العقيد بن دحو - شكرا صديقي (الكرسي الشاغر)

كم كنت متألقا احتفاء ليلة البارحة ، منتشيا ، ملكا بملء ملابسك الفضفاضة النصف الملائكية الفضفاضة مزهوا بوشائج نفسك.
علمت انك رافعت و دافعت عني مستميثا ، و رفضت أن يسجل اسمي في جداول ورقة الغياب.
كم كان ايهابك شاسعا واسعا ، راسلتني مرارا و تكرارا عبر بريد الهواء و الهوى : أن فلانا يسأل عني ، و علانا يذكرني في مواقع عديدة.
هذا زمن الكراسي الشاغرة ، حين افرغت القاعات من محتواها الأليّق الأنيق ، بعد أن انزلوا الفارس عن صهوة فرسه ، الخطيب المفوه عن منبره ، لم يبق غير النطيحة و المتردية و ما أكل السبع و الضبع.
أيها الكرسي الجميل لقد ثبت عني فصل خطاب الصمت و السمت ، و أسمعت من به صمم.
كانت مداخلتك المقتضبة ، رغم ما قل و دل و جل و لم يمل فيها ، إلا أنها كانت بليغة في صميم الموضوع ، صفق لك اليباب طويلا .
كم كنت شهما تعرف دوما كيف تحافظ على كبريائك ، على عزة نفسك ، كم كنت تشبهني حقا.
لست ادري لماذا ركزت عليك عدسة الكاميرا ، و أظهرتك في قلب مركز ثقل الشاشة ، كان وجهك وضّاح ز ثغرك من الشدق الى الشدق باسم.
كنت البارحة كرسيا و لا كل الكراسي ، سيد الجلسة ، اذا تكلمت صمت الجميع و كأن على رأسهم الطير ، كأنهم لأول مرة يستمعون لمرافعات كراسي الصف الأول.
لم تكن كرسي يونسكو عقبة في سبيل الإتصال بين بني البشر ، و لم تكن كرسي أرثر ميللر ترعب الحجر و الشجر ، و انما كرسي الاوقات المناسبة ؛ الوقت المناسب للرجل المناسب في المكان المناسب ، يوم توضع الرجال في رائز الخطر.
شكرا صديقي (الكرسي الشاغر) المثقف الأديب المفكر الشاعر . كم كانوا ألمتهم ليلة البارحة ، و أنت الاعلون كالطود الحصين المكين ، تجوب الفضاء هماما حاسما حساما طولا وعرضا تجزع خراعب النكران و عقابيل التهميش ، و حدك بأجنحة أبعد منك ملئت الأركان و الزوايا ، أوجعتهم ببيض هند حلمك و صبرك عليهم أسقيت آخرهم بكأس أول
ذكر اسمي امام الملأ و هم سكوت و البعد يتكلم.
ما يؤلم حقا عزيزي الكرسي حين تذكر خصال الرجال غيبا في حضرة رجال حضور غياب !
يا لك من كرسي نزيه مخلص وفي ، ودود كنت دائما تعرف كيف تنتصر و تنجح و تتفوق و تفوز
وهم كانوا دائما يتكلمون حين لم يكن أحدا يريد أن يستمع اليهم !.
كنت دائما تعرف كيف تحافظ على خلك الوفي حتى و لو كانت بك خصاصة.
شكرا صديقي على حضورك الدؤوب و دفاعك عني أشفى غليلي .
أما غيابي في حضورك كنت أقرأه في أعينهم و هم يعودون بلجظ كرى الأسرى الأجش بذل الأيسار ، يجرون أثواب الخيبة و جذائل الإنكسار ، أسرى منتكسي الملامح ، مطأطئي الرؤوس ، شفاه اضناها الرمضاء ، مزمومة مشحونة بالتأتأة ، بتلعثم العناصر و تلكؤ المفردات.
يريدون أن يقولوا كل شيء من خلال لا شيء !
يبس خصبهم و جف نبع خلقهم
ومع ذلك - اخذتهم العزة بالإثم - لا يزالوا يتكلمون...يتكلمون....يتكلمون !
كلام السيد صمت قلعة الكاتب كافكا.
صمتهم الخذلان و الهزيمة ، مدبرين يتوهمون.... و مع ذلك صعدا نحو الأسفل يحملون اسفارا.
شكرا صديقي الكرسي الشاغر ابقى حيث أنت ، مرابطا على نفس المبادئ التي عهدناها فيك ، مستمسكا على نفس الثوابت الراسخة في معالمك العلية.
ابقى حيث انت مرابطا أول مرة ، الحرب لم تنته بعد ، السلم لم ينته بعد ، الجيد لم ينته بعد ، الأسوأ لم ينته بعد ، الأمسيات...اللقاءات.... و في كل دعوة كن كما أنت ملح الحضور حيث يكشر الحقد الحسد عن انيابه عن مخالبه الإسفينية ، صديقك الآخر.
فإن حسدوني فما ** أنكر اني عقوبة لهم.
لا تقول لي مالك بن نبي رحمه اللع يقول : أياك أن تترك
مكانك لأشباه المثقفين !
أولاد الحرام لم يتركوا شيئا لأولاد الحلال.
ذاك أن لم يعد في الإمكان ابداع أكثر مما كان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...