مقابلة أرمنية مع "اليف شفق" حول روايتها: لقيطة ستانبول/ اسطنبول خاشيك موراديان: حديث عن تركيا "حوار مع أليف شفق" النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود


أليف شفق


في 21 أيلول، برأت محكمة تركية الكاتبة الأكثر مبيعًا أليف شفق، المتهمة بـ"إهانة الهوية التركية insulté la turcicité"، لعدم كفاية الأدلة. كان هذا انتقادًا صريحًا للسياسة الرسمية المتمثلة في إنكار مجازر عام 1915. كانت أليف شفق تواجه عقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات بسبب فقرة في روايتها الأخيرة "بابا وبيك" Baba ve Pic : باب والصورة " المترجم " (المترجمة إلى الإنكليزية The bastard of Istanbul بعنوان "لقيطة ستانبول Le bâtard d'Istanbul " بالفرنسية).
( ثم أسقطت التهمة عنها، كما تذكر في نهاية روايتها هذه، في الترجمة العربية لها" ص 480" من قبل الدكتور محمد درويش،،منشورات دار الآداب، بيروت،ط2، 2015، وقد صدرت روايتها بالانكليزيةن سنة 2007. والتي سنتعرض لها لاحقاً، المترجم: إ. محمود )
فيما يلي مقابلة مع أليف شفق من أوائل عام 2006؛ نُشرت مقتطفات منها في مقال نُشر على موقع Znet . نُشرت النسخة الأرمنية من المقابلة في موقع Aztag، بترجمة لويز كيفر.

خاشيك موراديان: أخبريني كيف بدأ اهتمامك بالقضية الأرمنية. أعلم أن والدتك كانت دبلوماسية تركية في أورُبا في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان الدبلوماسيون الأتراك يُستهدفون...
أليف شفق: هذا صحيح. لقد نشأتُ على يد أم عزباء، وأعتقد أن ذلك لعب دورًا في نظرتي للعالم. كنا في مدريد، إسبانيا، عندما بدأ الجيش السري لتحرير أرمينيا (ASALA) باستهداف الدبلوماسيين.

خ: إذن، في رأيك، ارتبطت كلمة "أرمني arménien " بمن يحاولون قتل الدبلوماسيين لسبب ما.
شفق: نعم، ما يُقابل كلمة "أرمني" هو: "إرهابي يريد قتل والدتي un terroriste qui veut tuer ma mère ".

خ:وكيف تطور هذا التعريف لكلمة "أرمني" على مر السنين؟
شفق:يجب أن أقول إنني ضد جميع أنواع الأنشطة الإرهابية، بغض النظر عن دوافعها. لذلك، ظللتُ دائمًا معارضة لأنشطةASALA .مع ذلك، لم أصبح قوميًةومؤيدة للدولة كما يفعل معظم أبناء الدبلوماسيين. ربما لأنني كنت دائمًا "فضولية curieuse "، مهتمة بالسؤال البسيط: لماذا؟ لماذا كل هذا الغضب؟
بعد هذه المرحلة العاطفية، بدأتُ بالقراءة، وكلما قرأتُ أكثر، ازداد فضولي. ولكن بعد قدومي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بدأتُ بالتركيز الكامل على هذا الموضوع ومواصلة بحثي.
لطالما كنتُ محظوظة بوجود أصدقاء جيدين يشاركونني قصص عائلاتهم. أعتقد أن الروايات الشفهية والقصص الشخصية لا تقل أهمية عن الوثائق المكتوبة في حفظ تاريخ الأمة.

خ:: ما كان رد فعل والدتك عندما رأتك تتدخلين في القضية الأرمنية؟
شفق: والدتي قلقة. إنها تحترم عقلي وقلبي، ومع ذلك فهي قلقة للغاية؛ إذ أنها تخشى أن أتعرض للملاحقة القضائية أو المضايقة أو الدعاوى القضائية بسبب آرائي. إنها تدعمني، وفي الوقت نفسه تقول لي: "كوني حذرة Fais attention ".

خ: تُولين أهمية كبيرة للتاريخ الشفاهي. سُجِّلَ وكُتِبَ الكثير منه عن الناجين الأرمن - أجداد الجيل الحالي وجداته. ماذا ينبغي أن يقول أجداد من يعيشون في تركيا اليوم؟ ما مدى أهمية قصصهم في تركيا؟

شفق: أعتقد أن للجدات دورًا بالغ الأهمية لم يُعرِفه كلا الجانبين اهتمامًا. كما تعلم، تيتم مئات الآلاف من الأطفال والفتيات الصغيرات بعد عام ١٩١٥. بقي معظمهم في تركيا حيث اعتنقوا الإسلام وتُركوا. كثيرون لديهم جدات أرمنيات لكنهم لا يعرفون ذلك؛ من المهم الكشف عن هذه القصص احترامًا لهؤلاء النساء، ولأنها تُميط اللثام عن الحدود القومية وتُجَسِّر الانقسام.
قد يُنت الأتراك القوميون الغاضبون من الباحثين من "خارج" تركيا لو سمعوا القصة نفسها من جدتهم، من "داخلها".

خ: قبل بضع سنوات فقط، كان من غير المعقول التحدث بهذه الصراحة في تركيا عن الأرمن المتأسلمين، ناهيك عن الكتب المنشورة أو المقالات المكتوبة حول هذا الموضوع. هل يمكنك التحدث قليلاً عن التغييرات التي حدثت في تركيا خلال السنوات العشر الماضية؟
شفق: هناك تغييرات جوهرية تجري خلف الكواليس في تركيا. أحيانًا، في الغرب، تبدو تركيا أكثر وضوحًا وشفافية مما هي عليه في الواقع. لكن الحقيقة هي أن المجتمع المدني متعدد الأوجه وديناميكي للغاية؛ وخاصةً في العقدين الماضيين،وقد شهد تحولات جذرية. كان مؤتمر الأرمن في ستانبول عام ٢٠٠٥ نتيجة لهذه العملية. في تلك الأيام، نشرت صحيفة شهيرة عنوانًا رئيسة: "حتى أنهم نطقوا بكلمة "غ"، لكن العالم لم يتوقف". وكتبت صحيفة أخرى: "لقد كُسِر أحد المحرمات الرئيسة". بعد المؤتمر، استمرت النقاشات العامة: يناقش الناس هذا الموضوع كما لم يفعلوا من قبل. تكمن المشكلة في أنه كلما زاد التغيير، ازداد الذعر بين أولئك الذين يريدون الحفاظ على الوضع الراهن.

خ: لكن التغييرات الحالية غالبًا ما تُفسَّر كجزء من توجه أوسع لتغيير تركيا، بهدف الانضمام إلى الاتحاد الأورُبي. كيف سهّلت فرصة الانضمام إلى الاتحاد الأورُبي هذه العملية؟ وهل كان مؤتمر مثل مؤتمر ستانبول ليُعقد لولا ذلك؟
شفق: إن سعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوربي عملية مهمة للقوى التقدمية، داخل البلاد وخارجها. أؤيد هذه العملية بشدة، وأرغب في أن تكون تركيا جزءًا من الاتحاد الأوربي. ستعزز هذه العملية برمتها بالتأكيد الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات في البلاد. كما ستقلل من دور جهاز الدولة، والأهم من ذلك، من شبح القوة العسكرية في الساحة السياسية.

خ:: ما الذي يدفع كاتبة/أكاديمية متمكنة إلى خوض غمار عالم محظور في بلدها؟ أعني، تلقيتِ رسائل كراهية وتهديدات. يفضل العديد من المثقفين الانصياع للوضع الراهن، أو على الأقل محاولة تغييره تدريجيًا. ما الذي يدفعكِ إلى هذا الحد من الالتزام بمعارضة التيار؟
شفق: أنا راوية قصص. إذا لم أستطع "الشعور" بآلام الآخرين وأحزانهم، فمن الأفضل لي أن أتخلى عما أفعله. لذلك، بالنسبة لي، هناك جانب عاطفي في حقيقة أنني لطالما شعرت بالارتباط بمن يتعرضون للرفض والإسكات، بدلًا من من هم في مركز الاهتمام. هذا هو النموذج الذي أتبعه في كل رواية من رواياتي: أتناول اللاوعي في المجتمع التركي.
يجب أن أقول أيضًا إن أحداث عام ١٩١٥ ليست حالة معزولة تمامًا بالنسبة لي. بمعنى آخر، يرتبط الاعتراف بأحداث عام ١٩١٥ بحبي للديمقراطية وحقوق الإنسان. أنا من أتباع المفكر ابن خلدون، الذي قال إن للمجتمعات دورة حياة - تولد، وتمر بمرحلة الطفولة، ثم تشيخ، وهكذا. لن يصل المجتمع التركي إلى مرحلة النضج ما لم يواجه ماضيه. إن فقدان الذاكرة الجماعي يُولّد أنواعًا جديدة من الفظائع والانتهاكات. أعتقد أن الذاكرة مسؤولية. إنها نتيجة ضميري بقدر ما هي خيار فكري.

خ:: تتناول روايتك الأخيرة، "لقيطة ستانبول"، القضية الأرمنية. ما الرسائل الرئيسة التي ترغبين في إيصالها للقارئ من خلال هذه الرواية؟
شفق: تنتقد الرواية بشدة البنى الجنسية والقومية في المجتمع التركي. تروي قصة أربعة أجيال من النساء في ستانبول. في مرحلة ما، تلتقي القصص حول قصة امرأة أرمنية، ثم قصة عائلة أرمنية أمريكية. تدور أحداث هذه العائلة في سان فرانسيسكو، واستخدمتُ عائلة ستانبول كمرآة. في جوهرها، تشهد الرواية على الصراع بين فقدان الذاكرة والذاكرة. تتناول أحداث الماضي المؤلم، فرديًا وجماعيًا.

خ: أنا متأكد من أنك تقابلين العديد من الأرمن الذين يطرحون عليك أسئلة؛ هل تُعدّين تجربةً مُريحةً للأرمني أن يتحدث إلى شخص من أصل تركي يفهم معاناة أجداده؟ كيف تُجيب عادةً؟
شفق: أُفاجأ دائمًا بنبرة الامتنان التي ألمسها في رسائل البريد الإلكتروني والرسائل التي أتلقاها من الأرمن في الشتات. أتلقى ردودًا مُلهمة ومؤثرة للغاية. أحيانًا يبدأون بكتابة: "لم أشعر أبدًا برغبة في شكر تركي من قبل..." أو أتلقى رسائل بريد إلكتروني بعنوان: "لم أكتب إلى تركي من قبل Jamais écrit à un Turc avant "
بدأ عدد متزايد من الأرمن بحضور قراءاتي ومحاضراتي، ودائمًا ما يكون هناك توتر طفيف مع الأتراك بين الحضور، ولكن أيضًا نقاشات شيقة للغاية. بالنسبة لي، ما يهم حقًا هو فتح قنوات الحوار. أعتقد بصدق أن لدينا الكثير لنتعلمه من بعضنا بعضاً.
ولكن هناك شيئاً آخر أودّ إضافته. أحيانًا يأتي إليّ الأرمن ويقولون: "أنت تنتقدين جميع أنواع القومية، لكن القومية الأرمنية تختلف عن القومية التركية". أنا أحترم الاختلافات. مع ذلك، أرى أن جميع الإيديولوجيات القومية تلتقي في مكان واحد. لا أعتقد أن حل أحد أشكال القومية يكمن في قومية أخرى. بمعنى آخر، لا أعتقد أن القومية التركية يمكن موازنتها بالقومية الأرمنية، أو العكس. أعتقد أننا بحاجة ماسة إلى نهج متعدد الثقافات، عالمي، وديمقراطي، يتحدى في نهاية المطاف جميع أنواع الحدود الدينية والقومية.

خ:: أود أن نتحدث قليلًا عن مسألة الهوية. كيف يُنظر إلى الهوية التركية في تركيا، وكيف يمكننا مواجهتها؟
شفق: تُعتبر "الهوية التركية" هويةً عليا، تشمل جميع أنواع الجماعات العرقية والأقليات. أعلن الكماليون أنه طالما أنك تُعلن نفسك تركيًا، فهذا يكفي. وبالتالي، تختلف القومية التركية اختلافًا كبيرًا عن القومية الألمانية، على سبيل المثال، حيث يُمثل العرق أهمية بالغة. في تركيا، النموذج الفرنسي أقرب. لدينا سياسة اندماج ثقافي. لقد ترَّكنا الثقافة، والشعب، واللغة.
وأنا من الكُتّاب القلائل الذين يرفضون صراحةً تتريك اللغة. لا أستخدم التركية "الخالصة"؛ بل أُعيد الكلمات التي طردها الإصلاحيون الكماليون من لغتنا، ولهذا السبب يشعرون بالغضب والمرارة تجاه رواياتي. يتهمونني بخيانة المشاريع الوطنية. وبطبيعة الحال، كان بناء الثقافة مهمة بالغة الأهمية للنخبة الإصلاحية التركية.

خ:: وكما تقولين كثيرًا، فقد فُقد الكثير في عملية التتريك. هل توافقين على أن احتضان الماضي بـ"أحزانه" و"وديكوره/ مكياجه" سيُعطي تركيا صورة عالمية؟
شفق: إن احتضان الماضي، بجمالياته وجراحه، سيمنحنا، قبل كل شيء، شعورًا بالاستمرارية. نحن اليوم أمة مبنية على تمزق. كيف يُمكننا أن نبني أسسًا متينة إذا كان هناك تمزق؟ أراد العديد من الكماليين أن يبدأ التاريخ من عام ١٩٢٣، يوم وصولهم إلى السلطة. عندما تكون هناك استمرارية، يمكن للمعرفة أن تتدفق من جيل إلى جيل. يمكننا أن ننضج ونتعلم من أخطائنا.
كان انتقال تركيا إلى دولة قومية انتقالًا من ماضٍ متعدد الأعراق واللغات إلى دولة قومية متجانسة homogène. لقد حان الوقت الآن لدخول مرحلة ثالثة: الاعتراف بالخسائر وإعادة اكتشاف قيمة التعددية.

خ:: مع ذلك، سيقول القوميون إن مواجهة الماضي، وخاصة جراحه - كالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن مثلاً - من شأنها أن تهز أركان تركيا. ما موقفك من هذا؟
شفق: لو تمكنّا من مواجهة الفظائع المرتكبة ضد الأقلية الأرمنية، لكان من الصعب على الدولة التركية ارتكاب فظائع ضد الكُرد. لو تمكنا من مناقشة انتهاكات حقوق الإنسان بصراحة بعد كل انقلاب، لكان من الصعب تكرارها. لا يمكن لمجتمع قائم على فقدان الذاكرة أن يمتلك ديمقراطية ناضجة.

خ:: يصف البعض نعوم تشومسكي بأنه "المواطن الأكثر فائدة لأمريكا". ومع ذلك، غالبًا ما يُعتبر معاديًا لأمريكا، بينما هو في الواقع يتحدث عن أمريكا أفضل وعالم أفضل. بناءً على تجربتك الخاصة، ما هو شعورك عندما تُوصف بأنك عدو لتركيا؟
شفق: الخطاب القومي في تركيا، تمامًا كما هو الحال مع الخطاب الجمهوري في الولايات المتحدة، يفترض أن انتقاد الحكومة يعني عدم حب الوطن. هذا كذب. فقط عندما يُقلقك موضوع ما، تُفكر فيه وتُوليه اهتمامًا أكبر. أنا قلق على تركيا. يؤلمني أن أُتهَم بـ"كراهية بلدي haïr mon pays". هناك مقالات وافتتاحيات في وسائل الإعلام التركية تهاجمني وتصفني بـ"التركية المزعومة". يا له من تناقض! عادةً ما يقولون "ما يُسمى بالإبادة الجماعية للأرمن". والآن يقولون أيضًا "ما يُسمى بالأتراك les soi-disant Turcs ".

خ:: بصفتك شخصًا عاش في تركيا وخارجها، ودرس ماضيها، ويعيش حاضرها، ويعمل بنشاط على مستقبلها، ماذا تعني لك تركيا؟
شفق: هذا سؤال صعب. أشعر بارتباط كبير بأشياء كثيرة في تركيا، وخاصة ستانبول. المدينة، وعادات النساء، وعالم الخرافات الساحر، وعالم جدتي الساحر، وإنسانية والدتي، ودفء وصدق الناس بشكل عام. كل هذا عزيز عليّ. لكن في الوقت نفسه، لا أشعر بأي صلة بأيديولوجيتها الرئيسة، أو هيكل دولتها، أو جيشها.
أعتقد أن هناك تيارين أساسيين في تركيا، كلاهما قديم جدًا. أحدهما قومي، إقصائي، كاره للأجانب، ورجعي. والآخر عالمي، صوفي، إنساني، وشامل. أشعر بالانتماء إلى التيار الثاني.

خ:: ما شكل تركيا الذي ترغب في رؤيته في عام ٢٠١٥؟
شفق: تركيا عضو في الاتحاد الأورُبي. تركيا لا تُقتل فيها النساء باسم "شرف العائلة l'honneur de la famille ". تركيا لا تمييز فيها على أساس الجنس أو انتهاكات ضد الأقليات. تركيا لا تُعادي الأجانب أو المثليين؛ حيث يُعامل كل فرد بالتقدير نفسه الذي يُعامل به انعكاس وجه الله، جماله.

Khatchig Mouradianarler de la Turquie "Une conversation avec Elif Shafak"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...