حسن الرحيبي - عندمَا غَنّىٰ أبي ...

تغْريدَةُ أبي The Tweet of My father : أوْ عندمَا صَدَح أبي بالغناء :

لقد كان أبي كغيْره منَ الآباء في زمانه مُتحفّظين ، لا يُبدونَ أيّ نوْعٍ من النّزق أوْ اللّهو أوْ الكلام الزّائد ، وذلك حِرصاً منْهمْ على إعْطاء المثال الحَسن والإيجابي للْأبناء ؛ حتّى كان يبْدو وكأنّه لا يضـحك ولا يبْتسم ، ولا يتكلّم إلاّ في الأشياء الجادّة والمهمّة خاصّةً ما يتعلّق بالزراعة ، والتّنبّؤ بمسار السنة الفلاحية ، وحاجة الأرض للْأمطار ، أو في بعض المسائل القانونية التي تهمّه ، كلّ هذا جعلَ الأبـناء في نقْص من الحنان والمُداعبة والتّسْلية ، وهو ما نجدُ بعضاً منهُ لدى الأُمّ الّتي نلْجأُ لها مساءً الْتماساً لرواية بعض القصَص الّتي تتكرّر كلّ مساء دونَ أي شعور بالملَل ، مثل حكاية " هيْنة " " والمْعيزَة وبَلْكورْ " ، و " حـديدّان " و " حْمْيْمْصة " وغيْرها ، في وقت كانَ فيه غياب تامّ للسينما والتلفزٓيونْ بلْ الرّاديو . ممّا جعل هذه الحكايات تُشكّلُ الطّريقة الوحيدة للتّسْلية ! بينما كانتْ جدّتي " مّي حـليمة " تدورُ رواياتها حوْل الماضي ، والصّعوبات التي كانواْ يُلاقونها خلال المجاعات ، وحرْكات السّلاطين ، وأيام السيبة ، وكذلك الحِكَم والعِبر المُسْتخلَصة من الأحداث . وكيفية اكْتساب المهارات الضرورية للْعيش ، مثل النّسيج والطبخ حسب معايير ذلك الزمان ، خاصةً طبخ الكُسـكس والبغـرير ، وحفظ السّمن في جرار خاصّة ، وهي مهارات Des habiletés لا يُمكن أنْ تكون للْمرأة ، وخاصةً العروس قيمة إلّا إذا أتْقنتها ، وتلكَ معايير لا زلْنا نحـتفظُ بها في تذوّق الأكـل ، إلى اليوْم ، بحيث لا نستلذّ الوَجبات إلّا وفـقاً لتلْكَ التّصورات التّقليدية الأصيلة .
أمّا أبي فكانتْ أوقاته يقضي جُلّها خارجَ البيْت لرعاية المواشي ، وجمْع الحشائش ، والإعْتناء بالمزروعات المُتفرّقة ، بسبب تعدّد الشّركاء الذين كان يتفقُ معهمْ لاستغلال أراضيهمْ مُقابل اقتسام المحـصول مُناصفةً بين الطّرفيْن ، دونَ تحمّل الطّرَف الثاني مخاطر الظّروف ، كالجفاف والجراد وضرائب التّرْتيب و " الأُذْن " ( أيْ ضرائب الأطفال الّذين تجبُ عليْهمْ عندما يسْتطيعونَ بلوغ أُذنهمْ بأيديهمْ منْ خلاف ، وهي ضريبة اخترعها الإستعمار الفرنسي لاستنزاف الأهالي ) ، وهوَ ما كانَ يجْعلُ الآباء دائمي القلَق والترقّب والتّحسّب ، إلى أن تنْتهي جميعُ مراحل الزراعة ! ولا بدّ من تنويع الأنشطة والمهارات حتى يسْتطيعونَ التّغلّب على صُعوبات العيْش .
ذاتَ يوْم من أيّام صيـف بداية السّتينات ، رافقتُ أبي إلى بُستان التّين ، الّذي أصـبحَ يملكُ ثُلُثه بفضل عُرْف الغرْس أو المُغارسة ، أيْ غرْس الأرض بأنواع من الأشجار المُثمرة بما فيها الصّبار ، أو التّين الشّوْكي مُقابلَ ثُلُث الأرض والمغْروس . لقدْ كان المحْصولُ وافراً تلـك السّنة : أنواع مختلفة من التين الأسود والأبيض والبنّي والأخْضَر ، كلّ نوْع باسمٍ يميّزه : الكحّولي والبيّوضي والخالـدي ، وعيْن الحَجْلة والشّتْوي والشّيْظْمي ، وغيرها من الأنواع التي يختلفُ ذوقها وعُشاقها ، الّذين لا تخـلو غاراتُهمْ الّليْلية منْ خسائر تجعلُ أبي يُغلق جميع المنافذ ، مع الحِرْص على تتبّع آثار الأحذية المرسومة حوْل شجرة التّين والتعرّف على بعـض أصْحابها ! دونَ نسيان إرْسال إناء من أنواع التّين المُختار والجيد المُنتقاة بعناية ، لصاحب الأرض الأصلي ، وهو منْ وُجهاء المنْطقة وأغـنيائها .
ابْتهج أبي لما رآه منْ محاصيل تدلتْ من بين الأوراق الخضراء الزّاهية ، مثل ثريات الذّهب ، كما تقاطرتْ حبّاتها بقطَرات من العَسل الشّهية . واغْتبطَ لنتيجة اجـتهاده وحُسن رعايته وكَرَم العناية الإلهية ، كما انْتعشَ بفعل نسيم رياح صيـفية تهبّ من الشمال الغربي حاملةً معها عِبْق البحْر ورُطوبته المُنعشة . فانْفجرَت قريحته الفنّية التي لم نكن نعلم عنها شيئاً . بل ظلّت هذه الملَكة الرّبّانية مختبئة في تلافيف التقليد وما تقتضيه من حشمة وتَقية وتحفّظ . فانطلقَ صادحاً بغناء ، أدْهشني وجعلني أُنصتُ دون تدخّل مخافةَ إفـساد لحْظة منَ النّشْوة والإنْشراح قلّما تجودُ بها قريحة شخـص دائم الحُزْن والتّأمّل والتّخطيط لمُستقبل عصيّ المنال : آوينْ آوينْ آوينْ ، لحْن جميل منْ عصْر آخر منْ أبٍ لمْ أتعوّد منه إلّا الجِدّ والصّرامة ! أفشيتُ السرّ الكنون لإخوتي ففغروا أفواههم متعجبين من مخلوق لم نتعوّد منه سوى الحزن وشدّة المراس . لكن عرفتُ منْ خلال ذلك أنّ صمتَ أبي لا يرجع لطبيعة فيه ، وإنما فقطْ لانـشغاله المستمرّ بهمومه العائلية وظروفه الإجتماعية والإنسانية . لمْ أعرفْ أبي إلاّ كهلاً جاوزَ الخمسين ، ولمْ يحـكِ لنا أبداً عن فترة صِباه وشبابه ، كما نفْعل نحْن مع أبنائنا ، بحيْثُ لا نُخفي عليهمْ أيّ شيء ، إلّا ما نعجز على ترجمته إلى حكايات بسبب الحميمية ومخافة الإحْراجْ !
مرّةً أُخرى ، واعتقاداً مني بأنّ نفْس الظروف قد توفّرتْ ممّا قدْ تتحرّكُ معهُ قريحة أبي الغنائية ، وهو ما جعلني أطلب منه ترديد الأغنية السّابقة إعتقاداً مني أن الديك يمكن أن يُكرّر وضع بيضَته الذّهبية مرةً أخرى . لكن هيهات . فلا يمكن أن تضَع رجلك في نفس النهر مرتين ! حسب تعبير الفيلسوف الكبير هيرقليطس ! بل ولو مرّة واحدة حسب ما علّمتنا إياه ظروف الحياة وقسوتها . وبيْنما أنا أنتظرُ صُدوح الحُنجرة الذهبية الأصيلة بأغنية منْ زمان آخر . جاءتني صَفْعة قوية لمْ أتبين أي يد منْ أيدي القَدر أرسلتها لي ! وبدون الدخول في نوْبة من البكاء ، فهمتُ أنّ لحظات الإشراق لا تأتي إلّا لِماماً كرغبة منبعثة من أعماق حزينة وفي نفْس الوقْت مُنتشية ، ولا تأتي حسب الطّلب ورغبات المُستمعين ، إنّها كبيْضَة الدّيك لا تحدثُ إلّا مرةً واحدة في العُمْر مع ضَرُورة توفّر أُذن من ذهب أو منْ يُحسنُ الْتقاطها !

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...