عبدالناصر لقاح - حول الترجمة (1)

-1-


في كتاب التكوين من التوراة (La Genèse) في الكتاب المقدس العبراني (La Bible hébraïque) أن "الناس1 جميعا كانوا يشتركون في لغة واحدة ويتواصلون بكلام متشابه" ثم وقَرَ في أنفسهم أن يبنوا مدينة يكون بها برج يلامس السماء، فلمّا اكتشف الله ذلك، بَلبلَ لغتهم أي خلط في ما بينها، (في اللغة العبرية فعل بلبل ( balbal) ويعني الشيءَ نفسه)، بحيثُ لم يعودوا يستطيعون التوسّل بالألفاظ أعينها للتواصل في ما بينهم، كما كانوا يصنعون من قبلُ، فلم يوفّقوا إلى إتمام بناء المدينة وبرجها بابل:
(La Tour de Babel)
في قصة بابل في التوراة (La Torah)، لا شك إرهاصات أولى من أجل التأمل في الترجمة أو في الحاجة إليها، إذ لا يمكن أن يقرأ اليهودي أو المسيحي أو حتى المسلم بعد ذلك، هذه الحكاية دون أن تثيره أسئلة من نوع:
- كيف للناس أن يتواصلوا الآن في ما بينهم، وقد صارت لغاتهم أشتاتا مختلفة؟
- هل ثمة طريقة لاسترجاع أصول من لغتهم/الأولى المشتركة؟
ا- الحاجة إلى الترجمة:
توحي قصة بابل أن المشكل قائم في محاولة فهم المتكلمين (les locuteurs) كلمات بعضهم البعض، وهو أمر قد نفهم منه أننا لو استطعنا إدراك معاني ألفاظ لغة قوم ما، لاستطعنا التواصل معهم، بينما عملية الفهم (Compréhension) تتم وَفق قنوات ثلاث:
- فهمي للغتي وإفهام لغتي لغيري الذي يشترك معي فيها: مغربي متحدثا إلى مصري أو مكناسي متحدثا إلى فاسي...
- فهمي للعلامات اللغوية المستعملة في حياتي من حولي وإفهامها لغويا لغيري.
- فهمي لغة غيري وإفهامها لشبيهي العربي وفهمي لغتي وإفهامها لغيري غير العربي .

• في الحال الأولى تصادفني أسماء وصفات لها، فأضطر للاختيار وأحيانا للشرح، كأن أقول للمتكلم العربي: إن المهنّد الذي استعمله الفارس ... وألحظ استغرابه، فأستدرك بقولي شارحا: هو السيف الذي صُنع بالهند. هنا نترجم من اللغة العربية إلى اللغة العربية، وهو الذي يسمّيه رومان جاكوبسون2: الترجمة داخل اللغة .(Traduction intralinguale)
• في الحال الثانية، ينقل، على سبيل المثال، المخرج الكبير صلاح أبو سيف رواية نجيب محفوظ (بداية ونهاية) إلى فيلم، وهو ما يدعوه رومان جاكوبسون ب: الترجمة بين سيمائية أو الترجمة التبديلية (Traduction intersémiotique). المترجم في هذه الحال هو صلاح أبو سيف، الذي نقل العلامات اللغوية في نص روائي texte romanesque إلى نص فيلمي texte filmique أي إلى علامات من طبيعة أخرى: تشخيص، إنارة، صورة، موسيقى، مونتاج وهلمّ جرّا.
• في الحال الثالثة نترجم كلمة أو عبارة أو جملة أو نصّا من لغة إلى أخرى، وهي في تصور جاكوبسون الترجمة الحقيقة ويطلق عليها مصطلح: الترجمة بين اللغات أو بين لغوية (Traduction interlinguale).
إن تشتت أصحاب البرج في الأرض مدعاة قوية لأن تزداد، بالضرورة اختلافاتهم اللغوية وتُضطرَّهم تجاربهم المختلفة داخل الجماعة اللغوية نفسها (Communauté linguistique) إلى اصطناع مسمّيات جديدة لأشياء لم يكونوا يعرفونها ( التلفزة، الراديو، السادويتش، كرة السلّة...) ، أو يرسموا أو يصوّروا أو يضعوا لافتات، يشيرون بها إلى معان لغوية لا يمكن تمثيلها صوتيا في كل الأوقات، من مثل لافتة توقّف، Stop الخاصة بالمرور أو صورة الميزان المُحيلة على العدالة، أو يضطرّون حين يلتقي أحدهم بغيرة من جماعة لغوية أخرى، أن ينقل ما لا يشبه اللفظ عنده صوتيا أو يشبهه ويختلف عنه في المعنى، ممّا نسمّيه أصدقاء مزيفين (faux-amis)ككلمة débile بالفرنسية التي تعني الغبي وكلمة Débil بالإسبانية التي تعني الهش أو كلمة Journey بالإنجليزية التي تعني السفر بينما كلمة Journée بالفرنسية تعني اليوم، او كلمة you التي تعني أنت بالإنجليزية، و yo التي تعني أنا بالإسبانية وتعني الأم والجدة بحسب المنطقة في الامازيغية.
يبدو أمر حل المشكل الذي وضع فيه الله أهل برج بابل معقدا للغاية... لم لا نتخيّل الوسائل التي تم اعتمادها من قِبل أولاء الذين عاقبهم الله لحل مشكلتهم؟


الهوامش:
1-في الترجمة الفرنسية كلمة أرض terre بدل الناس. انظر:
: La Bible. Traduite du texte original par les membres du rabbinat français. 2008.p24
2- Roman Jakobson. Essais de linguistique générale. Traduit par Nicolas Ruwet. Les éditions de Minuit. 1963.p79

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...