المقاهي محمد الهادي - القَهْوَةُ السَّمْرَاءُ آنَ أَوَانُهَا...

القَهْوَةُ السَّمْرَاءُ آنَ أَوَانُهَا
حَنَّتْ إِلَيَّ وَحَنَّ لِي فِنْجَانُهَا

يَعْلُو مِنَ التَّحْمِيصِ فَوْحُ أَرِيجِهَا
فَتُبَاحُ أَسْرَارٌ جَرَى كِتْمَانُهَا

صِرْفًا يَطِيبُ مَذَاقُهَا، وَمِزَاجُهَا
بِالزَّنْجَبِيلِ، يُجِيدُهَا كُهَّانُهَا

وَإِذَا تُصَبُّ شَمَمْتُ مِنْ نَفَحَاتِهَا
حَتَّى يُفِيقَ مِنَ الكَرَى وَسْنَانُهَا

كَالعُودِ إِنْ أَحْرَقْتَهُ نَفَحَ الشَّذَى
والحَبْقُ ضَاعَ بِفَرْكِهِ رَيْحَانُهَا

مَا زَالَ طَقْسُ الجَدِّ يَحْكِي سِرَّهَا
فِي دَلَّةٍ عَبِقَتْ بِهَا أَزْمَانُهَا

بَاكُورَةُ الإِكْرَامِ وَالتَّرْحِيْبِ إِذْ
بِقُدُومِهَا هَشّتْ لَهَا ضِيْفَانُهَا

تَنْسَابُ كَالعَسَلِ المُصَفَّى سَلْسَلاً
وَيَسِيلُ مِنْ فِنْجَانِهَا فَوَحَانُهَا

كَالخَمْرِ تُشْرِقُ فِي الزُّجَاجِ مُعَتَّقًا
وَتَلُوحُ لِلرَّائِي يَشِعُّ جُمَانُهَا

أَدْمَنْتُهَا فَجْرًا بِنَكْهَتِهَا الزَّكِيـْ
ـيَةِ إِذْ تُشَعْشَعُ أَوْ تُصَفَُ دِنَانُهَا

شَغَفٌ يُحَاصِرُنِي وَيَجْتَاحُ المَدَى
فِي كُلِّ رَشْفٍ يَسْتَطِيلُ دُخَانُهَا

كَالسِّحْرِ يَسْرِي فِي المَفَاصِلِ نَشْوَةً
وَيَفِيضُ فِي رُوحِي هُدًى تِبْيَانُهَا

طَقْسٌ أُمَارِسُهُ بِشَوْقٍ كُلَّمَا
فَجْرٌ أَطَلَّ، يَهِيمُ بِي وِجْدَانُهَا

تَتَقَطَّرُ الذِّكْرَى عَلَى مَهَلٍ كَمَا
يَبْتَلُّ فَجْرًا بِالنَّدَى بُسْتَانُهَا

وَكَأَنَّ كُلَّ فُقَاعَةٍ تَطْفُو بِهَا
سِرٌّ يَطُوفُ فَلَا يَبِينُ مَكَانُهَا

أَوْ كُلَّمَا نَادَى الصِّحَابُ تَوَلُّعًا
لِتَجَمُّعٍ يَأتِيهُمُ فِتْيَانُهَا

وَحَدِيثُ أَحْبَابٍ يُرَتِّلُ شَجْوَهُ
عَذْبُ اللُّحُونِ يَزِينُهَا كُمَّانُهَا

هِيَ لَحْظَةٌ تُجْلَى بِأَوَّلِ رَشْفَةٍ
فَتُعِيدُ مَنْ غَابُوا وَهُمْ نُدْمَانُهَا

كَمْ رَاوَدَتْنِي القَهْوَةُ السَّمْرَاءُ عَنْ
وَجَعِ الغِيَابِ فَزَادَنِي إِدْمَانُهَا

أُلْقِي بِأَسْرَارِ الحَنِينِ فَنَاجِنًا
فَتَفِيضُ بِالذِّكْرَى وَبِي أَشْجَانُهَا

فِي كُلِّ فِنْجَانٍ حِكَايَةُ عِشْقِنَا
تَغْلِي وَيَطْفُو فِي الخَيَالِ عَيَانُهَا

وَكَأَنَّ عَرْفَ البُنِّ فَوْحُ صَبَابَةٍ
لَمْ يَبْرَحِ القَلْبَ المُحِبَّ لُبَانُهَا

وَإِذَا تَصُبُّ تَفُوحُ بَوْحَ صَبَابَةٍ
مِلْءَ الفُؤَادِ حَنِينُهَا وَحَنَانُهَا

وَإِذَا السَّمَاءُ تَبَلَّلَتْ بِمُزُونِهَا
زَادَتْ عَلَى نَغَمِ الحَيَا أَلْحَانُهَا

كَالنَّخْلِ حِينَ تَجَذَّرَتْ بِعُرُوقِهَا
حَضَنَ السَّحَابَةَ فِي الفَضَا قِنْوَانُهَا

مِثْلُ البِحَارِ يَهِيجُ فِي أَعْمَاقِهَا
مَوْجٌ وَيُرْخِي مَدَّهُ شُطْآنُهَا

كَالخَيْلِ سَابَقَتِ الرِّيَاحَ بِعَدْوِهَا
وَتَحُدُّهَا عَنْ عَدْوِهَا أَرْسَانُهَا

فَالقَهْوَةُ السَّمْرَاءُ تَحْكِي قِصَّةً
فِي كُلِّ صُبْحٍ يَسْتَبِينُ زَمَانُهَا

وَتُدِيرُ كَأْسَ الشَّاذِلِيَّةِ غَادَةٌ
فَرْعَاءُ مُقْمِرَةٌ، تَأَوَّدَ بَانُهَا

رَخْصٌ مُخَضَّبَةٌ تُعَاطِينِي الهَوَى
بِمُعَنْدَمٍ يَحْكِي العَقِيقَ بَنَانُهَا

وَتَمِيسُ كَالغُصْنِ الرَّطِيبِ بِخَطْوِهَا
وَالكَأْسُ يَعْكِسُ ضَوْءَهَا لَمَعَانُهَا

صُبِّي لِيَ الفِنْجَانَ أَرْشُفْ قَهْوَتِي
سَمْرَاءَ أَوْ شَقْرَا غَدَتْ أَلْوَانُهَا

دَانٍ مُقَبَّلُهَا أَدِينُ بِدِينِهَا
تُدْنِيهِ مِنِّي إِذْ تَجُودُ دِنَانُهَا

حَانٍ عَلَى قَلْبِي شَجِيُّ حَدِيثِهَا
إِذْ حَانَ مَوْعِدُهَا الحَنُونُ وَحَانُهَا

وَتُعِيدُ لِي الشَّجَنَ القَدِيمَ مُمَوْسَقًا
وَالنَّفْسُ تُطْرِبُهَا شَجًى أَلْحَانُهَا

فَكَأَنَّ كُلَّ تَنَهُّدٍ فِي صَدْرِهَا
سِرٌّ تَعَذَّرَ فِي الحَشَا كِتْمَانُهَا

حُلُمٌ يُعَتَّقُ فِي الدِّنَانِ كَأَنَّهُ
بَوْحٌ لِعَاشِقَةٍ شَكَى حِرْمَانُهَا

وَكَأَنَّمَا الآهَاتُ تَغْمُرُ كَأْسَهَا
فَيَلُوحُ فِي فِنْجَانِهَا ظَمْآنُهَا

وَإِذَا الدُّجَى أَلْقَى عَلَيْنَا ثَوْبَهُ
اشْتَعَلَتْ عَلَى وَجْدٍ بِهَا نِيرَانُهَا

عَزْفٌ يُدَنْدِنُ فِي مَذَاقِ حُرُوفِهَا
وَتَرُنُّ فِي صَمْتِ الدُّجَى عِيدَانُهَا

تَحْنُو عَلَى الأَوْتَارِ تَمْسَحُ هَمَّهَا
وَتُرِيحُ رُوحًا قَدْ جَثَتْ أَحْزَانُهَا

وَيُعِيدُنِي طَرَبِي لِأَيَّامٍ مَضَتْ
فَتَطُوفُ ثَمَّ عِجَافُهَا وَسِمَانُهَا

فَلِكُلِّ فَنْجَانٍ حَيَاةٌ عِشْتُهَا
وَلِكُلِّ رَشْفَةٍ رَاشِفٍ بُرْهَانُهَا

وَكَأَنَّهَا الأَعْمَارُ تَمْضِي مِثْلَمَا
يَمْضِي إِلَى أَقْدَارِهِ فِنْجَانُهَا

وَلَعَلَّ مَا يَبْقَى مِنَ الذِّكْرَى هُنَا
عَبَقٌ يُخَلِّدُ عِطْرَهَا عُنْوَانُهَا

وَإِذَا سَأَلْتَ عَنِ الحَيَاةِ فَإِنَّهَا
كَالقَهْوَةِ السَّمْرَاءِ حَارَ بَيَانُهَا

فَمِزَاجُهَا حُلْوٌ وَمُرٌّ طَعْمُهَا
يَكْفِيكَ مِنْهَا - إنْ قَنِعْتَ - دُخَانُهَا

وَكَأَنَّ نَبْضَ القَلْبِ فِي غَلَيَانِهَا
وَكَأَنَّ رُوحِي فِي الهَوَى فِنْجَانُهَا

هَذِي صَبَابَاتُ القُلُوبِ جَمِيعُهَا
فِي قَطْرَةٍ فَاضَتْ بِهَا أَشْجَانُهَا

وَلَعَلَّ مَا يَبْقَى مِنَ العِشْقِ الَّذِي
سَكَنَ القُلُوبَ تُرِيحُنِي نِيرَانُهَا

وَيُعَوِّضُ اللهُ المُحِبَّ لِعِشْقِهِ
فَتَكُونَ خَاتِمَةَ العَذابِ جِنَانُهَا

05-12-2024

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...