سمير اليوسف - الشعر والموت

اكتشفت الشعر عن طريق الموت!
الموت جعلني أوقن بأن النثر، وخلافاً لمزاعمه المتواصلة، لا يكفي للاحاطة باللغز أو ردم بئر الحزن العميقة الغور.
يوم رحلت جوديث أَلقيتُ بكتبي في نهر التايمز، كتب التاريخ والسياسة والفلسفة والروايات. أيقنت بأن النثر خائن. محضته ثقتي لعشرين عاماً وهو كان يستغفلني. يحظى بكل انتباهي ويُخفي عني الحقيقة. لا كتاب من هذه كتب النثر هذه أخبرني يوماً أن الحزنَ يمكن أن يصل الى هذا العمق. فجأة تكتشف أن في داخلك منجماً من الحزن لا نهاية له. أن بين ليلة وضحاها ثلاثة أرباع حياتك فقدت قيمتها. أنك ببساطة، ومن أعماق قلبك، ستتمنى أن تذهب الى النوم ولا تنهض ثانية
كذبت عليّ كتب النثر! أوهمتني بأن كل شيء سيكون على ما يُرام في النهاية. الزمن خير طبيب، قالت كتب النثر. ستحس بالضياع لبعض الوقت ولكنك بعد ستة أشهر أو بعد عام على الأكثر ستعود الى حالتك الطبيعية. رحلت مارثا في المساء وفي فجر اليوم التالي اكتشفت بأن لا حياة طبيعية هناك.
لم تكن هناك أصلاً!
سرت على غير هدى لساعات. سرت فقط وكأن السير هو الفرصة المتبقية لدي. أما الهدف فلا هدفَ هناك! كانت محض محاولة مراوغة، خداع ذاتي، لتجنب الحقيقة التي لم أكن مستعداً لمواجهتها رغم ظني بأنني كنت أعرفها جيداً
حدث الانهيار دفعة واحدة. دفعة واحدة تعرفت بطريقة مباشرة، لا مواربة فيها ولا أعذار، على الفارق ما بين الوجود والعدم: منْ كانت هنا الآن (مارثا) وكانت مزودة بأمل العودة لن تكون هنا بعد دقائق معدودة
Ich bin Kbutt
هذه هي العبارة الأخيرة التي نطقت بها جوديث بلغتها الأم (الألمانية)
"لقد انتهيت!"
وبعد دقائق اليد التي كانت دافئة في يدي صارت قطعة من جليد.
رحلت جوديث وبقي الجسد البارد
يوم القيامة ولا أقلّ من يوم القيامة! أطبقت السماء على الأرض ولا عزاء ممكن أن يصل عن طريق الحواس الخمس أو الذاكرة أو الخيال. كل طريق كانت تعود بي الى النهاية
مثل الماء صرت، مثل السائل، الانحدار مصيري، أنحدر أسفل فأسفل
صرت سائلاً حتى لم يتبق في الجسد سوى الملح. رائحة المفجوع بالموت تشبه رائحة الميت
الرائحة هي الصلة الأخيرة التي تربط الاثنين. جسد جوديث سيُحرق ويتحول، في غضون دقائق معدودة، الى رماد بينما جسدي سيبقى لحماً فاسداً. وهذا اللحم الفاسد مثل النثر الفاسد، البائت والميت. النصّ الجثة!
أعرضت عن النثر وشرعت أقرأ الشعر وان بطريقة مختلفة تماماً عما كنت افعل أيام كنت أقرأ النثر
كان الشعر شريكاً للنثر وأحياناً مجرد تابع ولكنه الآن أمسى سيداً متوجاً. صار موقع الكلمة مختلفاً وصار للصوت والصورة في العبارة عناية خاصة بينما أمسى نفوذ المعنى أقلّ. الشعر، وبخلاف النثر، لا يزعم الاحاطة بلغز الموت أو التغلب على الحزن. غير أنه يمدّك بالموقف الذي يُغنيك عن الحاجة الى محاولة الفهم أو محاولة الكفّ عن البكاء.
النثر يدفعك الى أن تغلق الأبواب والنوافذ والستائر وتجلس صامتاً تبحث عن حلّ، تفكّر كيف ستنجو بينما الشعر يدعوك الى أن تذهب الى الغابة، أو البحر، أو تسير على غير هدى في شوارع المدينة عسى أن تلتقي بمن سيساعدك على اللقاء بمن رحلوا. النثر يوهمك بأن الانغماس في العمل سيُنسيك من تركوك وحيداً في حين أن الشعر سيفتح أمامك كل الأبواب ويزوّدك بخارطة لكل الطرق ويشير في كل الاتجاهات ويقول لك:
هذه هي الحياة أمامك، سرّ أينما شئت وحينما تشاء! خذّ منها ما تشاء! افعل بها ما تشاء! أُكتب ما تشاء! اصنع منها فنّاً! انها في النهاية مادة منذورة للفناء.

***

قرأت الشعر منذ سن المراهقة وحتى مطلع الثلاثينات من عمري. قرأت بالعربية والانكليزية كل ما بلغ متناولي من شعر، بعضه استمتعت به وأحببته والآخر لم استمتع به ولم افهمه. لكن قراءة الشعر لم تكن أمراً اساسياً في في قراءاتي. ثم ولفترة طويلة جداً، كان الارتياب، أو حتى النفور، موقفي من الشعر خاصة الحديث منه. كنت قد اعتبرت نفسي قد نضجت بما يكفي لكي أكفّ عن قراءة نزار قباني وكرهت قصيدة النثر باعتبارها مجرد ضرب من الهذيان اللغوي. وحدها قصائد العراقي سركون بولس من نجت من نقمتي، الى جانب السياب ومحمود درويش، اضافة الى قصيدة واحدة من سعدي يوسف "كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته الجديدة".
ثم فقدت جوديث (مارثا)، أعزّ انسان عرفته في حياتي، وغرقت في حالة عميقة من الأسى والحداد وتفاقمت حالة كآبتي المرضيّة. قبل ذلك كان الكتاب رفيقي اليومي. لا يهنأ لي عيشاً ما لم أقرأ كل يوم من خمسين الى مئة صفحة. أما الآن، وبعد رحيل جوديث، لم أعد استطيع الاقتراب من أي كتاب. صارت الكتب أجسام غريبة بالنسبة لي. اتهمتها بالخديعة. أنها لم تؤهلني لكي أواجه حقيقة الموت والفقدان.
تخلصت من معظم كتبي. وبقيت عازفاً عن القراءة لأسابيع. ومرة بمحض الفضول دخلت مكتبة لبيع الكتب المستعملة، وكنت خلال تلك الأسابيع قد كففت أيضاً عن عادة شراء الكتب وهي كانت عادة يومية بالنسبة لي. جذب انتباهي كتاب أنيق الطباعة، التقطه وتبيّن لي انه مختارات من قصائد فيكتور هيغو.
في ذهني كان هيغو مؤلف الروايتين اللتين قرأت في عهد الشباب الزائل، "البؤساء" و"أحدب نوتردام". لم أكن قد قرأت له أي شيء من الشعر. فتحت الكتاب ورحت اتنقل بين صفحاته أقرأ سطراً هنا وسطراً هنك. كانت هذه أول مرة أقرأ اي شيء بعد رحيل جوديث ما عدا الوثائق الرسمية المطلوبة لاتمام جنازتها وتنفيذ وصيتها. بدت السطور جميلة التعبير ولكن بعيدة بما يكفي لكي أنسى ما أنا فيه من أسى. هذا رغم الكثير من قصائد هيغو كانت ذات نبرة حزينة. ابتعت الكتاب وذهبت الى البارك.وشرعت في القراءة.
على الرغم أنها مجرد ترجمة (الى الانكليزية) وان البعض منها مغرق في الحزن والسوداوية، الا أنني أحسست وكأنني اكتشفت طريقاً جديداً. سرت في البارك وكأنني كنت أسير في تلك الطريق الجديدة. وخلال السير جرى ما يشبه المنولوج الطويل حول الكتب واللغة. الكتب التي قرأتها لقرابة عشرين عاماً، وهي الفترة التي عشت فيها مع جوديث (وزوجها جون) انما كانت كتب نثر، رواية وقصص وكتب فلسفة وسياسة وعلوم انسانية ونقد أدبي وسيرة ذاتية وسيرة. والقليل القليل جداً من الشعر. الكتب التي خدعتني، التي لم تؤهلني لمواجهة هاوية الموت والفقدان، كانت كتب نثر. النثر هو الذي خدعني وليس الشعر. لعشرين عاماً واهتمامي الرئيسي هو المعنى وهو محور النثر عموماً. نعم كانت هناك النصوص الجميلة الثرية اللغة، ادوار الخراط ومحمود المسعدي والقصص المبكرة لزكريا تامر. لكن أعمال هؤلاء كانت أشبه بالنصوص الاستثنائية. التركيز الاساسي كان على المعنى وليس على العبارة، على تركيب العبارة، على المجاز والكلمة بحد ذاتها. ولكن حينما قرأت قصائد فيكتور هيغو صارت الكلمة تنطق بنفسها وتخبر عن عالم ذي أسرار عميقة. المجاز نافذة على ما نراه من بعيد، أو نسمع عنه، ولا نحيط به. صرت أتوقف امام المجاز لاعرف سرّ القاموس الذي يصدر عنه.
عدت الى الشعراء الذين كنت قد قرأتهم، قبل انقطاعي عن قراءة الشعرتماماً، اليوت وتد هيوز وشيموس هيني وسلفيا بلاث وأهمهم طبعاً فيليب لاركن. ومعهم كان اكتشاف بعض غرابة أطوار اللغة كما يستخدمها الانكليز أنفسهم. ليس فقط المتداول من اللغة وانما تركيبة العبارة نفسها، وخاصة الشعراء المغتربين الاميركين، مثل بلاث واليوت. جمالية تعبيرية ما كان لي أن أتوقف عندها لو لم أقرأ الشعر ثانية.
قرأت شعراً اوروبيا مترجماً أيضاً، خاصة كفافي وهولدرن وبودلير وانغاريتي ولوركا. ولكن من بين كافة الشعراء الذين لامسوا قلبي وعقلي كان الشعراء الأميركيون. غنائية ويتمان وغينسبرغ كانت صلاة خالصة. وعشقت قصائد ولدن كيس وستراند ومروين أما والاس ستفنسون فهو التحدي الأكبر. لا مجال لأن تقرأه وتفهمه وتستمع به من دون أن توليه قلبك وعقلك في الوقت نفسه.
وبعد ذلك الشعر العربي! محمود درويش في المقدمة وسركون بولص والسياب وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور ومحمد الماغوط، الذي كان خيبة أمل كبيرة، الآن في القراءة الثانية. عباس بيضون، العميق دائماً والمحيّر، وانسي الحاج وطبعاً أدونيس الذي تبيّن لي، بعد القراءة الثانية، أن شويعراً مثل يحيى جابر أحسن منه. ومن خلال القراءة الثانية لهذا الانسان البائس، اكتشفت أيضاً انه اتخذ من الشعر وسيلة للتعبير عن جنون عظمة، مسخ لا همّ له سوى بلوغ السلطة أي نوع من السلطة بما في ذلك الوقوف في صف مجرمي الحروب والظلاميين الإيرانيين.
الشعراء الذين ارتحت الى صحبتهم، وما زلت احب صحبتهم، هم سيف الرحبي ونوري الجراح (برأيي ان الجراح الى جانب سركون بولص هما أمهر من كتب قصيدة نثر باللغة العربية) والمقلّ شارل شهوان وبسام حجار ووليد خزندار، هذا طبعاً بالاضافة الى من ذكرت من قبل، السياب ودرويش وبولص وامل دنقل.
أعادني الشعر الى عالم الكتب.
ومن جهة الشعر رحت انظر بارتياب ونفور الى النثر، تماماً كما كان موقفي من الشعر من قبل. نفرت من الكتب النظرية، تحديداً من الكتب التي تعتمد على المنهجية والبحث العلميين. أحسست أنها مصدر جهل لا معرفة. كتب النثر التي احببتها هي التي اقتربت من الشعر سواء في لغته أم روحه. الكاتب يكون أقرب الى الشاعر منه الى كاتب النثر. أبرز هولاء نيتشه طبعاً وسيوران بالاضافة الى الترجمات العربية لأعمال شكسبير على يد جبرا ومحمد عناني.
لا جاذبية للغة إن كانت محض واسطة لايصال خبر أو ايضاح حجة. اللغة يجب أن تلفت النظر الي نفسها أولا، أن تُغنيك عن اهتمامك المفرط بما يقع خارجها، عن طغيان المعنى، عن تمثيل الغائب من خلال الخبر والصورة. بات الوضوح اللغوي بالنسبة لي خادعاً، أداة احتيال لبائعي الأكاذيب. رحت أبحث عن العبارة المحيّرة والغامضة تلك الصادقة في التعبير عن المجهول والبعيد والعصي على الاحاطة.
هذا المطلب الجمالي كان نفسيّ الدافع. كان طريقة للتعامل مع الحقيقة الجديدة والقاسية في حياتي. المعرفة الفعلية لنوع جديد من الغياب، الغياب الذي لا أمل للحضور من بعد وقوعه. الغائب يخرج من المستشفى أو يعود من المنفى ولكن من الموت نفسه لا شيء سوى المزيد من الغياب. العبارة الغامضة في مجازها الذي يحيلك على المجهول هي الوسيلة الأجدى في التعاطي مع فكرة الغياب النهائي، انعدام الأمل في رؤية من تحب ثانية. العبارة بذاتها التي تحضك على أن تتوقف وتفكر وتعيد النظر في اللغة التي قضيت حياتك تمحضها ثقتك وبرهنت في اللحظة الحاسمة على عجزها ان التدخل السلوان الى قلبك المفجوع.
فقدت الأمل فجأة في لغة استخدمتها لأكثر من ربع قرن من الزمن. ولكن النتيجة ليست خسارة تامة. تدريجياً تعرفتُ على لغة أخرى كانت تنتظر الفرصة السانحة للظهور. أسفل كل عمق هناك عمق أبعد وهذا قد ينطوي على رغبات مؤجلة وضرب من اللغة سيطفو حينما ترُفع الحواجز من أمامه. لحسن الحظ، أو ربما لسوئه، لا أعرف على وجه اليقين، خرج الشاعر من داخلي، انعتق من زنزانة الاعماق. منذ متى كان هناك شاعر متوارٍ في قلبي؟ لا مجال للمعرفة الدقيقة.
طبعاً القصائد التي خرج بها هذا الشاعر لا بد وأن تكون عقاباً قاسياً لقارئها. الله يعاقب البشر بطرق غريبة. ولكنها بالنسبة لي هي أشبه بنعمة مباركة! بمثابة هدية الغائب، او الغائبة، التي رحلت من دون أية نية في العودة ثانية. لربما من الموت يظهر الشعر أحيانا، لربما لأنني لا زلت في حالة حداد على جوديث وسأبقى في هذه الحالة إلى أن ألتحق بها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...