رسالتان متبادلتان بين غسان جابر وغانية ملحيس

6- رسالة غسان جابر الى غانية ملحيس



قراءة متزنة في مراجعة غانية ملحيس لمشروع القرار الأمريكي بشأن غزة

تقدم الكاتبة غانية ملحيس قراءة نقدية لمسودة القرار الأمريكي المطروح أمام مجلس الأمن، معتبرة أنه يشكل إطارًا لإعادة صياغة السيطرة على قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. وعند تحليل بنود المشروع كما عرضتها، يمكن استخلاص مجموعة من الملاحظات الجوهرية التي تستحق التوقف عندها لفهم مسارات القرار وانعكاساته على المشهد الفلسطيني.

أولاً: غياب المساءلة وترسيخ الإفلات من العقاب

تشير ملحيس إلى أن المسودة لا تحمل أي مضمون قانوني لمحاسبة إسرائيل على جرائم الحرب والإبادة، بل تذهب نحو ترتيب بيئة "استقرار" أمني بوساطة قوة دولية مخولة باستخدام القوة. هذا الطرح، وفق القراءة، يضع الأولوية لحماية الوضع القائم وليس لتطبيق القانون الدولي أو العدالة.

ثانيًا: إعادة إنتاج الاحتلال بصيغته النيوليبرالية

المشروع، كما تراه، لا ينهي الاحتلال بل يعيد تشكيله في صورة "إدارة أمنية دولية" تحافظ على السيطرة دون رموز الاحتلال التقليدية. القوة الدولية، بحسب المسودة، تعمل بكامل الصلاحيات وتحت غطاء إنساني – أمني، ما يعني بقاء اليد الإسرائيلية فعليًا عبر تعريفات فضفاضة للاستقرار والمعايير الأمنية.

ثالثًا: إعفاء إسرائيل من تكلفة الدمار

تلفت ملحيس إلى أن مسار إعادة الإعمار يُدار عبر صندوق دولي تموله الدول المانحة، خصوصًا الخليجية، بينما تغيب مسؤولية إسرائيل عن تحمل تبعات الحرب التي شنتها. وهذا يعيد إنتاج نمط قديم: طرف يدمر، وآخر يدفع ثمن إعادة البناء.

رابعًا: تكريس وصاية دولية طويلة الأمد

إنشاء "مجلس السلام" كهيئة انتقالية لإدارة القطاع تحت إشراف دولي يمثل، وفق التحليل، نقلًا لصلاحيات الفلسطينيين إلى جهة خارجية ذات ارتباط مباشر بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية. الانسحاب الإسرائيلي التدريجي المشروط بالمعايير الأمنية يكرس التبعية الأمنية بدلاً من إنهاء الاحتلال.

خامسًا: تفكيك البنية الفلسطينية القائمة

تشير الكاتبة إلى أن المسودة تضع مهامًا تتعلق بنزع السلاح، وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وإخضاعها لإشراف دولي، وهو ما يعني التحكم في أدوات الحكم الفلسطينية وتفريغها من استقلاليتها.

سادسًا: تشكيل نخب جديدة بلا عمق وطني

تنتقد ملحيس محاولات صياغة "بيئة قيادية جديدة" داخل غزة تعمل ضمن متطلبات المشروع الدولي، معتبرة ذلك خطوة نحو صناعة طبقة إدارية منفصلة عن السياق التاريخي للنضال الفلسطيني.

سابعًا: تحويل القضية إلى ملف إنساني

من أخطر ما تشير إليه الكاتبة هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مسار إنساني – إداري مرتبط بإصلاحات تقنية للسلطة الفلسطينية، على نحو مشابه لمسار أوسلو الذي طال دون نتائج وطنية ملموسة.

ثامنًا: هندسة الوعي والسيطرة الشاملة

ترى ملحيس أن القرار لا يتوقف عند الأمن والإعمار، بل يتعداه إلى التأثير على التعليم والاقتصاد والسياسة والبعد الثقافي، بهدف إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني نحو نموذج "تعاوني–وظيفي" بعيد عن روح المقاومة.

نقول: تسلط غانية ملحيس الضوء على أن مشروع القرار الأمريكي لا يقدم حلولًا سياسية حقيقية، بل يسعى إلى إدارة الصراع بدل حلّه، عبر إعادة ترتيب قطاع غزة ضمن نظام وصاية أمنية – اقتصادية دولية تبقي زمام التحكم بيد الولايات المتحدة وإسرائيل.

ورغم أهمية هذه القراءة النقدية، فإن التحليل المتوازن يدعو أيضًا إلى التأكيد على أن أي نقاش حول مستقبل غزة يجب أن يُبنى على حق الفلسطينيين في السيادة الكاملة، والمساءلة القانونية للاحتلال، ورفض استبدال الاحتلال العسكري باحتلال ناعم تحت مسمى الاستقرار الدولي.

بهذه الروح، تصبح قراءة ملحيس دعوة لليقظة السياسية، ورفض حل يُدار من الخارج دون تمثيل حقيقي للإرادة الوطنية الفلسطينية.

مع أطيب التحيات
غسان جابر
18/11/2025




***


7- رسالة غانية ملحيس


الأستاذ غسان جابر

أشكرك جزيل الشكر على مداخلتك القيمة وقراءتك العميقة للمقال حول مسودة القرار الأمريكي بشأن غزة. يسرني أن نلتقي على أرضية التحليل الموضوعي التي ركزت عليها، خاصةً فيما يتعلق بأبعاد المساءلة القانونية وإعادة صياغة السيطرة على القطاع، وكذلك التأكيد على حق الفلسطينيين في السيادة والمساءلة.

أقدر بشكل خاص إشارتك إلى ضرورة التوازن في قراءة المشهد، وعدم الاقتصار على الجوانب النقدية فقط، بل أيضًا النظر إلى الأطر التي يمكن أن تشكل أساسًا لأي نقاش سياسي جاد حول مستقبل غزة، وارتباطه البنيوي بعموم المستقبل الوطني الفلسطيني. تعليقك يركز على مركزية تعزيز الوعي السياسي الفلسطيني وعدم الانزلاق إلى المبالغة في التوقعات، وهو ما أراه ضروريًا لأي تحليل معمق لمسائل شائكة كهذه.

أتطلع إلى استمرار مثل هذه الحوارات التي تثري النقاش العام وتساعد في رسم صورة أوضح للمسارات الممكنة للتعامل مع التحديات المتنامية، مرتكزين على التاريخ ودلالاته، مع التأكيد على أن الإرادة الوطنية التحررية الفلسطينية الجامعة يجب أن تظل محور أي مقاربة مستقبلية.

خالص المودة والاحترام
غانية ملحيس
19/11/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...