في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُقاس بميزان الخوف، وكان الكاتب يمشي على حدّ السكين، عرفتُ رجلاً لا يشبه سواه. كان شاعراً، وناقداً، ومثقفاً يُجيد الإنصات كما يُجيد الحضور. إنه الشاعر الفلسطيني الكبير *محمود علي السعيد*، رائد القصة القصيرة جداً، والناقد التشكيلي، والمسؤول الثقافي في النادي العربي الفلسطيني بحلب.
في إحدى أمسيات عام 1994م، قدّمني الأستاذ محمود للجمهور في أمسية أقيمت في النادي، قرأت خلالها قصتي *"إقلاق راحة"*، وهي قصة جريئة، كتبتها من قلب الاحتقان، كاشفةً عن البيروقراطية والاستبداد، بمجازٍ لا يخفى على لبيب. كنت مندفعاً، متهوراً ربما، لم أفكر بالعواقب.
وحين أنهيت القراءة، نهض من بين الجمهور رجلٌ بلباس مدني، طويلٌ وعريض المنكبين، عرّف عن نفسه قائلاً:
*"أنا النقيب فلان من فرع كذا، وأريد أن أعرف من الكاتب متى وأين وقعت أحداث القصة؟!"*
جمدت الدماء في عروقي، نظرت إلى وجوه الحاضرين فوجدت القلق في عيونهم. شعرت أنني وقعت في فخ، وأن الورطة التي وضعت نفسي فيها أكبر مما تصورت.
وهنا، تدخّل الأستاذ محمود علي السعيد، الذي كان يجلس بجانبي على المنصة، وبلمسةٍ خفيفة على فخذي فهمت أنه سيتولى الرد. فقال للنقيب، بثقة ومباشرة:
"أحداث القصة وقعت في البلد المجاور، في العراق... الذي رئيسنا ما بيحب رئيسهم."
ضحك النقيب، ورضي بالجواب، وتنفّس الجميع الصعداء. أُلغيت فقرة النقاش، وغادرنا القاعة، بينما التصفيق لا يزال يتردد في الذاكرة.
هذا الموقف لم يكن الأول من نوعه، فقد كان محمود علي السعيد حريصاً دائماً على حماية الكلمة وصاحبها. كان، حين نشك في حضور أحد "الرفاق"، يُنادِي عليه صراحةً بكلمة "رفيق"، لنفهم جميعاً الرسالة، ونتحدث بحذر.
محمود علي السعيد لم يكن مجرد شاعر، بل كان مؤسسة ثقافية وإنسانية تمشي على قدمين، تحمل الشعر بيد، والحكمة باليد الأخرى.
له مني كل الوفاء، والتقدير، والعرفان.*
مصطفى الحاج حسين.
إسطنبول
في إحدى أمسيات عام 1994م، قدّمني الأستاذ محمود للجمهور في أمسية أقيمت في النادي، قرأت خلالها قصتي *"إقلاق راحة"*، وهي قصة جريئة، كتبتها من قلب الاحتقان، كاشفةً عن البيروقراطية والاستبداد، بمجازٍ لا يخفى على لبيب. كنت مندفعاً، متهوراً ربما، لم أفكر بالعواقب.
وحين أنهيت القراءة، نهض من بين الجمهور رجلٌ بلباس مدني، طويلٌ وعريض المنكبين، عرّف عن نفسه قائلاً:
*"أنا النقيب فلان من فرع كذا، وأريد أن أعرف من الكاتب متى وأين وقعت أحداث القصة؟!"*
جمدت الدماء في عروقي، نظرت إلى وجوه الحاضرين فوجدت القلق في عيونهم. شعرت أنني وقعت في فخ، وأن الورطة التي وضعت نفسي فيها أكبر مما تصورت.
وهنا، تدخّل الأستاذ محمود علي السعيد، الذي كان يجلس بجانبي على المنصة، وبلمسةٍ خفيفة على فخذي فهمت أنه سيتولى الرد. فقال للنقيب، بثقة ومباشرة:
"أحداث القصة وقعت في البلد المجاور، في العراق... الذي رئيسنا ما بيحب رئيسهم."
ضحك النقيب، ورضي بالجواب، وتنفّس الجميع الصعداء. أُلغيت فقرة النقاش، وغادرنا القاعة، بينما التصفيق لا يزال يتردد في الذاكرة.
هذا الموقف لم يكن الأول من نوعه، فقد كان محمود علي السعيد حريصاً دائماً على حماية الكلمة وصاحبها. كان، حين نشك في حضور أحد "الرفاق"، يُنادِي عليه صراحةً بكلمة "رفيق"، لنفهم جميعاً الرسالة، ونتحدث بحذر.
محمود علي السعيد لم يكن مجرد شاعر، بل كان مؤسسة ثقافية وإنسانية تمشي على قدمين، تحمل الشعر بيد، والحكمة باليد الأخرى.
له مني كل الوفاء، والتقدير، والعرفان.*
مصطفى الحاج حسين.
إسطنبول