بهاء المري - الأنا التي ليست أنا

يظنُّ بعض القرَّاء أن الكاتب حين يكتبُ بضمير ‏‏"الأنا"، إنما يروي حكايةً عاشها، أو يُفصحُ عن ظلٍّ من ماضيه ‏المستتر، فيُسقطون عليه المعنى - حبًّا أو حنينًا أو ظنًّا - كأنَّ النص ‏مرآةٌ تبوح بما أراد إخفاءَه. ‏
لكن الكاتب، في لحظة الكتابة، لا يكون نفسه تمامًا؛ ‏يكتبُ لا ليحتفظ بما يمرُّ بقلبه لا ليستبقيه، بل ليُحرِّره. يلتقط ما ‏يلمع في خياله من فكرةٍ خاطفة، أو رعشةِ شعورٍ غامض، ثم ‏يتركها على الورق لتعيش حياةً تخصُّها وحدها. ‏
فالكتابة ليست سيرةً ذاتية، بل حياة موازية تُولد على ‏الصفحات بما لم يحدث، وبما كان يمكن أن يكون.‏
وما يُدهش أنَّ بعضَ النفوس المتورمة بالذات تظن ‏نفسها محور الحكاية، وأن كلَّ نص رسالة إليها، وكل عبارة اعترافٌ ‏خَفيّ لأن لقاءً عابرًا جمعها بالكاتب ذات يوم. فيقرؤون الحروف ‏كأنها رموز، ويطاردون الجُمل كأنها شفرات، ويَنسوَن أن الكاتب ‏لا يكتب عن الأشخاص، بل عن الأثر الذي يتركونه؛ لا عن ‏الوجوه، بل عن الضوء الذي يمرُّ فوقها. ‏
‏ "الأنا" في النص ليست بالضرورة "أنا الكاتب"؛ قد ‏تكون قناعًا فنيًا، أو ظلًا رمزيًا، أو صدىً لشعورٍ لم يجد مَن يُنطقه، ‏فالكاتب يُلبس الفكرة لغته، ويمنحها صوته، لتبدو كأنها نبضُه، ‏بينما هي في الحقيقة نبض العالم من حوله.

النص ليس مرآةً تعكس وجهه، بل نافذةٌ تطلُّ منها ‏الكلمات على فضاءٍ أرحب؛ عالمٍٍ تَتحرر فيه الحروف من نواياه، ‏لتقول ما تشاء هي، لا ما يَشاء هو. ‏
فكل ما يكتُبه ليس "أنا" لكنه ما تَبقَّى من "أنا" بعد أن ‏مَضى.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...