يصحو مما يسمّيه النوم، في الأشهر العجاف.. عند الشروق يستبينُ النومُ أضغاثًا ، ينجلي الليل عن سراب لم يملأ نصفَ جفن، منذ عدّة أشهر يعاقر النومَ طولًا وعرضًا ، دون أن يضايق أحدًا .
لا أحد غيرُه في عزلته، وهذا صباح الجمعة ، يمكن أن تنسرب ذكرياتٌ رائعةٌ من زمن بعيد .. زمنٍ يبتعدُ كلّ يوم خلف مكابدات الحاضر.
طالما استمتعا بأغاني فيروز معًا، في مشارف البيت وشرفاته ، روحهُ تلمّست الفقْد ليفيق على جسده وقد امتدّ في فضاء الفراش الشاسع. غرف البيت كثيرة، لن يحاول مجالسة ظلّها، فالعبث نتيجته منطقية في زمن عزّ فيه المنطق في وصف ما يجري، فكّر أن يطلقَ لروحه العنان لتملسَ حضورَ امرأةٍ تغرقُ في انسحابها .
هاه ! صوتُ فيروز ينساب من المطبخ .. شعر بامتنان كبير لها، على الرغم من كلّ شيء، يوشك أن ينسى ما قالته البارحة عندما كان عائداً من سفر قصير، أراد سماع صوتها، سيرفع صوت المذياع لتسمع أغنية جادت بها fm ولم ترد ، كان ينوي رفعَ الصوت لتصلَها الأغنيةُ عبر الجوال في اتصال أراده هامِسًا.
وانتهت الأغنية ، كي يتبخّر الردّ ، وتتكثّف الأشواق.
عادة قديمة.. يطير وحيدًا مع الأغاني التي يذوب القلب معها، ولا بدّ حينئذٍ من أذن أخرى تسمع، تشارك القلبَ حنينه.. وتأخذه من يديه ، تسحبه من تلابيب روحه، يستمعان متّحديْن كعصفور يضرب بجناحيه في أعالي الشجن.
بعد دقائق اتصلت ليأتيه صوتُها. يبادر:
-"خسارة.. انتهت الأغنية، لكنّ شيئًا آخر لا ينتهي."
-"أيش هو ؟"
-.. (صمت) "أنت تعرفينه .. كنتُ أريد أن تسمعي الأغنية معي."
-"لم تعد أغانينا واحدة!"
شعر بالأسى يتعاظم ، وقلبُها يبعد أو يقف في المنتصف .
-"أنتِ ترسلين إلىّ مزيداً من الألم.. أو .."
-"و ماذا؟"
-"أو أنك لم تفهميني بعد هذا العمر."
-"إييييه ... يا ما تألّمت لوحدي!"
-"أرجوكِ .."(وصمَتَ). كان الرجاء حارًّ.. وَجَد روحه تندلق ليواصل باستلام " خذيني .. واصنعي من رقبتي جسراً للعودة "
-"لن أمدّ موتًا أو حياة لعنقك " وتذكّرَ كلامًا رآه قبل أيام في عينيها .. كلامًا أنضجته الأشهرُ الجدباء بعنفوان الصمت رأى الكلماتِ تتفجّر من ثبات الجمود في وجهها:
" لن أكرهكَ.. فقط الحيرةُ لروحكَ مُناي.. والألمُ لكل تفاصيلك ، فلا تعرف لكَ سندًا ولا صدرًا يؤويك". لم يقل: "احتاجُكِ" ربما خانه تماسكٌ هشٌّ .. خُيّل إليه أنه قالها ولم تسمع . حكى وحكى.. وجهُها الذي كان يعني له كل شيء! ، الوجه الذي لم يتأثر كثيراً بجفائه لذاته . كأنما يدعوها عبر تقاسيم الجمود أن تساعد في استعادة ما يجب أن يعود ! دون كلمات ، ربما دون صوت ، دون ردْح أو سواليف السنين الخالية ، لم يقل شيئًا من أحاديث قتَلَها التكرارُ ، وظلّت تردّد في ملل:" لا أريد نقاشاً في الماضي"
-"ولا أنا.."
جاءت عبارتُه سريعةً ، وأراد تذكيرها بهدوء صوته ، وانتظار أن يتحوّل الصوتُ المأسور لها خطواتٍ إليه منها.. خطوات لا تعرف شروطًا غير شروط الحياة...نحوه!
انقطع الصوتُ.. غدرتْ بهما الأبراجُ ، فلم يُسلّم البرجُ الأولُ العهدةَ إلى البرج التالي.
أرسل لها اختبارًا CALL ME ، ولم تتصل ، فشلتْ في اختباره! اختبارِ اللحظة..(وفرّق النومُ ما فرّقه الصحو) ، ناما في توقيتين ومكانين عجيبين.
صباحًا ، عندما سمع فيروز، أدركَ أنه نجح في نصف الاختبار، ليقول:
"حلوة أغانيك هذا الصباح "
-"لستُ مغنّية! "
تبسّم مع تثاقلها ، ليواصل ، بغزَل.
-"أنتِ الأغنية في القلب" وأردف بجديّة :
-"أقصد تلك الأغاني التي سمعتُها قبل قليل عبرَ الآي باد .."
وشعر بحديث طاغٍ يتزاحمُ ، فأبقاه محجوزًا وراء القرار القديم ، وشعر أنّ طوبةً واحدةً من جدار القطيعة بدأت تسقط !
شكرها في نفسه بحذر، و قال:
-"لم أنمْ البارحة!"
انتظر تشجيعًا منها بأية إشارة أو إيماءة منها ، دون جدوى، فواصل:
-" البارحة بعد اتصالي بكِ ، وحتى بعد حضوري .. وعدم سهرتنا ، دخلتُ في أرَقٍ لا يوصف "
-" تستطيع أن تذهب للنوم بعد الإفطار!"
شعر بها تعود إلى المربع الأول، والطوبةُ تعود إلى مكانها في جدار وظيفتُه الصمت.
2/2013
من مجموعة( يوميات حبّ مزمن) الصادرة عام 2014م