم ولا من بنات حواء كلمة عزاء، أو صوتًا يلبى الدعاء، ولا أجد معونة آس، ولا إسعافة مُواس، كلا، ولا متعجب لي ولا متألم، ولا متبرم ولا متسخط ولا مستنكر، لا مدح ولا قدح، ولا استحسان ولا استهجان، ولا بسط ولا «قبض» كأني أهتف بكلماتي بين رسوم بالية وأطلال، أو أعكف على أصنام وأوثان، وكأني أضرب في حديد بارد، وأصيح في واد، وأنفخ في رماد، وكأني مع هذا الجيل الأصم الوسنان كما قال القائل:
فما يرتاح للمدح
ولا يرتاع للذم
كأنا إذ سألناه
وقفنا سائلي رسم
وكذلك تعودت في هذا الشعب الحي «الحساس» أن أتقرب وأقابل بالصد والإعراض، وأتزلف وأُلقى بالجفوة والانقباض، وأستدني وأستعطف وأصادَم بالنفرة والابتعاد، وأسهر في صناعة القلم وأسهد وأُكافأ ممن أسهر على مصلحتهم بالوسن والرقاد، وأزلف للناس المنة تلو المنة واليد إثر اليد وأجازى بالكفر والإلحاد، حتى ألفت من القوم هذه المخزيات المخجلات، ووطنت نفسي على اليأس من كل خير، وتوقع كل شر.
تعودت من الضر حتى ألفتهُ
وأسلمني طول البلاء إلى الصبر
وأصبحت حرفة القلم عندي بعد ما كان لها في سالف الزمن من السرور واللذة كاسفة حزينة، جافة جدبة، ناضبة مقفرة من الطرب والأنس، بل من العزاء والسلوة. وأصبح القلم في يدي أشد بؤسًا ومسكنة من المزمار في يد الشحاذ المتسول، ترى نغمه أقرب إلى أنة الثكلى منه إلى رنة المسرور، وأشبه بصوت النعي منه بصوت البشير، وكذلك صرير القلم في يدي أشبه شيء بصرير أعواد النعش، ولا عجب فإنما قلمي نعش لنفائسه يحملها من المهد إلى اللحد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وعلى هذه الحال من اليأس والقنوط ومن الجمود والركود كنت يا سيدي حين هبطتْ عليَّ كلمتك من أفق المدنية وسماء النور — نور العلم والعرفان، والأمل والأماني — فأطفأتْ لوعتي، وشفتْ غلتي، وحركتْ همتي، وأنهضتْ عزمتي:
لقد جلى كتابك كل همٍّ
جوٍ وأصاب شاكلة الرميِّ
وكان ألذّ في قلبي وأندى
على كبدي من الزهر الجنيِّ
وضُمِّن صدره ما لم تُضمَّن
صدور الغانيات من الحُلىِّ
ولقد كنت قبل ورود رسالتك تائها حيران في بحار الأدب والأمواج من حولي جامدة، والأمواه آسنة راكدة، وسفينة الأدب واقفة معطلة ناشبة بين صخور الفقر والإفلاس، والنحس واليأس، فلم يك صوتك إلا نفحة من نفحات الإيمان، وروحًا من الله وريحان، فأبدلتنا من الموت حياة ومن القنوط رجاء، وأعلمتنا أن لله معشرًا أصفياء، وقومًا أتقياء. ولو لم يكن غيرك يقرأ كلماتي لكان حسبي بك مشجعًا ومقدرًا، ومؤيدًا وناصرًا.
لقد داعبتنا طويلًا في كلمتك يا سيدي، وتالله ما رأيت أرق منك مداعبًا، ولا ألطف مفاكهًا ومطايبًا.
ولقد فتحت علينا باب موضوع الغانيات وهذا باب لا يسد، والخروج منه أسلم ألف مرة من الدخول فيه، وماذا أقول في الغانيات إلا قول بعضهم:
فإن تسألاني بالغواني فإنني
أرى في الغواني غير ما تريان
إني يا سيدي لا أعرف سحرة ولا مشعوذين أشد مهارة وحذقًا باختتالنا واحتبالنا واختبالنا لدى كل فرصة سانحة، وبسبب وبدون سبب، ولمجرد اللهو بنا والعبث بعواطفنا — بأقدس عواطفنا وأسماها — ولمجرد الضحك علينا من النساء، وتراهن يلعبن بنا ألاعيبهن بمنتهى البساطة، وبمنتهى الجرأة والوقاحة، وبمنتهى الحذق والبراعة، وهذا يا سيدي طبعهن ودأبهن يأتينه من مطلع الشمس إلى غروبها، ومن غروبها إلى مطلعها. وأعجب العجب أنهن في ذلك جميعه سواسية لا فرق ولا خلاف بين الصالحات والفاسدات، والطيبات والخبيثات، والجريئات والخفرات، والرقيقات والقاسيات.
هذه نفثة من يراعتي المحطمة، متاع إلى حين، وأرجو أن أوفق إلى أمثالها، ولا تحرمنا تحفك وملحك، أبقاك الله للأدب ذخرًا، والسلام.
***
- جواب إلى الدكتور زكي مبارك
ما وجدُ صادٍ بالحبال مُوثق
بماء مزن بارد مُصفق
بالريح لم يكدر ولم يُرنَّق
جادت به أخلاف دَجْن مُطبق
بصخرة إن تر شمسا تُبرقِ
ماد عليها كالزجاج الأزرق
صريحُ غيثِ خالص لم يُمذقِ
إلا كوجدي بك لكن أتقي
يا فاتحًا لكل باب مُغلق
وصيرفيا ناقدًا للمنطقِ
إن قال هذا بَهْرَجٌ لم يَنفَقِ
إنا على البعاد والتفرق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
وردتْ علي رسالتك القيمة التي حاولت في خلالها أن تسكن من ثائرة غضبي على المجتمع المصري، وتحبب إليَّ الحياة وتزينها في نظري.
وفي الحق يا صاحبي أني على كل تسخطي وتبرمي وصرخاتي لا أعرف عن نفسي إن كنت في الواقع شقيًّا أو سعيدًا، أو محظوظًا أو منكودًا، وما يدريني لعلي حين يُخيل إليَّ أني أشد الناس محنة وبلاءً أكون في الحقيقة أشدهم لذة وصفاء، ولا جرم فأولى الناس بأن يكون المنعم المغتبط الفائز بالقسط الأوفر من لذات الحياة هو من كان في طاقته ومقدوره كلما شاء أن يترفع عن سفال ماديات الحياة إلى ملكوت روحانياتها، وينتقل من عالم الحقيقة المرة القاسية السمجة الجافية إلى عالم الخيال المملوء بمعسول الأحلام والأماني، وكان في كفه مفتاح مملكة السحر وما بها من فراديس الحور وملاعب الجنة … كل ذلك منطو تحت لواء الفن ومن ميراث أهله وأربابه، وهذا مصداق كلمتك التي رميت بها في عرض رسالتك إذ قلت لي: «ولعلك تدرك تمام الإدراك أن الأديب العبقري يجب أن يكون في شغل بفنه وفكره وإلهامه عما يحب الناس وما يكرهون، فعلى البلبل أن يغرد وليس عليه أن يفتن صُم الآذان أو غلف القلوب».
ألا حيا الله الفن والخيال والشعر! إنه يترك الفقر أغنى من الغنى ويدع الوحشة أشد إيناسًا من الأنس، وإن هنالك من نوابغ الفنون وأئمة الآداب من إذا اشتد به البلاء لم يزده إلا غبطة وسرورًا، ومن يدوم عليه الفقر حتى يودي بحياته فلا يشعر به ولا يحسه، فهو في حلم سرمدي ذهبي فردوسي، وهو وإن توسد التراب وداسه الناس بأقدامهم ليحس على شفتيه قبلات الحور العين معطرة نفَّاحة، ويعيش في الفكر والخيال في حدائق وجنات مسحورة وقصور وصروح مدهشات، وكنوز مفعمات بنفائس التحف والطرف من ماس الهند وعقيانه، ولؤلؤ الخليج ومرجانه.
وكأي من شاعر تراه أعين الناس في أسمال وأطمار، خاوي الوفاض، بادي الأنفاض، وهو من عالم الخيال في بحبوحة يحسده عليها ملوك الأرض لو يفقهونها، ولكنهم لا يفقهون … كذلك يسير الفنان العبقري بين الناس، ظاهره شحاذ وباطنه «مليونير» مثله كالولي الواصل تنظر عيناه إلى الباطن فترى العجائب والغرائب، ويطوف في مسالك الحياة كالطائف في حلم، لا يشاهد ما نشاهد، ولكنه يرى ما قد حُرمت علينا رؤيته، وبعد ذلك فبأي حق نعد أنفسنا أعظم منه شأنًا وأحسن حالًا، وبأي حق يسوغ لأنفسنا أن نتعطف عليه بالرثاء والرحمة، ألسنا نحن الأحق برحمته ورثائه … ماذا صنعنا وماذا صنع هو؟ لقد أخذنا الحياة بآفاتها وعلاتها … بأقذارها وأقذائها، وعرف هو كيف يحول سخف الحياة وسماجتها لذة وطربًا، وفتنة عجبًا، ويرد أُجاجها نميرًا، وسمها إكسيرًا، وترابها عنبرًا، وحصباءها جوهرًا، وتنافرها انسجامًا، وضوضاءها أنغامًا.
من أجل ذلك قال (أناتول فرانس) لما مات الكاتب الروائي (فيليير دي ليل آدم) ما معناه:
– لقد مات وترك الدنيا غير آسف عليها، مع أنه لم ينعم قط بأدنى شيء، مما يسميه الناس لذاتها وطيباتها. لقد أنشب فيه الفقر مخالبه وشد عليه قبضته فلم يك في طاقة مخلوق أن يستنقذه من إساره. لقد قضى ثلاثين عامًا يغشى حانات الليل ثم يختفي مع أول أشعة الفجر، لقد طبعه الفقر بطابعه، ووسمه بميسمه وصبه في قالبه، فأصبح كبعض أولئك المتشردين الذين ينامون على المقاعد العمومية بقوارع الطرق، وكان أصفر اللون لا بريق بعينيه، مقوس الظهر، وعلى الرغم من كل ذلك أرانا اليوم في حيرة من أمره لا ندرى أنكتبه في سجل الأشقياء أم في سجل السعداء، وجدير هو بالحسد منا أم بالرحمة والرثاء. لكأني بطيف خياله يهبط علينا من عالم الأرواح فيقف على إحدى تلك الموائد الملوثة بآثار التبغ والنبيذ فيصب عليها من أعاجيب أحلامه ذهبًا وجُمانًا، وبنفسجًا وأرجوانًا، ثم يميل رأسه ناحية ويخاطبنا بصوت تهتز في نبراته أوتار الوحي والنبوة قائلًا: «معشر الخلان والأخدان اغبطوني ولا ترحموني، فإن من البغي والعدوان أن تأسفوا على المالكين كنوز الجمال والفتنة، ولقد كنت من أولئك، لقد ملكت الجمال ولم أك أبصر شيئًا سواه، أليس عجيبًا أن دنياكم هذه التي ترونها وتعيشون فيها لم تكن موجودة في شعوري ولا في نظري، وأني لم أتنزل قط ولم أتسفل إلى محاولة مشاهدتها؟ إنما لي عالم باطني أعيش فيه وأتقلب، وتظل روحي بين أرجائه الفِيح تلهو وتمرح في جنات تجري من تحتها الأنهار، وقصور من الياقوت والزبرجد … اقرءوا كتابي المسمى «إكسير» هنالك ترون اثنين من أجمل خلق الله رجلًا وامرأة ما برحا يبحثان عن كنز من الذهب حتى وجداه، ولسوء حظهما وجداه، فإنهما ما كادا يحوزانه حتى أسلما نفسيهما للموت الزؤام، إذ علما أنه لا كنز هنالك يستحق أن يعيش له الإنسان في هذه الدنيا إلا الكنز الروحاني المقدس، كنز الخيال والحكمة والجمال، واعلموا يا رعاكم الله أن الكوخ الحقير الذي كنت أعزف فيه على أوتار مزهري المحطم كان في الحقيقة أجل وأفخم من قصر اللوفر (بباريس) ألم يقل لنا الفيلسوف الأعظم (آرثر شوبنهور) ما معناه: «أي قصر مشيد سواء كان الحمراء أو الإيوان يداني في رونق الجمال وأبهة الجلال ذلك الجحر المظلم الذي كتب فيه الروائي الأكبر (سرفنتين) كتابه الخالد «دون كيشوت»؟
«لقد كان «شوبنهور» نفسه يقتني تمثالًا من الذهب للإله «بوذا» ليذكره دائمًا بأن الثروة الحقيقية هي احتقار الثروة. لقد نلت بقوة خيالي ما لم ينله أعظم ملوك الأرض في الحقيقة، لقد تبوأت الأرائك وقُدت الكتائب وخلقت لنفسي سيرة كأعجب القصص والأساطير، وقد بلغ من فرط امتزاج أحلامي باليقظة واندماجها في الحقيقة أنه يستحيل فصل إحداها من الأخرى، سلام عليكم، لقد عشت أفخم العالمين شأنًا وأعظمهم أبهة وسلطانًا.»
عليك رضوان الله أيها الخيال الطائف! لقد آثرت الروح على الجسد وانصرفت عن المادة إلى الخيال، فاخترت الأسنى على الأدنى، واصطفيت الطيب على الخبيث، فليقل الأغنياء والأقوياء ما شاءوا، إنه لا نعيم أكبر مما يلقاه الذين يضحّون في سبيل حب عظيم، ولقد أحببت الفن والفكر فوق كل ما عداهما، وكان جزاؤك ألذ الأضاليل والأوهام، وأبهج الخدع والأحلام، والحب العظيم والعشق الخالص قلما يكون مجدبًا عقيمًا إنما يكون مصحوبًا بأشهى الثمرات. لقد زين الخيال فراغ روحك السامية وفضاء نفسك المنفردة العظيمة بأبدع متحف من الصور والأشباح.
•••
هنا يقف بي القلم. وفي مجال آخر أخاطبك في شأن الباريزية التي زعمت أنك مولع بها الآن. لا أخلى الله لك مهجةً من لوعة، ولا مقلة من دمعة. والسلام
قرأت بمزيد الشكر والإعجاب كلمتك التي دبجتْها عني ييراعتك الرشيقة، فطرحت عن كاهلي عبأ من الهم ما كان لشيء خلافها أن يريحني من فادحه، وأطفأت عن كبدي شُواظًا من الكمد ما كان لغيرها أن يجيرني من قادحه، ولا عجب يا سيدي، فكثيرًا ما كنت أشعر أثناء قراءتي بدائع مُلَحك ونفائسك بائتلاف بين طبعك وطبعي، وامتزاج بين روحي وروحك، ولقد طالما وددت لو التقيت بك فتحادثنا وتسامرنا، ولكن قضى الله ألا يحصل التعارف بيننا إلا ونحن على طرفي الكرة الأرضية وبيننا المهامه البيد والآكام، والتنائف الفِيح والآجام، وسهول ووديان، وبحار وخلجان، وألّا يصلك صوتي أو يصلني صوتك إلا بعد أن يجوب شطري قارتين، ويقطع دفتي عالمين، ويمر بالجم العديد من أجناس الناس وصنوف البشر وشتى المدنيات واللغات والثقافات، فحيا الله رسالتك تلك الزكية المباركة التي
تخطت إلى الهول مشيًا على النوى
وأخطاره لا يبعد الله ممشاها
سيدي! لقد مضى عليَّ شهور وأيام، بل دهور وأعوام، وأنا أبكي مصاب الإنسانية في مصابي، وأندب ما بها من كوارث المحن وما بي، وأضج لوعة وأنينًا، وأنتحب حرقة وحنينًا، وتارة أُرغي وأزبد، وأبرق وأرعد، حتى يخيل إلي أن أعين النجوم ترنو إليَّ شفقة وعطفًا، وتدمع عليّ بقطرات النور أسفًا ولهفًا، وأن الريح تُعوِل معي أسى ووجدانًا، والموج يصطفق حسرة لي وتحنانًا، كل ذلك ولا أسمع من بني آدم ولا من بنات حواء كلمة عزاء، أو صوتًا يلبى الدعاء، ولا أجد معونة آس، ولا إسعافة مُواس، كلا، ولا متعجب لي ولا متألم، ولا متبرم ولا متسخط ولا مستنكر، لا مدح ولا قدح، ولا استحسان ولا استهجان، ولا بسط ولا «قبض» كأني أهتف بكلماتي بين رسوم بالية وأطلال، أو أعكف على أصنام وأوثان، وكأني أضرب في حديد بارد، وأصيح في واد، وأنفخ في رماد، وكأني مع هذا الجيل الأصم الوسنان كما قال القائل:
فما يرتاح للمدح
ولا يرتاع للذم
كأنا إذ سألناه
وقفنا سائلي رسم
وكذلك تعودت في هذا الشعب الحي «الحساس» أن أتقرب وأقابل بالصد والإعراض، وأتزلف وأُلقى بالجفوة والانقباض، وأستدني وأستعطف وأصادَم بالنفرة والابتعاد، وأسهر في صناعة القلم وأسهد وأُكافأ ممن أسهر على مصلحتهم بالوسن والرقاد، وأزلف للناس المنة تلو المنة واليد إثر اليد وأجازى بالكفر والإلحاد، حتى ألفت من القوم هذه المخزيات المخجلات، ووطنت نفسي على اليأس من كل خير، وتوقع كل شر.
تعودت من الضر حتى ألفتهُ
وأسلمني طول البلاء إلى الصبر
وأصبحت حرفة القلم عندي بعد ما كان لها في سالف الزمن من السرور واللذة كاسفة حزينة، جافة جدبة، ناضبة مقفرة من الطرب والأنس، بل من العزاء والسلوة. وأصبح القلم في يدي أشد بؤسًا ومسكنة من المزمار في يد الشحاذ المتسول، ترى نغمه أقرب إلى أنة الثكلى منه إلى رنة المسرور، وأشبه بصوت النعي منه بصوت البشير، وكذلك صرير القلم في يدي أشبه شيء بصرير أعواد النعش، ولا عجب فإنما قلمي نعش لنفائسه يحملها من المهد إلى اللحد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وعلى هذه الحال من اليأس والقنوط ومن الجمود والركود كنت يا سيدي حين هبطتْ عليَّ كلمتك من أفق المدنية وسماء النور — نور العلم والعرفان، والأمل والأماني — فأطفأتْ لوعتي، وشفتْ غلتي، وحركتْ همتي، وأنهضتْ عزمتي:
لقد جلى كتابك كل همٍّ
جوٍ وأصاب شاكلة الرميِّ
وكان ألذّ في قلبي وأندى
على كبدي من الزهر الجنيِّ
وضُمِّن صدره ما لم تُضمَّن
صدور الغانيات من الحُلىِّ
ولقد كنت قبل ورود رسالتك تائها حيران في بحار الأدب والأمواج من حولي جامدة، والأمواه آسنة راكدة، وسفينة الأدب واقفة معطلة ناشبة بين صخور الفقر والإفلاس، والنحس واليأس، فلم يك صوتك إلا نفحة من نفحات الإيمان، وروحًا من الله وريحان، فأبدلتنا من الموت حياة ومن القنوط رجاء، وأعلمتنا أن لله معشرًا أصفياء، وقومًا أتقياء. ولو لم يكن غيرك يقرأ كلماتي لكان حسبي بك مشجعًا ومقدرًا، ومؤيدًا وناصرًا.
لقد داعبتنا طويلًا في كلمتك يا سيدي، وتالله ما رأيت أرق منك مداعبًا، ولا ألطف مفاكهًا ومطايبًا.
ولقد فتحت علينا باب موضوع الغانيات وهذا باب لا يسد، والخروج منه أسلم ألف مرة من الدخول فيه، وماذا أقول في الغانيات إلا قول بعضهم:
فإن تسألاني بالغواني فإنني
أرى في الغواني غير ما تريان
إني يا سيدي لا أعرف سحرة ولا مشعوذين أشد مهارة وحذقًا باختتالنا واحتبالنا واختبالنا لدى كل فرصة سانحة، وبسبب وبدون سبب، ولمجرد اللهو بنا والعبث بعواطفنا — بأقدس عواطفنا وأسماها — ولمجرد الضحك علينا من النساء، وتراهن يلعبن بنا ألاعيبهن بمنتهى البساطة، وبمنتهى الجرأة والوقاحة، وبمنتهى الحذق والبراعة، وهذا يا سيدي طبعهن ودأبهن يأتينه من مطلع الشمس إلى غروبها، ومن غروبها إلى مطلعها. وأعجب العجب أنهن في ذلك جميعه سواسية لا فرق ولا خلاف بين الصالحات والفاسدات، والطيبات والخبيثات، والجريئات والخفرات، والرقيقات والقاسيات.
هذه نفثة من يراعتي المحطمة، متاع إلى حين، وأرجو أن أوفق إلى أمثالها، ولا تحرمنا تحفك وملحك، أبقاك الله للأدب ذخرًا، والسلام.
***
- جواب إلى الدكتور زكي مبارك
ما وجدُ صادٍ بالحبال مُوثق
بماء مزن بارد مُصفق
بالريح لم يكدر ولم يُرنَّق
جادت به أخلاف دَجْن مُطبق
بصخرة إن تر شمسا تُبرقِ
ماد عليها كالزجاج الأزرق
صريحُ غيثِ خالص لم يُمذقِ
إلا كوجدي بك لكن أتقي
يا فاتحًا لكل باب مُغلق
وصيرفيا ناقدًا للمنطقِ
إن قال هذا بَهْرَجٌ لم يَنفَقِ
إنا على البعاد والتفرق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
وردتْ علي رسالتك القيمة التي حاولت في خلالها أن تسكن من ثائرة غضبي على المجتمع المصري، وتحبب إليَّ الحياة وتزينها في نظري.
وفي الحق يا صاحبي أني على كل تسخطي وتبرمي وصرخاتي لا أعرف عن نفسي إن كنت في الواقع شقيًّا أو سعيدًا، أو محظوظًا أو منكودًا، وما يدريني لعلي حين يُخيل إليَّ أني أشد الناس محنة وبلاءً أكون في الحقيقة أشدهم لذة وصفاء، ولا جرم فأولى الناس بأن يكون المنعم المغتبط الفائز بالقسط الأوفر من لذات الحياة هو من كان في طاقته ومقدوره كلما شاء أن يترفع عن سفال ماديات الحياة إلى ملكوت روحانياتها، وينتقل من عالم الحقيقة المرة القاسية السمجة الجافية إلى عالم الخيال المملوء بمعسول الأحلام والأماني، وكان في كفه مفتاح مملكة السحر وما بها من فراديس الحور وملاعب الجنة … كل ذلك منطو تحت لواء الفن ومن ميراث أهله وأربابه، وهذا مصداق كلمتك التي رميت بها في عرض رسالتك إذ قلت لي: «ولعلك تدرك تمام الإدراك أن الأديب العبقري يجب أن يكون في شغل بفنه وفكره وإلهامه عما يحب الناس وما يكرهون، فعلى البلبل أن يغرد وليس عليه أن يفتن صُم الآذان أو غلف القلوب».
ألا حيا الله الفن والخيال والشعر! إنه يترك الفقر أغنى من الغنى ويدع الوحشة أشد إيناسًا من الأنس، وإن هنالك من نوابغ الفنون وأئمة الآداب من إذا اشتد به البلاء لم يزده إلا غبطة وسرورًا، ومن يدوم عليه الفقر حتى يودي بحياته فلا يشعر به ولا يحسه، فهو في حلم سرمدي ذهبي فردوسي، وهو وإن توسد التراب وداسه الناس بأقدامهم ليحس على شفتيه قبلات الحور العين معطرة نفَّاحة، ويعيش في الفكر والخيال في حدائق وجنات مسحورة وقصور وصروح مدهشات، وكنوز مفعمات بنفائس التحف والطرف من ماس الهند وعقيانه، ولؤلؤ الخليج ومرجانه.
وكأي من شاعر تراه أعين الناس في أسمال وأطمار، خاوي الوفاض، بادي الأنفاض، وهو من عالم الخيال في بحبوحة يحسده عليها ملوك الأرض لو يفقهونها، ولكنهم لا يفقهون … كذلك يسير الفنان العبقري بين الناس، ظاهره شحاذ وباطنه «مليونير» مثله كالولي الواصل تنظر عيناه إلى الباطن فترى العجائب والغرائب، ويطوف في مسالك الحياة كالطائف في حلم، لا يشاهد ما نشاهد، ولكنه يرى ما قد حُرمت علينا رؤيته، وبعد ذلك فبأي حق نعد أنفسنا أعظم منه شأنًا وأحسن حالًا، وبأي حق يسوغ لأنفسنا أن نتعطف عليه بالرثاء والرحمة، ألسنا نحن الأحق برحمته ورثائه … ماذا صنعنا وماذا صنع هو؟ لقد أخذنا الحياة بآفاتها وعلاتها … بأقذارها وأقذائها، وعرف هو كيف يحول سخف الحياة وسماجتها لذة وطربًا، وفتنة عجبًا، ويرد أُجاجها نميرًا، وسمها إكسيرًا، وترابها عنبرًا، وحصباءها جوهرًا، وتنافرها انسجامًا، وضوضاءها أنغامًا.
من أجل ذلك قال (أناتول فرانس) لما مات الكاتب الروائي (فيليير دي ليل آدم) ما معناه:
– لقد مات وترك الدنيا غير آسف عليها، مع أنه لم ينعم قط بأدنى شيء، مما يسميه الناس لذاتها وطيباتها. لقد أنشب فيه الفقر مخالبه وشد عليه قبضته فلم يك في طاقة مخلوق أن يستنقذه من إساره. لقد قضى ثلاثين عامًا يغشى حانات الليل ثم يختفي مع أول أشعة الفجر، لقد طبعه الفقر بطابعه، ووسمه بميسمه وصبه في قالبه، فأصبح كبعض أولئك المتشردين الذين ينامون على المقاعد العمومية بقوارع الطرق، وكان أصفر اللون لا بريق بعينيه، مقوس الظهر، وعلى الرغم من كل ذلك أرانا اليوم في حيرة من أمره لا ندرى أنكتبه في سجل الأشقياء أم في سجل السعداء، وجدير هو بالحسد منا أم بالرحمة والرثاء. لكأني بطيف خياله يهبط علينا من عالم الأرواح فيقف على إحدى تلك الموائد الملوثة بآثار التبغ والنبيذ فيصب عليها من أعاجيب أحلامه ذهبًا وجُمانًا، وبنفسجًا وأرجوانًا، ثم يميل رأسه ناحية ويخاطبنا بصوت تهتز في نبراته أوتار الوحي والنبوة قائلًا: «معشر الخلان والأخدان اغبطوني ولا ترحموني، فإن من البغي والعدوان أن تأسفوا على المالكين كنوز الجمال والفتنة، ولقد كنت من أولئك، لقد ملكت الجمال ولم أك أبصر شيئًا سواه، أليس عجيبًا أن دنياكم هذه التي ترونها وتعيشون فيها لم تكن موجودة في شعوري ولا في نظري، وأني لم أتنزل قط ولم أتسفل إلى محاولة مشاهدتها؟ إنما لي عالم باطني أعيش فيه وأتقلب، وتظل روحي بين أرجائه الفِيح تلهو وتمرح في جنات تجري من تحتها الأنهار، وقصور من الياقوت والزبرجد … اقرءوا كتابي المسمى «إكسير» هنالك ترون اثنين من أجمل خلق الله رجلًا وامرأة ما برحا يبحثان عن كنز من الذهب حتى وجداه، ولسوء حظهما وجداه، فإنهما ما كادا يحوزانه حتى أسلما نفسيهما للموت الزؤام، إذ علما أنه لا كنز هنالك يستحق أن يعيش له الإنسان في هذه الدنيا إلا الكنز الروحاني المقدس، كنز الخيال والحكمة والجمال، واعلموا يا رعاكم الله أن الكوخ الحقير الذي كنت أعزف فيه على أوتار مزهري المحطم كان في الحقيقة أجل وأفخم من قصر اللوفر (بباريس) ألم يقل لنا الفيلسوف الأعظم (آرثر شوبنهور) ما معناه: «أي قصر مشيد سواء كان الحمراء أو الإيوان يداني في رونق الجمال وأبهة الجلال ذلك الجحر المظلم الذي كتب فيه الروائي الأكبر (سرفنتين) كتابه الخالد «دون كيشوت»؟
«لقد كان «شوبنهور» نفسه يقتني تمثالًا من الذهب للإله «بوذا» ليذكره دائمًا بأن الثروة الحقيقية هي احتقار الثروة. لقد نلت بقوة خيالي ما لم ينله أعظم ملوك الأرض في الحقيقة، لقد تبوأت الأرائك وقُدت الكتائب وخلقت لنفسي سيرة كأعجب القصص والأساطير، وقد بلغ من فرط امتزاج أحلامي باليقظة واندماجها في الحقيقة أنه يستحيل فصل إحداها من الأخرى، سلام عليكم، لقد عشت أفخم العالمين شأنًا وأعظمهم أبهة وسلطانًا.»
عليك رضوان الله أيها الخيال الطائف! لقد آثرت الروح على الجسد وانصرفت عن المادة إلى الخيال، فاخترت الأسنى على الأدنى، واصطفيت الطيب على الخبيث، فليقل الأغنياء والأقوياء ما شاءوا، إنه لا نعيم أكبر مما يلقاه الذين يضحّون في سبيل حب عظيم، ولقد أحببت الفن والفكر فوق كل ما عداهما، وكان جزاؤك ألذ الأضاليل والأوهام، وأبهج الخدع والأحلام، والحب العظيم والعشق الخالص قلما يكون مجدبًا عقيمًا إنما يكون مصحوبًا بأشهى الثمرات. لقد زين الخيال فراغ روحك السامية وفضاء نفسك المنفردة العظيمة بأبدع متحف من الصور والأشباح.
•••
هنا يقف بي القلم. وفي مجال آخر أخاطبك في شأن الباريزية التي زعمت أنك مولع بها الآن. لا أخلى الله لك مهجةً من لوعة، ولا مقلة من دمعة. والسلام