بديع الزمان السلطان - بـراءةٌ للمُتَنبّي...

القصيدة المشاركة في مهرجان المقالح الشعري:


يغشاكَ ما يغشى النَّبِيَّ فتأْرَقُ
وتُدَثِّرُ الشَّكَّ الذي يتزندَقُ ..
وتبيتُ ليلَكَ كُلَّهُ مُتَلَفِّتاً..
فترى جِهاتِكَ في أَناكَ تحَدِّقُ
وتظَلُّ تسألُ ما اعتراكَ؟ وكُلّما
ساءلتَ.. بَلَّلَكَ الجَوابُ فتشَهَقُ
تلكَ القصيدةُ تصطفيكَ لِـ غارِها
فاصدحْ بما يُوحي الخيالُ المُطْلَقُ
فالشِّعرُ مثلُ السَّيفِ إنْ أغمدتَهُ
ألفيتَ صدرَكَ فيهِ جُرحٌ شَيِّقُ
فادخُلْ إلى غارِ البدايةِ خالِعاً
نعلَ النّهايةِ.. فالمسافةُ أعمقُ
مِن فَرطِ ما ركَضَ الجُنُونُ بـ خَيْلِهِ
في جانبيكَ.. يكادُ عَقْلُكَ يُزْهَقُ
وتكادُ رُوحُكَ أنْ تَشِفَّ فلا نرى
في كُنْهِها إلا البلاغةَ تخْفُقُ
ويكادُ شِعرُكَ أنْ يَرِفَّ بلابلاً
ونكادُ نُمْسِكُ رِيشَها فنُحَلِّقُ
ويكادُ بحرُكَ أنْ يَجِفَّ مِدادُهُ
ويَراعُ بَوْحِكَ لم يَزَلْ يستَنْشِقُ
يا مُوْقِداً نارَ الكَلامِ.. وكاشِفاً
حُجُبَ البَيَانِ.. وراتِقاً ما يَفْتُقُ
ومُحَمَّلاً سِرَّ الوُجُودِ.. وراكِباً
رِيحَ الخُلُودِ.. وتحتَهُ ما يُقْلِقُ
ومُسافِراً في نَفْسِهِ.. مُتَعَثِّراً
في ظِلِّهِ.. مُتَوَقِّفاً يتَدَفَّقُ ..
أَغْلَقْتَ بابَكَ دُوْنَنا.. وفتحتَهُ
للقارئينَ.. فأَوَّلُوهُ.. وأغلقُوا
وسَبَقْتَ موجَ الدَّهْرِ ثُمَّ تركتَنا
في الضِّفَّةِ الأُخرى وراءَكَ نغرَقُ
فاتركْ لنا بابَ الوُصُولِ مُوَارَباً
إنَّ القوافيَ خلفَ بابِكَ تطْرُقُ
يا حادِيَ الشُّعَراءِ في بِيْدِ الرُّؤى
قِفْ ساعةً بي حيثُ ظِلُّكَ مُوْرِقُ
وامنحْ فَمي شجَرَ الغِناءِ وطائراً
يَحكي القلائدَ للصَّدى ويُمَوْسِقُ
واخلعْ عليَّ بناتِ فِكْرِكَ، واخْلَعَنْ
عنّي بناتِ الدّهْرِ .. إنّيَ مُرهَقُ
يا سادِنَ اللُّغَةِ العتيقةِ هَاتِ لي
قبساً يُضيئُ ليَ المجازَ ويُشْرِقُ
تتوَقَّدُ الكلماتُ بين خواطري
وأظلُّ أجمعُ جَمْرَها.. وأُفَرِّقُ
فانفُخْ رياحَكَ في رَمادِ قصائدي
إنّي بقَعْرِ سُطورِها أتحَرَّقُ
والشِّعرُ أنْ تلِدَ الحياةَ قصيدةٌ
عذراءُ في بابِ الزّمانِ تُعَلَّقُ
ونظَلُّ نقرأُها ... ولا ندري بما
ينتابُ شاعِرَها ونحنُ نُصَفِّقُ ...

بديع الزمان السلطان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...