مصطفى معروفي ــ الحجاج بن يوسف الثقفي

قرأنا في التاريخ عن الحجاج بن يوسف الثقفي(40 ـ 95ه) فصوروه لنا ذلك الشخص الشرس المجرم، وأنه قاتل الناس (قتل الحجاج سعيد بن جبير التابعي، والخلاف بين الرجلين كان سياسيا بحتا كما يرى البعض ولا يتعلق الأمر بالعقيدة ولا بأمورها)، وأنا في هذا المقال سأذكر ما فعله الحجاج من مآثر بقيت خالدة بفضله وتبصره. ويكفي أن عمرو بن العلاء وهو من هو في العربية قال يوما:
ما رأيت أحدا أفصح من الحسن البصري والحجاج.
نحن نعرف أن اللغة العربية في زمن الحجاج وقع فيها الخلط بحيث كان القراء أحيانا يقرؤون الحرف مكان الآخر لتشابهما في الرسم، فمثلا بعض القراء قرأ قوله تعالى:
"وجعل السقاية في رحل أخيه".
قرأها هكذا:
وجعل السقايةَ في رجل أخيه.
وقوله تعالى:
"ذلك الكتاب لا ريب فيه".
هكذا:
ذلك الكتاب لا زيتَ فيه.
فاهتم الحجاج بالأمر وقام لمعالجته، وكانت المعالجة تتمثل في النقط، والذي أمره الحجاج بفعل ذلك هو نصر بن عاصم الذي يقال أنه واحد من الذين ساعدوا أبا الأسود الدؤلي وشاركوه في وضع قواعد النحو.
وضع عاصم النقط أفرادا وأزواجا في أماكن معينة من الحرف فوق وتحت نقطة فنقطتان فثلاث نقط، وبذلك صارت اللغة العربية تنطق حروفها دون أن يلتبس حرف بآخر.
ويحسب للحجاج أنه أول من ضرب العملة، فقد ضرب درهما عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
ونحن كقراء للتاريخ أحيانا نستحضر قصة الخليفة العباسي المعتصم عندما استصرخته امرأة سباها الروم "وامعتصماه" فجهز المعتصم من أجلها جيشا وفك أسرها من السبي، ونفس الشي كان حدث من العصر الأموي ومع الحجاج بالضبط، وذلك أن امرأة مسلمة سبيت في الهند، فصاحت وهي تؤخذ للسبي "واحجاجاه"، فول الخبر الحجاج فثارت حميته وأنفق سبعة ملايين من الدراهم في سبيل إنقاذ المرأة من السبي.
ونحن على كثرة ما نراه في سيرة الحجاج من تجريده من كل فضل وإلصاق كل نقيصة به لا نعدم أن نجد وخاصة من الشعراء من يمدحه ويذكر فضله، ونثبت هنا ما قالته ليلى الأخيلية فيه وهي شاعرة توفيت سنة 80 هجرية:
أَحَــجَّاجُ إنَّ الــلّهَ أَعْــطاك غــايَةً
يُــقَصِّرُ عــنها مَــن أَرادَ مَــداها
أَحَــجَّاجُ لا يُفْلَلْ سِلاحُكَ إنّما ال
مَــنايا بِــكَفِّ الــلّهِ حــيثُ يَــراها
إذا هَــبَطَ الحَجَّاجُ أَرْضاً مَريضةً
تَــتَــبَّعَ أَقْــصــى دائِــها فَــشفاها
شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الذي بِها
غُـــلامٌ إذا هَـــزَّ الــقَناةَ سَــقاها
سَــقاها دِمــاءَ الــمارِقينَ وعَــلَّها
إذا جَــمحَتْ يَــوْماً وَخِــيفَ أَذاها
إذا سَــمــعَ الــحــجَّاجُ رِزّ كَــتِيبةٍ
أَعَــدَّ لــها قَــبْلَ الــنزولِ قِــراها
أَعَـــدَّ لَــهــا مَــصْقُولةً فــارِسيَّةً
بــأَيْدِي رجــالٍ يَــحْلُبونَ صُراها
فَــمَا وَلَــدَ الأَبْــكارُ والعَوْنُ مِثْلَهُ
بِــنَــجْدٍ ولا أَرْضٍ يَــجِفُّ ثَــراها
أَحَــجَّاجُ لا تُــعْطِ الــعُصاةَ مُناهُمُ
ولا الــلّهُ يُــعْطِي لِــلْعُصاةِ مُــناها
ولا كَـــلَّ حَـــلاَّفٍ تَــقَلَّدَ بَــيْعَةً
فــأَعْــظَمَ عَــهْدَ الــلّهِ ثُــمَّ شَــراها
نسأل الله الرزق الواسع والخلق الحسن.

تعليقات

تحيات طيبات زكيات اخي السي مصطفى

هذه سيرة لواحد من اعتى ولاة العرب في القرن الأول الهجري الى جانب حكام بني آمية، معاوية ويزيد، وحياته فارغة الا من الاستبداد والتسلط والقتل، والعطش للدماء، ولا يختلف عن اتفه دكتاتور جبار من الحكام الذين ابتلي ىهم العصر الحالي، والذين قام تاريخهم على الدم، والعنف، وازهاق الأرواح، اذ كان شرسا عنيفا عنيدا، جمع كل الصفات الذميمة والكريهة التي يمكن أن ننعت بها طغاة التاربخ، لا يتورع عن سفك الدماء وزرع الرهبة والخوف والهلع في قلوب العباد، ومهما يكن فاي مخلوق يحمل على عاتقه تاريخا ملوثا، وماض مليء بالماسي لن يكون إنسانا سويا وصالحا مهما تظاهر بالصلاح والورع.
من اشهر ما روي عن ماضيه القاتم الحادثة الشهيرة التي حدثت معه حينما ولاه الخليفة عبدالملك على الكوفة، وكانت تشهد وقتها العديد من القلاقل والصراعات، ولما اعتلى المنبر بدأ الحاضرون يشمتون في رجل ذميم الخلقة، قصير القامة، وظل صامتا يتابع المشهد، وإلى ما سيؤول اليه الامر، فارتجل خطبة عنيفة استهلها بالوعيد، ثم تلاها بالبيت الشعري: "انا ابن جلا وطلاع الثنايا"، والقصيدة مشهورة للشاعر سحيم الرياحي.
وبعيدا عن الموضوع ف(الرياحنة، وهذيل، والرياينة ذات الأصول اليمنية، من المناطق الموجودة بقببلة أحمر باقليم اليوسفية، وهم قوم لهم شرف الانتماء الى حمير باليمن السعيد)
اشتهر عن الحجاج الى جانب جبروته بفصاحته، وحفظه للقرءان، وساهم في ظبته، وتنقبطه مع أبي الأسود الذؤلي، وأنه كلما صادف شخصا ابتدره بسؤال حول سورة من القرءان.
ومما يحكى عن فصاحته حكاية الحجاج والفتية الثلاثة الذين القت عليهم دورية ليلية القبض، فلما عرضوهم على الحجاج، أعجب بفصاحتهم وأمر بإطلاق سراحهم. والقصة معروفة.
كل التقدير والاعتزاز
 
معك حق أستاذنا السي المهدي ،فقد قرأنا قصة الغلمان الثلاثة مع الحجاج ونحن في بداية الطريق نتلمس مكامن الثقافة،وعىفنا منها أن آباء الثلاثة هم حجام وفوّال وحائك ،وهي قصة مشهورة ومعروفة ،وقارئها يخرج منها بشيئين:
أن الحجاج متذوق للشعر وبالتالي هو متذوق للبيان العربي ككل ويكافئ من من هو بارع في القول.
أن حياة الإنسان العربي كانت عند بني أمية إلا عمر بن عبد العزيز وعند بني العباس قد بلغت في تبخيسها درجة عالية جدا.فمسرور جلاد هارون الرشيد كان بمجرد إشارة من سيده يقطع رأس الشخص وحتى دون محاكمة.
وحسب رأيي الشخصي فأنا أرى الحجاج كان حاكما سياسيا خاضعا لنواميس السياسة كما هي في عصره،ويجب علينا أن نحاكمه بمعايير مقتضى الحال في زمنه،وإلا اعتبرنا لينين وستالين وماو تسي تونغ أعتى الجبابرة والمجرمين في العصر الحاضر،انظر مثلا إلى كم حصدت الثورة الثقافية في الصين من الأرواح،فكما لا ينبغي أن نحاكم الشعر بمعيار الأخلاق فكذلك لا ينبغي أن نحاكم السياسية بهذا المعيار.
طابت أوقاتك مولانا
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...