فؤاد قنديل - صديقى الشهيد الذي رسَم ملامح الوطن



لمّا اخترقت قلبك الرصاصة الحية التى أطلقها عليك قناص منزوع الضمير يقبع فوق سطح احدى العمارات وله قلبُ ميت ، تهاويت على صدرى وسقطنا معا ، وفي غمار ذعرى لمحت ابتسامة تكسو وجهك .. تخلقت بهدوء كإشراقة فجر ليلة مقدسة ، وشرعت أشعتها تتشكل تدريجيا من جهامة الوجه الوردى المتحفز، والعيون التى تنادى للصباح الجديد المتعثر في تلافيف السحب . . كان وجهك مثل وجه مصر التى حاولت استعادة بهاءها من نفق طويل مترب وبارد وكئيب يفوح بالتعاسة المكدسة.

أنت لابد تذكر عندما كنا معا في يوم " جمعة الغضب " بالميدان الكبير المحتشد بالثورة والهتاف .. تتناثر فوق رءوسنا بذور الأحلام الخضراء كحمامات بيضاء صغيرة تتعلم الطيران ، بينما كانت أفراخ الأمل تنقر على جدران البيض من الداخل باحثة عن نور الحياة .. كنا هناك عند الناصية القريبة من الجامعة الأمريكية . نهتف ونغنى ونتعانق ، دون أن نتوقف عن صد عدوان المدججين بالخوذات والقنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه والسيارات المدرعة والمدافع الرشاشة والملابس السوداء والأوامر التى تمتح من سلطة عمياء أسكرتها على مدى عقود طويلة خمر القمع والتعذيب.. الغريب أننا المعرّضون للسحق بكل هذه الآلات القاتلة لم نكن نحمل أى حقد أو كراهية ضد من يصبون عدوانهم بكل قسوة علينا كأننا نؤمن في أعماقنا أنه دورهم وأن الذنب ليس ذنبهم ، لكن الشعب جميعه ربما دون اتفاق كان قد قرر ألاّ يستسلم أبدا حتى لو مزقوهم إربا.

ألححت علىّ في أن أقبل لقيمات تسكت جوعى المتسكع بأمعائى . لم أكن أنا وأنت قد أكلنا منذ يومين إلا تمرتين .. لقد لقيتك في الميدان ولم أعرفك من قبل ، لكنى ظللت ملتصقا بك.. أتعلم وأحمى سنى الكبيرة وجسدى الهش .. لا أكف عن متابعتك وأنت تركض وتعين هذا وتسند ذاك .. شعرت أنك تختزل الثورة لى .. أنت الشعب المارد الذي أفاق أخيرا بعد طول سبات وعزم على محو الماضى بكل ما فيه من عفن .. رأيتك وأنت تحمل حاجزا حديديا يعجز عن حمله ثلاثة رجال ووضعته أمام تجمع لبعض النسوة والأطفال وقد لمحت حياءهن وانزوائهن .ثم قفزت في خفة غزال لتعلق الميكروفون فوق عمود النور .

قدمت إلىّ الرغيف الذى تناقلته عشرات الأيدى دون أن تنقص منه لقمة . قبلت دعوتك وأخذت ربعه وقضمت منه لقيمات ، بدا لى كأنه قربان وزّعَته علينا الملائكة عند بوابات الجنة ، أما أنت فقد أسرعت تدس خبزك في أيدى العابرين .. كان جوعك في الحقيقة للحرية والكرامة ..أيها المعانق للموت كصديق غاب عنك طويلا ، وعندما رأيته فرحت وأخذته في أحضانك وابتسمت .

هل تراك ابتسمت لمّا أدركت أن الأمانى التى راودناها بشغف تطرق الآن أبوابنا الصدئة المحملة بطبقات متراكبة من خيوط العناكب ، وأن الحلم الذى ظل بعيدا متشبثا بالسماء يهبط الآن أمام الأعين المتلهفة ، ويدنو من الأرض المتشوفة ؟!!

كم أنت جسور لأنك انتزعت بروحك الشفيفة بللورة الحرية التى طالما اغتصبها الحكام بلا رحمة ودون أن تمر أحوال المحرومين والمهمشين ولو لحظات على شاشة خواطرهم المنهمكة فى إشباع نهمهم الملتاث بجبال المال وبحار المتع ، و يتمرغون على الرياش داخل القصور تحرسهم كلاب مردة وقلاع قابضة على مصائر وأعناق البسطاء حريصة على ألا تترك لهم إلا الفتات من ووعود وهواء .!!!

يا لك من رائع لأنك رأيت أن الموت منبع لا ينضب للبهجة بديلا عن حياة في كنف من خذلونا واستباحوا حرماتنا وأرضنا وكرامتنا دون أن يهتز لهم جفن !! .. يا لك من رائع لأنك وهبت بمنتهى الإقدام والفروسية حياتك لتكون قُبلة الحياة لمن يأتون بعدك وحتى يكونوا أبدا مرفوعى الرءوس ، وليسيروا على سجادة ممتدة إلى ما لا نهاية من العدل والحب والسلام !. . أنت - بإرادة الله - سمحت لهم أن يولدوا أحرارا وأعزة ، فنم قرير العين أيها الصديق واعلم أن لا شيء بعدك سيكون كما تركته .. ستتغير الأفعال والأمانى والرؤى والآفاق .

أغلب الظن أن كل المواطنين اليوم صاروا مختلفين ..لن يكون شاغلهم الأول الثرثرة في المقاهى و أسعار الخبز واللحم والغاز والمخدرات والرواتب والأمانى الصغيرة .. لن يعبأوا بالمباريات الهزيلة والمسلسلات السقيمة وبرامج الغثاء ، فلقد غيرت وكل الشباب بانفجاركم النبيل شرائح الهارد وير في أجهزتهم كى لا تنشغل إلا بالحق والخير والجمال والعمل والبناء والتسامح والتنافس والتكافل والوحدة والمؤازرة لكل من يبنى ويحمى الوطن .

هاهو نشيدك الشجى يا من نفذت إلى قلوبنا بعملك العبقرى ، يأتينا وأنت على شاطيء بحر الخلود .. ينادى الوطن.. بلادى بلادى .. لك حبى وفؤادى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...