العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - مقدمة

مقدمة


يُمثّل شعر الملحون أحد أهم التعبيرات الفنية التي صاغت الوجدان المغربي عبر قرون، بما يحمله من عمقٍ روحي، وثراء لغوي، وحمولة تاريخية وثقافية جعلته وعاءً لروح المجتمع ومراياه المتعدّدة، ورغم تعدد موضوعاته وتنوّع أغراضه بين الغزل والوصف والطبيعة والشكوى والحِكمة والموضوعات الاجتماعية، فإن المديح النبوي يظلّ الأصل الأرسخ لهذا الفن، والركن الذي تفرّعت عنه أغصان شعر الملحون، فلا يكاد يُعرف شاعر من الشعراء القدامى إلا وخلّد اسمه بعدة قصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى صار هذا الغرض بمثابة السِّمة الجوهرية التي رافقت نشأته وتطوّره، وعبّرت عن الرابطة الروحية العميقة بين المغاربة وسيرة النبي الكريم.
وفي هذا السياق العام، يبرز اسم الشيخ مبارك السوسي بوصفه واحداً من الأصوات الشعرية الناضجة التي أسهمت في إثراء شعر الملحون خلال القرن التاسع عشر. فقد عاش في زمن السلطان محمد بن عبد الرحمن (1859–1873)، وهي فترة عرفت نشاطاً ملحوظاً للشعراء والمنشدين، وتجدّدًا في تقاليد الأداء والمدرسة الفاسية ذات الامتداد العريق،
كان الشيخ يعمل "رحوي، لكنه حمل في داخله حسّاً فنياً شاعري دفعه إلى الإبداع في مختلف الأغراض، لاسيما الغزليات المعروفة عنه، مثل: “يوم الجمعة خرجو ريام” و “طال تيهانك يا محبوبي” و “سلبت عقلي زهرة” غير أن بصمته الفنية الأوضح كانت في مدح رسول و بناء نصوصٍ تتسم بالصفاء الوجداني، والتشبع بالصور الصوفية.
وتأتي القصيدة موضوع هذه الدراسة بوصفها إحدى أجمل تجارب مبارك السوسي في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهي قصيدة مرتبة على خمسة أقسام في 34 بيت متناسقة.
وتهدف هذه القراءة إلى تقديم مادة علمية تساعد على فهم شعر الملحون في سياقه التاريخي والفني، من خلال:
1. تقديم ترجمة موجزة تُعرّف بالشاعر وسياقه الاجتماعي والفني.
2. رصد خصائص القصيدة في مستواها اللغوي والرمزي.
3. تفكيك البنية الجمالية للقصيدة، وشرح صورها ومعانيها وأبعادها الروحية.
4. إبراز مكانة المديح النبوي في شعر الملحون، وكيف يجمع بين التقوى الشعبية والذوق الفني، وبين الإنشاد الجماعي والتلقي الوجداني
5. النص الكامل للقصيدة كما نقلا عن مخطوط بقلم الشيخ محمد دلال المراكشي المعروف ب الحسيكة.
إن استحضار شخصية الشيخ مبارك السوسي في هذا البحث ليس مجرّد استرجاع لاسم شاعرٍ من الماضي، بل هو محاولة لفهم جزء من ذاكرة الملحون، حيث مديح الرسول ليس غرضاً عادياً، بل هو لحظة صفاء، وفعل محبة، وامتداد لثقافة جماعية.



ترجمة الشيخ مبارك السوسي
وُلد الشيخ مبارك السوسي بمدينة فاس، وعاش في زمن السلطان محمد بن عبد الرحمن (1859–1873). وكان يشتغل رحّايّاً، أي صاحب الرحى الحجرية التي تُطحن بها الحبوب، وهي مهنة متوارثة في فاس القديمة.
وعاصر الشيخ عدداً من أعلام الملحون، مثل الغرابلي و بوخريص وبن سليمان و ولد أرزين.
وقد اشتهر الشيخ مبارك السوسي بغزلياته الوجدانية، ومن أشهرها: "يوم الجمعة خرجو ريام" و "طال تيهانك يا محبوبي" و "سلبت عقلي زهرة" … كما نظم في الوصف والطبيعة وفي المديح النبوي، ومن أبرز مدائحه قصيدته موضوع هذا البحث، وهي تندرج ضمن المديح النبوي، في ارقى تجلياته.
وقد تميز مبارك السوسي في هذه القصيدة بقدرته على التوفيق بين المعنى الروحي والصورة الفنية، فجاءت أبياته محمّلة بالتضرع والرجاء، ومبنية على إيقاعٍ موسيقيٍّ متينٍ، يعبّر عن عمق تجربته الإيمانية.
وسأعتمد في هذا الشرح على تفكيك البنية اللغوية والمعنوية للقصيدة، مع الوقوف عند الصور البلاغية التي عبّر بها الشاعر عن حبه للنبي الكريم، وكيف جعل من المدح وسيلة الرقي بالروح، ومظهراً من مظاهر الجمال الإيماني في الثقافة المغربية.

اليك النص الكامل للقصيدة
كُـلْ نُورْ منْ انْوارْ آلْهاشْمي كْـمٓـلْ
طٓـهٓ بٓحْرْ آلْوْفى ايْمامْ آلْفُضالة * نٓمْدٓحْ منْ صٓلٓى عْليهْ نعْم آلْعٓلي
لقسم الاول
بْـديتْ بٓسْمْ آلْغاني منْ لٓا يْـلو مْـثٓـلْ
وٓآسمْ ربي حْجابْ في كُلْ المْسألة * أسم الله فْٓالنْظام هِيّٓ فالي
فيهْ دٓرْتْ يْـقيـني وٓ عْـليهْ مٓـتْـكٓـلْ
وٓ آلِّي تُكْلُو عْلى الباري تٓعالٓى * يٓظْفٓرْ بٓالرّبحْ وٓ الْهْنٓى وٓمْسالي
قادْني وٓ هْـداني لٓـمْـناهْـجْ آلْغْـزلْ
نٓغْزٓلْ غٓزْلِي سْليسْ بٓالْفاظْ الْعٓمّالة * وجْعلني مدّاح النبي فى قوالي
حُـبْ عٓـيْـنْ الرّحْـمٓة في مُـهْـجْـتي نْـزٓلْ
عٓنْ مٓـدْحُ مٓا نْزولْ مولْ الرِّسالة * مٓدْحُ قوتي وْ راحْتي وٓ اشْغالي
القسم الثاني
صٓلّيوْ عْلى المٓرْسُولْ * بٓدْرْ الزّينْ المٓكْمُولْ * ما خلقْ اللهْ بْحالو
وٓعْلٓى راحٓتْ الٓعْقولْ * مُولْ السيفْ المٓنْزُولْ * هٓازمْ لٓعْدا بٓنْصالو
وٓعْلى الزّهْرٓة الْبٓثُولْ * طبْ الْقٓلْبْ آلْمٓعْلولْ * زوجة علي و حْلالو
بْـجاهْ مولايْ ادْريسْ التّايْـكْ آلْفْـحٓـلْ
وٓ رْجالْ مْدينْتُ وْ مُولٓى فٓشْتالٓة * مولٓى جٓبْلْ آلْعْلٓامْ وٓ آلْبٓقٓالِي
وٓ آلْمْـلٓايٓـكْ وٓ مٓا فٓالُّلوحْ مٓا نْـزٓلْ
نٓتْوٓسّلْ بيكْ ليكْ في كُلْ امْسالة * تٓسْتاجٓبْ دٓعْوْتي وٓسْئالي
احْـمٓـلْـتْ ذٓنْـب اكْـثيرْ آللّٓا يٓـنْـحْـمٓـلْ
انْتٓ آلْوٓفي وْ لٓا تْحافي بٓضْلٓالة * فاشْ يْجي ذٓنْبْ مٓنْ عْصاوْ ابْحالي
بْـجاهُّـمْ نٓـتْـوٓسّٓـل عٓنْ سايْـرْ الْأولْ
وٓبْجاهْ اوْلٓادْها وْجاهْ آلبودالة * وٓ الجيلالي وْ كلْ مٓنْهو وٓالي
القسم الثالث
صٓلّيوْ عْلٓى الْمُرْسالْ * طهٓ سٓيِّدْ لٓفْضالْ * وَ رْضَى اللهْ عْلٓى ءٓالُو
نُورُ ضٓوّا الٓهْلٓالْ * وٓ الزّهْرٓة وٓ الزُحالْ * وٓ الْمُشْتٓري بٓكْمالو
وٓ الْمٓرّيخْ الشّعالْ * لٓمْجٓلِّي عٓلْى الٓاطْلٓالْ * يٓسْطعْ مٓنْ حسْنْ اجْمالو
وٓ الْمْـضـيا شٓـرْقٓـتْ بٓانْـوارْ مٓـحْـتْـفٓـلْ
لٓبْساتْ مْنٓ الدْباجْ حُلة شٓعّالة * بٓرْزٓتْ في تاجْ وٓ الْجْبينْ ايْلالي
الصْـلٓى وٓ السّـلٓامْ عْـليهْ مٓـا نْـهٓـلْ
آلْوٓدْقْ مْنٓ السْمٓا مْزانو هٓطّالة * وٓ الرّعْدْ وْ ميضْ فالضْحٓى وٓ الْيٓالي
قٓـدْ الٓحْـصٓى وٓ عْـدادْ النّـحْـلْ وٓ النْـمٓـلْ
وٓمٓا غٓنّى وْ راجْ في كُل اعْمالة * وٓ عْشوبْ الْبيدْ فالرْبا وٓ رْمالي
قٓـدْ الٓحْجرْ وٓ عْـدادْ الشّٓـجْـرْ وٓ الغْـلٓـلْ
وٓ آلْبٓكْمْ الِّي تْسٓبْحْ وْ تٓتْغالة * وٓ عْدادْ الْوٓحْشْ آلْذِي فالمٓالي
القسم الرابع
مٓنْ تكْلُ فآلْمُتْعالْ * يٓبْلغْ قٓصْدُو وٓ يْنالْ * وٓيْفوزْ ابْما يٓزْهالو
مُولْ آلْملكْ الْقٓبّالْ * مٓنْ لٓا تٓراهْ انْجالْ * آلْمُولٓى جٓلْ اجْلٓالُو
يٓا غافٓلْ ردْ الْبٓالْ * وايٓنْ ذوكْ الْجُهالْ * وايٓنْ دٓقْيُوسْ وْ مالو
وِيـنْ قٓـيْـصٓـرْ وايٓـنْ شٓـدادْ مٓنْ اجْـهٓـلْ
وينْ النّٓمْرودْ في زْمانْ الجُهالة * غٓرْهُمْ يٓبْليسْ فالزمانْ الْخالي
ويـنْ قومانْ خْـرينْ شْـحالْ منْ قْـبٓـلْ
وايٓنْ شامٓة وْ سيفْ كانو خٓصّالة * وايٓنْ عٓبْلة وْ عٓنْثْرٓة الهْلالي
ويـنْ بٓـني هاشٓـمْ وٓ دْيابْ بٓنْ شْـبٓـلْ
وٓايٓنْهِي جازيٓة ارْماݣْ الْجٓفّالة * وينْ الْعشاقْ في بْـهٓى الٓغْـوالي
وٓايْـنْ جْـمالْ الدّينْ وْ سٓعْدْ بنْ دْبٓـلْ
وٓ الضاهٓرْ بينْهُمْ الٓحْكامْ اتْوالى * وايٓنْ مٓعْروفْ راكْبْ الْمٓلٓالي
مٓـا يْـدومْ إِلّا ربي شامْـخْ الْفْـضٓـلْ
وٓ الدنْيا ما تْدومْ اهٓلْها رحّالة * تٓعْطي وٓ تْعودْ بآلْمْرورة تالي
القسم الخامس
نٓتْوٓسّلْ لٓلْجٓليلْ * بإبْراهيمْ الْخٓليلْ * وٓ بْعيسٓى روحْ ادْخالُ
وْبٓآلْهادي الٓفْضيلْ * يٓعْمٓلْ لينا تاويلْ * مٓنْ هذْ آلْوٓقْتْ وْ حالُ
وٓسْلٓامْ اللهْ حْفيلْ * لٓابابْ الْفٓنْ جْزيلْ * وٓالْجاحدْ ما نٓصْغى لو
خوذْ يٓـا رٓاوي عٓـدْرة بٓـرْزاتْ في حْـلَـلْ
بْتٓرْصاعي خْتٓمْتْها بٓآلْبٓسْمٓلة * مٓنْ نورْ احمدْ خاتْمْ آلْأرْسالي
قالْ عبد الشرفا الٓمْـطٓـرْزْ آلْغْـزٓلْ
مْباركْ ما خْفى وْ منْ سوسْ سْلالة * رْجايا في الكْريمْ يٓجْبٓرْ حالي
طايعْ الشرْفة وٓ الطلبة اهْلٓ الفْضٓلْ
مْحٓبّتْهُمْ في حْشايا مٓزالة * في كُلْ احْوالْ وٓ الشْهورْ الْيٓالي
وٓ السْـلامْ نْـهيبُ ليهُمْ مٓرْتْسٓلْ
سْلامْ اللّٓا يْزولْ منْ غيرْ جْهالة * ما فاحْ آلْوٓرْدْ وٓ الزْهرْ وٓ غْـوٓالي
كُـلْ نُورْ منْ انْوارْ آلْهاشْمي كْـمٓـلْ
طٓـهٓ بٓحْرْ آلْوْفى ايْمامْ آلْفُضالة * نٓمْدٓحْ منْ صٓلٓى عْليهْ نعْم آلْعٓلي
كُـلْ نُورْ منْ انْوارْ آلْهاشْمي كْـمٓـلْ
طٓـهٓ بٓحْرْ آلْوْفى ايْمامْ آلْفُضالة * نٓمْدٓحْ منْ صٓلٓى عْليهْ نعْم آلْعٓلي
لقسم الاول
بْـديتْ بٓسْمْ آلْغاني منْ لٓا يْـلو مْـثٓـلْ
وٓآسمْ ربي حْجابْ في كُلْ المْسألة * أسم الله فْٓالنْظام هِيّٓ فالي
فيهْ دٓرْتْ يْـقيـني وٓ عْـليهْ مٓـتْـكٓـلْ
وٓ آلِّي تُكْلُو عْلى الباري تٓعالٓى * يٓظْفٓرْ بٓالرّبحْ وٓ الْهْنٓى وٓمْسالي
قادْني وٓ هْـداني لٓـمْـناهْـجْ آلْغْـزلْ
نٓغْزٓلْ غٓزْلِي بٓالْفاظْ الْعٓمّالة * وجْعلني مدّاح النبي فى قوالي
حُـبْ عٓـيْـنْ الرّحْـمٓة في مُـهْـجْـتي نْـزٓلْ
عٓنْ مٓـدْحُ مٓا نْزولْ مولْ الرِّسالة * مٓدْحُ قوتي وْ راحْتي وٓ اشْغالي
القسم الثاني
صٓلّيوْ عْلى المٓرْسُولْ * بٓدْرْ الزّينْ المٓكْمُولْ * ما خلقْ اللهْ بْحالو
وٓعْلٓى راحٓتْ الٓعْقولْ * مُولْ السيفْ المٓنْزُولْ * هٓازمْ لٓعْدا بٓنْصالو
وٓعْلى الزّهْرٓة الْبٓثُولْ * طبْ الْقٓلْبْ آلْمٓعْلولْ * زوجة علي و حْلالو
بْـجاهْ مولايْ ادْريسْ التّايْـكْ آلْفْـحٓـلْ
وٓ رْجالْ مْدينْتُ وْ مُولٓى فٓشْتالٓة * مولٓى جٓبْلْ آلْعْلٓامْ وٓ آلْبٓقٓالِي
وٓ آلْمْـلٓايٓـكْ وٓ مٓا فٓالُّلوحْ مٓا نْـزٓلْ
نٓتْوٓسّلْ بيكْ ليكْ في كُلْ امْسالة * تٓسْتاجٓبْ دٓعْوْتي وٓسْئالي
احْـمٓـلْـتْ ذٓنْـب اكْـثيرْ آللّٓا يٓـنْـحْـمٓـلْ
انْتٓ آلْوٓفي وْ لٓا تْحافي بٓضْلٓالة * فاشْ يْجي ذٓنْبْ مٓنْ عْصاوْ ابْحالي
بْـجاهُّـمْ نٓـتْـوٓسّٓـل عٓنْ سايْـرْ الْأولْ
وٓبْجاهْ اوْلٓادْها وْجاهْ آلبودالة * وٓ الجيلالي وْ كلْ مٓنْهو وٓالي
القسم الثالث
صٓلّيوْ عْلٓى الْمُرْسالْ * طهٓ سٓيِّدْ لٓفْضالْ * وَ رْضَى اللهْ عْلٓى ءٓالُو
نُورُ ضٓوّا الٓهْلٓالْ * وٓ الزّهْرٓة وٓ الزُحالْ * وٓ الْمُشْتٓري بٓكْمالو
وٓ الْمٓرّيخْ الشّعالْ * لٓمْجٓلِّي عٓلْى الٓاطْلٓالْ * يٓسْطعْ مٓنْ حسْنْ اجْمالو
وٓ الْمْـضـيا شٓـرْقٓـتْ بٓانْـوارْ مٓـحْـتْـفٓـلْ
لٓبْساتْ مْنٓ الدْباجْ حُلة شٓعّالة * بٓرْزٓتْ في تاجْ وٓ الْجْبينْ ايْلالي
الصْـلٓى وٓ السّـلٓامْ عْـليهْ مٓـا نْـهٓـلْ
آلْوٓدْقْ مْنٓ السْمٓا مْزانو هٓطّالة * وٓ الرّعْدْ وْ ميضْ فالضْحٓى وٓ الْيٓالي
قٓـدْ الٓحْـصٓى وٓ عْـدادْ النّـحْـلْ وٓ النْـمٓـلْ
وٓمٓا غٓنّى وْ راجْ في كُل اعْمالة * وٓ عْشوبْ الْبيدْ فالرْبا وٓ رْمالي
قٓـدْ الٓحْجرْ وٓ عْـدادْ الشّٓـجْـرْ وٓ الغْـلٓـلْ
وٓ آلْبٓكْمْ الِّي تْسٓبْحْ وْ تٓتْغالة * وٓ عْدادْ الْوٓحْشْ آلْذِي فالمٓالي
القسم الرابع
مٓنْ تكْلُ فآلْمُتْعالْ * يٓبْلغْ قٓصْدُو وٓ يْنالْ * وٓيْفوزْ ابْما يٓزْهالو
مُولْ آلْملكْ الْقٓبّالْ * مٓنْ لٓا تٓراهْ انْجالْ * آلْمُولٓى جٓلْ اجْلٓالُو
يٓا غافٓلْ ردْ الْبٓالْ * وايٓنْ ذوكْ الْجُهالْ * وايٓنْ دٓقْيُوسْ وْ مالو
وِيـنْ قٓـيْـصٓـرْ وايٓـنْ شٓـدادْ مٓنْ اجْـهٓـلْ
وينْ النّٓمْرودْ في زْمانْ الجُهالة * غٓرْهُمْ يٓبْليسْ فالزمانْ الْخالي
ويـنْ قومانْ خْـرينْ شْـحالْ منْ قْـبٓـلْ
وايٓنْ شامٓة وْ سيفْ كانو خٓصّالة * وايٓنْ عٓبْلة وْ عٓنْثْرٓة الهْلالي
ويـنْ بٓـني هاشٓـمْ وٓ دْيابْ بٓنْ شْـبٓـلْ
وٓايٓنْهِي جازيٓة ارْماݣْ الْجٓفّالة * وينْ الْعشاقْ في بْـهٓى الٓغْـوالي
وٓايْـنْ جْـمالْ الدّينْ وْ سٓعْدْ بنْ دْبٓـلْ
وٓ الضاهٓرْ بينْهُمْ الٓحْكامْ اتْوالى * وايٓنْ مٓعْروفْ راكْبْ الْمٓلٓالي
مٓـا يْـدومْ إِلّا ربي شامْـخْ الْفْـضٓـلْ
وٓ الدنْيا ما تْدومْ اهٓلْها رحّالة * تٓعْطي وٓ تْعودْ بآلْمْرورة تالي
القسم الخامس
نٓتْوٓسّلْ لٓلْجٓليلْ * بإبْراهيمْ الْخٓليلْ * وٓ بْعيسٓى روحْ ادْخالُ
وْبٓآلْهادي الٓفْضيلْ * يٓعْمٓلْ لينا تاويلْ * مٓنْ هذْ آلْوٓقْتْ وْ حالُ
وٓسْلٓامْ اللهْ حْفيلْ * لٓابابْ الْفٓنْ جْزيلْ * وٓالْجاحدْ ما نٓصْغى لو
خوذْ يٓـا رٓاوي عٓـدْرة بٓـرْزاتْ في حْـلَـلْ
بْتٓرْصاعي خْتٓمْتْها بٓآلْبٓسْمٓلة * مٓنْ نورْ احمدْ خاتْمْ آلْأرْسالي
قالْ عبد الشرفا الٓمْـطٓـرْزْ آلْغْـزٓلْ
مْباركْ ما خْفى وْ منْ سوسْ سْلالة * رْجايا في الكْريمْ يٓجْبٓرْ حالي
طايعْ الشرْفة وٓ الطلبة اهْلٓ الفْضٓلْ
مْحٓبّتْهُمْ في حْشايا مٓزالة * في كُلْ احْوالْ وٓ الشْهورْ الْيٓالي
وٓ السْـلامْ نْـهيبُ ليهُمْ مٓرْتْسٓلْ
سْلامْ اللّٓا يْزولْ منْ غيرْ جْهالة * ما فاحْ آلْوٓرْدْ وٓ الزْهرْ وٓ غْـوٓالي
كُـلْ نُورْ منْ انْوارْ آلْهاشْمي كْـمٓـلْ
طٓـهٓ بٓحْرْ آلْوْفى ايْمامْ آلْفُضالة * نٓمْدٓحْ منْ صٓلٓى عْليهْ نعْم آلْعٓلي
تمت القصيدة، إليك الشرح
كل نور من أنوار الهاشمي أكمل
طه بحر الوفا إمام الفضالة * نمدح من صلى عليه نعم العلي
الشرح اللغوي والمعنوي
كلمة الهاشمي تشير إلى النبي محمد رسول الله المنتمي إلى بني هاشم.
و يُبيّن الشاعر أن كل نورٍ في الكون، إنما يستمد كماله من نور الهاشمي، أي من النور المحمدي الذي كان أصل الأنوار، و يطلق عليه لقب "طه" وهي من الأسماء التي يُعرف بها النبي، ويصفه بأنه بحر الوفاء، وأنه إمام الافاضل، في هذا التصوير، يجعل الشاعر من النبي مرجع القيم الإنسانية العليا: الوفاء، الكرم، الرحمة، النور، والفضيلة، وخاتمة الحربة تضع الشاعر في مقام التواضع، فهو لا يمدح بقدرته الشعرية، وإنما يمتثل للأمر الإلهي بالصلاة على النبي، ويصف الله بـ"نعم العلي" تأكيدًا على أن المدح في الحقيقة عبادة وتسبيح، وليس غناءً وتسلية.
بديت بسْمْ الغاني من لا يْلو مْثلْ
وٓآسمْ ربي حجابْ في كل المسألة * أسم الله والنظام هِيّٓ فالي
يستهل الشيخ قصيدته بالبسملة وبذكر اسم الله تعالى، واضعًا هذا الذكر في مقام الحجاب الواقي والمفتاح الذي تُستفتح به المسائل وتُستنزل به البركات.
فالقصيدة من أول بيت تُعلن عن وجهتها الروحية، فهي مدحٌ صادقٌ لرسول الله، صادر عن قلبٍ ذاق حلاوة الذكر واليقين، فالبيت يُبرز التوحيد في أسمى صوره، و يجعل الشاعر اسم الله حجابًا وسندًا في كل ما يطلبه، أما قوله "فالنظام هيّ فالي" فالمقصود أن البسملة بها يستفتح نظم قصيدته
"فيه درتْ يقيني و عليه متكلْ" هنا يُعلن الشاعر عن يقينه الكامل بالله، فهو الذي يدور حوله إيمانه والإتكال عليه، في تجلٍّ من تجليات التوكل والرضا بالقضاء.
والي تُكلو على الباري تعالى * يظفر بالربح والهنى ومْسالي
يُقرّر قاعدة إيمانية: أن من يتوكل على الله ينل الربح والهناء، أي السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة.
قادني وهداني لمناهج الغزل * نغزل غزلي بالألفاظ العَمّالة
وجعلني مدّاح النبي في قوالي
ينتقل الشاعر هنا من الدعاء والتسليم إلى الحديث عن موهبته الشعرية، فيقرّ بأن الله هو الذي وهبه موهبة الشعر والهمه الى طريق الإبداع والتعبير الجميل. ، ومعنى “الألفاظ العَمّالة” أي الألفاظ الحية النشيطة المؤثرة في النفوس، وهي صفة جمالية تدل على براعة اللغة عند الشاعر، و هو يرى أن الله اختصّه بنعمة المديح النبوي، وجعل لسانه ينطق بمحبة الحبيب المصطفى.
حبّ عين الرحمة في مهجتي انزل
عن مدحة ما نزول مول الرسالة * مدحة قوتي وراحتي وأشغالي
في ختام هذا القسم، يبلغ الشاعر ذروة وجدانه، إذ يصف أن حبّ النبي نزل في مهجته كما تنزل الأنوار في القلوب، ويعتبر المديح النبوي قوته وغذاء روحه، وراحته، فهو يعيش بالمدح وللمدح ومن أجل المدح.
يمثل هذا القسم التمهيد الروحي للقصيدة، وفيه يضع الشاعر نفسه بين يدي الله ثم بين يدي الحبيب المصطفى، معلنًا أن الشعر عنده ليس ترفًا ولا تسلية، بل عبادة وجدانية، ومجالٌ لتجلي المحبة الصادقة التي تمزج بين الإيمان والفن.
شرح القسم الثاني
"صليو على المرسول، بدر الزين المكمول، ما خلق الله بحالو"
ينتقل الشاعر في هذا القسم إلى التوسل والمدح النبوي، موجّه الخطاب إلى السامعين، داعيًا إلى الصلاة على النبي، ثم يصفه بأوصاف الكمال، ويذكر رموز الاولياء الصالحين الذي يتوسل بهم إلى الله.
"وعلى راحت لعقول، مول السيف المنزل، عازم العدا بنصالو"
يصف الصحابي الجليل علي بن ابي طالب بأنه راحة العقول، أي باعث الطمأنينة والحكمة، وهو أيضًا الذي أُعطي الإذن بالقتال دفاعًا عن الدين.
وعلى الزهرة البترول، طب القلب المعلول، زوجة علي وحلالو
يمتدح هنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة الرسول الله، التي يصفها بـ"الزهرة البترول"، أي النورانية، المنيرة كالكوكب الباهر.
ويصفها بأنها طِبّ القلب المعلول، أي دواء الأرواح، وزوجة الإمام علي رضي الله عنه، فيجمع في بيت واحد بين طهارة النسب وسمو الروح.
بجاه مولاي إدريس التايك الفحل
و رجال مدينتو وْ مولى قشتالة * وْ مولا جبل العلام و البقالي
هنا يدخل الشاعر فضاء التوسل المغربي، فيذكر أولياء الله المشهورين:
مولاي إدريس مؤسس الدولة الادريسية، رمز الولاية والبركة.
مولى فشتالة ومولى جبل العلام وسيدي البقالي، وهم اقطاب الصوفية و رموز روحانية من مناطق مختلفة بالمغرب. كل واحد منهم يمثّل ركنًا من أركان الولاية في الذاكرة الشعبية المغربية.
و الملايك و ما فاللوح وما نزل
تتوسل بيك ليك في كل المسالة * تستجب الدعوتي وسئالي
يؤكد أنه لا يتوسل إلا لله وبحرمة رسوله، مع استحضار الملائكة واللوح المحفوظ، و قوله "بيك ليك" تعني: "أتوسل لله باسمه الاعظم".
احملت ذنب اكثير اللا ينحمل
انت الوفي ولا تحافي بضلالة * فاش يجي ذنب من عصاو ابحالي
يعبّر الشاعر عن توبته واعترافه بالذنب، فيقرّ أنه حمل من الذنوب ما لا يُطاق، لكنه يلجأ إلى شفاعة سيدنا محمد، الوفيّ الذي لا يردّ التائبين.
بجاههم نتوسل عن ساير الأول
وبجاه أولادها وجاه البودالة * و الجيلالي و كا منهو والي
يختم هذا القسم بتوسلٍ آخر يشمل ذرية النبي، وأولياء الله المعروفين بالمغرب، فالبيت يُظهر تأثر مبارك السوسي بالمدارس الصوفية المغربية التي تجمع بين حب النبي وآل بيته وأوليائه.
شرح القسم الثالث وهو من أجمل المقاطع تصويرًا، إذ يمزج فيه الشاعر بين الإشراق الكوني والمعنى الروحي في مدح النبي (ص).
صليو على المرسالْ * طه سيِّدْ لفضالْ * وَ رْضَى الله على ءالُو
يستهل الشاعر هذا المقطع بأمرٍ جماعي "صليو"، أي قولوا الصلاة على النبي، ويصف النبي بـ "طه سيد الفضال" أي: سيد أهل الفضل المرسل من رب العالمين
ثم يختم بـ "ورضى الله على آلو" أي على آله وأهل بيته، في إشارة واضحة إلى التعلق الروحي بأهل بيت النبوة الذين يمثلون الامتداد الطاهر للنور المحمدي.
نورو ضوّا الهلالْ * و الزهرة و الزوحالْ * و المشتري بكمالو
هنا يبدأ التشبيه الكوني: بالنور المحمدي أضاء الهلال والكواكب (الزهرة، زُحل، المشتري).
و المريخ الشعال * لمجلي على الاطلال * يسطع من حسن اجمالو
يواصل الشاعر رسم لوحته الكونية:
المريخ "الشعال" أي المتوهّج، "المجلي على الأطلال" أي البارز في الفضاء، يُشَبَّه هنا بالنجم الذي يخجل أمام نور الجمال المحمدي، إذ يسطع من حُسن إجماله أي من جماله المتكامل.
و المضيا شرقت بانوار محتفل
لبسات من الدباج حلة شعّالة * برزت في تاج و الجبين ايلالي
"المضيا" كوكب متوهج"، وقد "شرقت بانوار محتفل" أي تزينت وتجمعت في احتفال سماوي بظهور النبي محمد.
الصلى و السلام عليه ما نهلْ
الودق من السما مزانو هطالة * و الرعد وْ ميض فالضحى و اليالي
هنا ينتقل الشاعر من الفضاء الكوني إلى المناخ الطبيعي، حيث يدعو بالصلاة والسلام "ما نهل الودق" أي بقدر ما يسقط المطر من السماء، والتشبيه ب "الرعد والوميض" يوحي بالحياة والخصب.
إنه دعاء متصل بإيقاع الطبيعة، يربط بين التسبيح والظواهر الكونية.
قد الحصى و عداد النحل و النمل
وما غنى وْ راج في كل اعمالة * و عشوب البيد فالربا و رمالي
البيت يعبر عن المبالغة في الكثرة، إذ يجعل عدد الصلوات بعدد الحصى والنحل والنمل، وكل ما "غنى وراج في الكون، من الطيور إلى نسائم الطبيعة، ويضيف: "وعشوب البيد فالربا ورمالي" أي نباتات الصحارى والتلال والرمال، ليجعل الكون بأسره شريكًا في الصلاة على النبي
قد الحجر و عداد الشجر و الغلل
و البكم الي تسبح و تتغالة * و عداد الوحش الذي فالمالي
يتابع على نفس الإيقاع التكراري التصاعدي، لكن اللافت هنا قوله "البكم اللي تسبح وتتغالة"، أي الكائنات الصامتة التي تُسبّح الله بلغتها الخاصة.
اما القسم الرابع من القصيدة فيمثل انتقالًا عميقًا في الخطاب من المدح النبوي الكوني (في الأقسام السابقة) إلى التذكير بالمآل والاعتبار، أي لحظة التحول من الوجد إلى الوعظ، وهذا الأسلوب معروف في قصائد الملحون الديني حيث ينتقل الشاعر من التمجيد إلى الحكمة والخلاصة.
من تكلو فالمتعال * يبلغ قصدو و ينال * ويْفوز ابْما يزهالو
من توكل على الله المتعال (أي المتعالي عن كل نقص) حقق قصده وفاز بما يتمنى، هنا الشاعر يعود إلى نغمة الإيمان البسيط العميق، ويذكر بأن الاعتماد على الله هو أصل الفوز، ذن البيت دعوة للتوكل والتسليم المطلق لقدرة الخالق.
مول الملك القبّالْ * من لا تراه انجال * المولى جلْ اجلالو
"مول الملك القبّال" تعني مالك الملك الذي يقبل الثوبة عن عباده،
و"من لا تراه انجال" أي الذي لا تُدركه الأبصار، ثم يختم بـ"المولى جلّ إجلاله" أي عظُم قدره وتعالى شأنه.
هنا يتحدث الشاعر بلسان التوحيد الخالص؛ فبعد أن مدح الرسول في الأقسام السابقة، يذكّر أن الفضل كلّه لله وحده،
يا غافل رد البال * واين ذوك الجهالْ * واين دقيوس و مالو
الخطاب يتحول هنا إلى نبرة الوعظ المباشر، يا غافل، انتبه، ويسوق أمثلة من التاريخ القديم: "دقيوس" (ويقصد به غالبًا دقيانوس، ملك الروم في قصة أصحاب الكهف)، و"مالو" أي مآله ونهايته، يريد الشاعر أن يذكّر بأن من طغى أو جهل كانت له نهاية، وأن الغفلة عن الله سبب الفناء.
وين قيصر واين شداد من اجهل
وين النمرود في زمان الجهالة * غرْهم إبليس فالزمان الخالي
يواصل التذكير: أين قيصر، ملك الروم، وأين شداد بن عاد، الذي بنى "إرم ذات العماد" وتجبّر، كلاهما اندثر، والنمرود هو الملك الذي حاجّ إبراهيم في ربه، و الشاعر يصف زمنهم ب"الزمان الخالي"، أي الماضي المليء بالغرور،
ويقول: "غَرّهم إبليس" أي أوقعهم في الكِبر، فكان جزاؤهم الهلاك.
إذن الشاعر هنا يوظّف القصص القرآني والرموز التاريخية لتأكيد فناء الدنيا وزوال كل متكبر
البيت يحمل نغمة قرآنية قوية: "أين الذين من قبلكم، كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا؟
وين قومان خرين شحال من قبل
واين شامة وْ سيف كانو خصّالة * واين عبلة وْ عنترة الهلالي
وين أي: وأين غيرهم من الأمم السابقة التي هلكت قبلنا، هذه الصيغة التكرارية "وين" (أين) تُحدث إيقاعًا حزينًا يشبه عدّ المفقودين، وتخلق نغمة من الوعظ والتذكير بالموت.
هنا ينتقل الشاعر من الملوك إلى رموز القصص العربي:
"شامة" و"عبلة" رمزان للجمال والحب، و"عنترة الهلالي" (أي ابن شداد العبسي) رمز البطولة والفروسية.
المعنى: حتى رموز الجمال والقوة والحب زالوا، فلا خلود لجمال ولا للقوة و البطولة.
وين بني هاشم و دياب بن شبل
واينهي جازية ارماق الجفالة * وين العشاق في بهى الغوالي
يشير إلى بني هاشم و"دياب بن شبل" أحد فرسان سيرة بني هلال، في هذا السياق، الشاعر لا يقصد التقليل، بل يستحضر رموز القوة والنسب ليقول: حتى الأشراف والفحول زالوا، فلا بقاء لأحد إلا لله.
واين جمال الدين و سعد بن دبل
و الظاهر بينهم الحكام اتوالى * واين معروف راكب الملالي
يواصل ذكر الأسماء كرموز للجاه والحكم، الذين تعاقبوا ثم رحلوا، البيت يربط بين الدنيا والغرور، ويُظهر أن الملك والسلطة لا يدومان.
ما يدوم الّا ربي شامخ الفضل
و الدنيا ما تدوم هلها رحّالة * تعطي و تعود بالمرورة تالي
هذا هو بيت الحكمة المركزية في هذا القسم، خلاصة القول: لا يدوم إلا الله، وكل من ذكر من ملوك وعشاق وأبطال انتهوا، أما الخالق فهو الباقي سرمدًا، بيت ختام بليغ جدًا.
يستهل الشاعر هذا القسم الأخير بلغة التوسل بالأنبياء والصالحين تيمّنًا وتبرّكًا، و يذكر إبراهيم الخليل رمز التوحيد والصبر على البلاء، ثم عيسى روح الله الذي ارتبط اسمه بالرحمة والشفاء، وكأنّ الشاعر يستدعي بركات هذين النبيين ليكون ختام القصيدة محمولًا على نورهم.
وبالهادي الفضيل * يعمل لينا تاويل * من هذ الوقت و حالو
يُتبع الشاعر دعاءه بالتوسل بخاتم الأنبياء، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يشير إليه بلفظة الهادي الفضيل، وهي من أشهر صفات النبي في الملحون.
و"التأويل" هنا بمعنى التيسير والتفريج، أي ليُبدّل الله حال الأمة إلى الأفضل.
وينبّه الشاعر إلى الوقت وحالو: أي فساد الزمان وكثرة الفتن، وهو موضوع يتكرر في شعر الملحون خاصة في القرنين 18 و19 حيث عاش الشعراء تقلبات سياسية واقتصادية.
وسلام الله حفيل * لارباب الفن جزيل * والجاحد ما نصغى لو
يتوجّه الشاعر بالتحية إلى أرباب الفن، أي شيوخ الملحون ورواته.
كلمة حفيل تعني "كثير ووفير"، أي سلام وافر.
ويستثني الشاعر الجاحد: أي من لا يعترف بقيمة هذا الفن أو يستهين بتراثه، مؤكداً أنه لا يُلتفت إلى من ينتقص من أهل الملحون.
خوذ يا راوي عدرة برزات في حلل
بترصاعي ختمتها بالبسملة * من نور احمد خاتم الارسالي
يوجه الشاعر الخطاب للراوي، وهو المنشد، "العدرة" هي القصيدة نفسها، التي برزت "في حلل" أي ثوب جميل مزينة قصيدته.
ويعلن أنه ختمها ب البسملة، أي بما يليق بخاتمة قصيدة مدح، مستضيئًا ب"نور أحمد"، وهو وصف نبوي، تأكيدًا على طابع القصيدة الروحاني.
هذا المقطع من أجمل ما في القسم الخامس من حيث البلاغة والبناء الفني.
قال عبد الشرفا المطرز الغزل
مبارك ما خفى و من سوس سلالة * رجايا في الكريم يجبر حالي
هنا يُصرّح الشاعر باسمه على طريقة شيوخ الملحون، و يحدد هويته: "مبارك ما خفى ومن سوس سلالة"
ويعود إلى لغة التوسل: رجايا في الكريم يجبر حالي
طايع الشرفة و الطلبة أهل الفضل
محبتهم في حشايا مزالة * في كل أحوال و الشهور اليالي
يُعلن الشاعر ولاءه لأهل "الشرف" و"الطلبة" و"أرباب الزوايا" وهي الفئات التي كان لها دور كبير في رواية الملحون وحفظ تراثه الديني والروحي، و"محبتهم في حشايا مزالة" تعني أنها متجذرة في القلب لا تزول، ويؤكد هذا الثبات بالتعبير: "في كل أحوال والشهور والليالي"، وهو تركيب تقريري يعزز معنى الدوام والاستمرار.
السلام نهيبو ليهم مرتسل
سلام اللا يزول من غير جهالة * ما فاح الورد و الزهر و غوالي
يختم القصيدة بخاتمة كلاسيكية في المدائح، بسلام دائم لا يعتريه نقص ولا يزول، مرتبط بعطر الورد والزهر، وهي عادة استعارات تُستخدم لربط معنى السلام بالبهاء والجمال والنقاء، و"مرتسل" أي جارٍ ومتدفق.
الفقرة الختامية
تكشف هذه القراءة التحليلية لمديحية الشيخ مبارك السوسي عن مستوى النضج الذي بلغه شعر الملحون في منتصف القرن التاسع عشر، من حيث بناؤه الإيقاعي ودلالاته الرمزية. فقد قدّمت القصيدة نموذجًا يجمع بين صرامة الصياغة وجمالية المرجعية الروحية، بما يعكس استمرار التقليد الملحوني في إطار رؤية صوفية واضحة.
وتبيّن الدراسة أن الشاعر لم يتعامل مع المديح باعتباره غرضًا فنيًا فحسب، بل بوصفه فضاءً تعبيريًا يُجسّد الوجدان الجماعي ويعيد إبراز المكانة القدسية للنبي صلى الله عليه وسلم في الوعي المغربي. كما أسهم اعتماد المرمة الثلاثية في منح القصيدة انسجامًا موسيقيًا يليق بالمقام الروحي للنص.
وتبرز أهمية هذه المديحية في قدرتها على تحقيق توازن بين اللغة البسيطة والرمز العرفاني، مما يؤكد خصوصية الملحون كفن يجمع بين التداولية الشعبية وعمق الدلالة. وبذلك تغدو القصيدة وثيقة فنية تُظهر كيفية حضور الخطاب الديني داخل الشعر العامي، وإعادة صياغة المعاني الصوفية في قالب فني ميسر.
كما يتأكد أن المديح النبوي يشكّل أصل التجربة الملحونية، ومحورها الروحي الذي غذّى إبداع الشيوخ عبر العصور. وتندرج قصيدة السوسي ضمن هذا الامتداد التاريخي، مؤكدةً الوظيفة التعبدية للملحون وارتباطه بالطقوس الجماعية المرتبطة بالزوايا والمواسم والمولد.
وبذلك لا يقتصر هذا العمل على شرح النص، بل يسعى إلى ربطه بسياقه الثقافي والديني، وتحليل آلياته الفنية، وفتح آفاق لدراسات مستقبلية تقارن بين مدائح المدارس الملحونية المختلفة، وتبحث في دور هذا الفن في حفظ الذاكرة الدينية للمغاربة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...