دة. بلقيس بابو - نزيف الغابة...

تعوّد أن يناديَ كل حيوان باسمه، أما أنا فقد سماني “إيدي “ ولكثرة ما يناديني به صرت أطل برأسي كلما سمعته يلج باب الحديقة وبين يديه بعض الطماطم الطازجة وشيء من أوراق الخس الخضراء .
فأتحرك بين الأعشاب لعلني أصل قبل أن تسبقني إليه صديقتي "لورا" السلحفاة التي تكبرني قليلا والتي وجدتها هنا حين جاء بي من الغابة.
كنتُ لا أزال صغيرا طري الصدفة ولم تمض على خروجي من البيضة التي غادرتني أمي بداخلها سوى أسابيع قليلة؛ فما إن فقست البيضة حتى هجرتُ الوكر الذي تركتنا أمي به أنا و إخوتي ولم تلتفت.
"لورا" السلحفاة الكبرى هي الأخرى لا تستجيب لندائه عند سماع اسمها؛ وإنما تتحرك بدافع الرغبة في الأكل فنحن -معشر السلاحف- لانكف عن قضم أطراف الخضر التي تقدم لنا ولو أن أكلنا بطيئ لا يقل في بطئه عن تنقلنا؛ فمعيشتنا لا ترتبط بالآدميين كثيرا بل إننا لا نحمل لهم أدنى شعور بالعاطفة؛ لذلك حين يقترب أحدهم منا في البراري نسارع بإخفاء رؤوسنا ونجمع أطرافنا لعل بيتنا الصدفي المتين يحمينا من بطشهم ومن بطش بعض الوحوش المتطفلة كالذئاب والثعالب.
إلا أن صاحب الحديقة كان عطوفا علينا؛ ومنذ جاء بنا إلى هاهنا وهو يعتني بنا جيدا؛ فأنا أدين له بالفضل إذ لولاه لكنت اليوم في عداد الموتى؛ بعد أن انتشلني بخفة من قارعة الطريق.
كنت يومها صغيرا جدا بحجم كف رضيع؛ كنت أقتات على الأعشاب الندية في الغابة المجاورة؛ وصرت أغامر لأكتشف الحياة ومخاطرها يوما بيوم، لكنني لم أكن ناضجا الى درجة أن أدرك معنى الخطر المحدق حين أغادر أطراف الغابة غير آبه بما يجري خارجها.
سرت طويلا ذات صباح حتى لاحت لي رؤوس بعض البنايات الشاهقة فدفعني فضول الصغر إلى التقدم بتهور نحو طريق السيارات التي تمر بسرعة هوجاء؛ كنت على وشك أن أسقط من أعلى حافة الرصيف فتهشّم عجلاتُ سيارة طائشة صدفتي.
كان السيد تعود على الخروج صباحا ليستمتع بجمال الطبيعة قبل أن تعج الطريق بالمارة وبالسيارات والدراجات النارية..
يبدو أن الزحام كان يثير أعصابه بعد أن غادر صخب المدينة وفضل أن يقطن بهذا المكان لينعم بالسكينة.
كان يتسلل عبر ممرر ضيق إلى الغابة دون أن يتوغل في أعماقها بل يفضل أن يعرج على مصب النهر فيقف لحظات للتأمل في هذا الفضاء الأخضر الخلاب؛ يقف ليصغيَ مطولا لشقشقة العصافير قبل أن يبتسم ثم يستأنف طريقه نحو الشاطئ فيسير بمحاذاته قليلا؛ ثم يتوقف ليستنشق الهواء النقي بعمق؛ قبل أن يستخرج ورقة و قلما وهو ثاوٍ على صخرة قبالة البحر يخط رسوما جميلة، لا نأبه بها، نحن الحيوانات، ولا ندرك معناها قبل أن يطويها و يعود أدراجه إلى بيته.
عثر عليّ في ذاك الصباح الربيعي المشمس وأنا وسط الطريق بخطاي البطيئة تائها لا أعرف إلى أين تحملني أرجلي وسط السيارات المسرعة.
حملني بلطف بين يديه وأخذني معه؛ ليضعني في قلب حديقة بيته الجميلة التي تتوسطها طاولة وبعض الكراسي الخشبية.
كنت أشاهده يجلس هناك يداعب ورقة و قلما كعادته؛ أو يرفع الهاتف ليشتكي لأصدقائه متذمرا من مخاطر الطريق المزعجة التي اخترقت الغابة؛ وهو يحكي بتأثر بالغ عن أعداد الحيوانات الصغيرة التي تنفق كل يوم هناك تحت عجلات عربات يقودها سائقون طائشون كأنهم روبوات بلا قلوب؛ سمعته ذات مرة يوضح لأحدهم كيف زار مكتب رئيس البلدية؛ وبين يديه طلب بوضع حواجز تحول دون خروج الحيوانات من الغابة في اتجاه الطريق أو استحداث مخفضات للسرعة تجبر السيارات على التريث.
لكن مرت شهور ولم يستجب المسؤول لطلبه؛ مما أغضب السيد و عكرّ مزاجه.
هاهو اليوم يعود من جولته كعادته حاملا بين يديه هِرًّا صغيرا يموء بصوت ضعيف وهو يفتح عينيه بالكاد كأنما ينادي أمه لتطعمه؛ وضعه السيد فوق ركبته وصار يسقيه حليبا عبر محقنات بلاستيكية.
انزعجت أنا وصديقتي كثيرا من اهتمامه الزائد بالحيوانات الضالة التي تعبر الطريق؛ إذ لو استمر في جلبها فحتما قد يقل اهتمامه بنا أو ربما فكر في الاستغناء عنا.
كم أخشى أن ينقص من وجبتي أو يعيدني إلى الغابة التي لا أخفي رغم ذلك حنيني إليها.
صمد القطيط وترعرع شيئا فشيئا وأصبح يعود إلى البيت ومواؤه يصم الأذان لا يهدأ إلا بعد أن يداعبه السيد ويسارع إلى إطعامه فيسير الهر وراءه متتبعا خطواته وهو يلهو بأطراف قميصه.
لن أنسى ذاك الصباح الدافئ حين حملني السيد و نظر إليّ مليّا؛ وأنا أتساءل ما به يفحصني هكذا ؟ لعله سيأخذني عند البيطري للتلقيح ؛ إلا أنه وضعني في سلة بجانب صديقتي السلحفاة ؛ يا إلهي؛ إلى أين تراه يأخذنا ؟؟
حينها اشتدت غيرتي من القط الذي كاد يصبح فردا من أفراد الأسرة يمرح ويتنقل و يخرج ويعود كما يحلو له ، أتراه سيحملنا بصحبته في جولة من جولاته الصباحية ؟
هانحن نقترب من الغابة، توغل بنا في وسطها بعض الشيء حتى اطمأن بأننا ابتعدنا عن الطريق اللعين؛ ثم أخرجنا من السلة تباعا ووضعنا الواحد بعد الآخر وسط مكان تغطيه حشائش خضراء ... ثم قام وانصرف وتركني أتساءل حائرا :
-يا إلهي ما به أهملنا هاهنا؟ فنحن لم نتعود على مواجهة هذه الغابة الكثيفة وإن كنا خرجنا من رحمها.
انتابنا شعور غريب كأنه مزيج من شعور باسترجاع الحرية وخوف من الحرمان من ذلك الاهتمام الذي ألفناه. لم نكن نعرف ما علينا فعله، فصرنا نسير في كل اتجاه .
مرت أيام كثيرة ونحن نحاول التأقلم من جديد مع الحياة الشاقة في الغابة؛ فلم نعد ننعم بالوجبات الجاهزة كما في السابق.
مرت أيام لا أعرف عددها؛ ففي الغابة لا فرق بين الليل والنهار؛ لذلك قررت أن أعود الى بيت السيد.
وأنا بفطرتي أعرف الطريق إلى المكان الذي ألفت أن يقدم لي فيه الطعام؛ سأسير باتجاهه ثم أعبر الطريق نحو بيته ربما أتسلل تحت باب الحديقة أو ربما أنتظر حتى عودته من جولاته الصباحية ليأخذني إلى داخل الحديقة. تحركت على مهل كما هي طبيعتي وأنا أتساءل هل أستطيع عبور طريق الموت اللعين ذاك ؛ لكن مهما يكن فغريزتي تدفعني إلى مواصلة السير وعليّ أن أكون شجاعا.
وقفت على حافة الرصيف ؛ يا إلهي كم هي مرتفعة! وقد أنقلب على ظهري ويصعب علي بعدها أن أنهض و اقفا علي رجلي، الآن علي أن أعبر فالطريق يبدو شبه فارغ، وأعداد السيارات لا تشكل خطرا داهما على حياتي.
لقد كبرت و علي أن أتحمل مسؤوليتي؛ ما إن أرخيت أرجلي حتى تزحلقت على ظهري فوق الممر وصرت أشاهد الدنيا مقلوبة والسيارات تتجه نحوي بسرعة مرعبة يا إلهي! ماذا عساني أفعل وها هي شاحنة ضخمة تكاد تداهمني؛
فجأة نزل من الرصيف شخص وهو يمد يده في اتجاهي؛ ماذا يريد أن يفعل يا ترى ؟ لقد شاهدت وجهه إنه السيد إنه هو ، يا لسعادتي!! لعله سيحملني مجددا إلى بيته أو يعيدني الى الغابة .
بغتة، دوّى صوت فرامل تلاه صراخ يصم الآذان؛ فسقط جسم السيد بثقله فوقي ومن شدة خوفي تقوقعت داخل مخبئي الصدفي كم شعرت بثقل جسمه ؟ ثم ؛ ما هذا يا ترى؟ سائل ساخن يسيل منه و يلامس أطرافي؛ ما به لا يحرك ساكنا؟ بقيت قابعا أرتعد من الخوف منتظرا ما سيحدث.
فجأة سمعت صوت منبه سيارة الإسعاف إنها قادمة نحونا.
هرج و مرج حولنا ؛ إنهم يحملون السيد الى داخل سيارة الإسعاف التي تحركت حتى لم أعد أسمع لها صوتا؛ سمعتُ صفارة شرطي ينظم المرور؛ قبل أن تمتّد يده لتحملني و يعيدني إلى مدخل الغابة؛ وما إن تحركت نحوها حتى سمعت محركات السيارات تستأنف صخبها المخيف، شعرت بحزن شديد و أقسمت من يومها ألا أعبر الطريق ثانية.
بلقيس بابو

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...