جيهان جمال - ثلاث سلامات




العام ١٩٦٧

فوق اسطح احدى البنايات الحديثة ذات الطراز الأوربي .
تحاول "فَرح "أن تطرد الخوف من قلبهَا .
فتُكمِل لهوها ،عله يُنسيها خوفهَا من "جواد"، وتنطلق للعب مع ابن عم "حليم" ..بعدما قبض على يد "جواد"، وهبط بهِلمنزله كي يبعد أذاه عنها .
تفتح "وصفية " الباب " لحليم " فترى بوجهه ذات علامات الضيق التي تلحظها كلما اتى قابضاً على يد جواد ،وسُرعان ما ينزعهَا منه "جواد " كما يفعل دائماً حين يجري لداخل البيت..فيسمعه "حليم " يصرخ لوالدته ، ويُلقي باللوم عليه لأنه يضطهده ، وينصر "فَرح" عليه .
يفيق على كلمات "وصفية "، ويغضب منها ، وهي تكتم ضحكتها ، وتقول :
- مالك يا حليم؟
فينظر إليهَا نظرة المندهش لغبائها، ويقول بصوت خفيض :
- نفس الحكاية بتاعة كل مرة ياوصفية ، والله ده ما ينفع أبداً .
-طيب وطي صوتك للهانم تسمعك .
-اوطي إيه اكتر من كده ياولية يامهفوفة انتي ..
طب إيه قولك ..ياريتك يا " اسعاد هانم "تسمعيني .
آآلوه تربي الواد ابنك دِه .
-دِه عيل ياحليم ..هاتعمل عقلك بعقل عيل ياراجل .
-طيب افضلوا قولوا عليه عيل ..عيل .. لحاااد مايكبر ، وهو بيكيد كده في بت عمته، والله اعلم الكيد ده هايوصل بيناتهملإيه !
يتركها ، ويمضي بوجه مقتضب .
فسيتوقفه على الدرج المهندس " مهاب " الجار الذي يرتاح إليه دكتور " عزيز " وصار مع الأيام صديقه المُقرب فيبتسم له من بعد أن أوصاه على عدة اشياء يحضرها له .
ثم يتذكر انه منذ أن اتى من قريته وجده لايختلف في انسانيته عن دكتور " عزيز " سواء معه أو مع زوجته
" وصفية ".
فيتساءل .. كيف ان هذا الولد لم يصير مهذب مثل خاله أو والده ، وأنه كلما صعد وراء " فرح " للسطح يظل يضايقهَا،ويخيفها..
فيكظم غيظه حين يجده ينادي عليها بشدة ،وغلظة مقلداً صوت جده الباشا ، ويقول ...
-فَرح ..
فتنتبه ببراءة ثم تضيع منها ابتسامتهَا لابنه الأصغر منهما حين يقترب منها "جواد" ، ويُمسك بيدهَا بخشونة ، وعنف،ويقول لها ..
-انتي تعرفي اني ممكن اخليكي تطيري من هنا زي طيور النورس اللي بتطير فوق المايه قصاد عنيكي يافَرح .

فتصرخ ، وتجري على "وصفية" زوجة حليم تستغيث بها لو لم يكُن "حليم " موجود معهما فوق سطح البناية .

احدى ليالي الشتاء ..
تمرح بفستانها القطيفة الأحمر الأنيق الذي جاء به والدها من باريس .. لكنهَا تشعر أن عودة والدها بتلك المرة مختلفةعن المرات السابقة ، ورغم حداثة عمرها إلا انها تدرك ملياً أن حديثه الذي تحبه عن باريس ، وعن شارع الشانزلزيه اختفى.
فتندم لأن مرض والدتهَا الشديد منعهَما بتلك المرة من السفر معه ، ومع عمتها دكتور " فَرح " التي تحبهَا كثيرا ،وتسعدلجوارهَا .
تشعر كذلك أن بالبيت شيئاً مختلفاً ..فجَدها لم يمكث من قبل لديهم طويلاً هكذا ، وكذلك عمتهَا "فرح" لم تعد مع والدهامن باريس .
وحين سألتهم عنها قالوا لها ..
أنها بقيت بباريس لأجل عملها هناك بإحدى المستشفيات .
تحزن لأنها تخشىَ ان تمرض دون وجود عمتهَا الحبيبة التي تصف لها العلاج الذي يُسرع من شفائها .

تفتح الشُرفة المطلة على الشاطيء ،وهي تزهو بشعرها الأسود المسترسل الذي بدى يتطاير وسط الهواء ، وبرودة الأجواء، وتلوح بيدهَا الصغيرة في الهواء لطائر النورس .. مرسلة له سلام .. ثم تهمس له .
-ياترى شُفت عمتو "فرح" ولا ماشفتهاش ...
لو سمحت لو شفتها ابقى سلملي عليها ؟!
"بَابَا " دايماً يقولي انك ، وعيلتك ،وصحابك .. بتهربوا من برد الشتا عندكم في أوروبا وتيجوا عندنا عشان تدفوا .
ثم تلمح " حليم " فتغض طرف عينيها الحالمة عن طائر النورس ، وتنادي بصوت عالي عليه .. فيغضب جدها الباشاالذي اكتشف انها بالشرفة وسط هذه الأجواء ، ويقول لها معنفاً :
-فَرح .. ازاي تفتحي البلكون ، وكمان بتنادي على حليم البواب زيك زي أي واحدة !


****



الفصل -٢

وكما اعتاد دكتور"عزيز" كلما سمع والده يحتد على ابنته .. يحاول أن يضمها لصدره ، ويُلطف الأجواء .. فيُفهمها بهدوءانها اخطأت حين فتحت الشرفة ، ودخلتهَا ، وأن جدها خائف عليها ،ولايقصد أبداً أن يجعلها تخاف منه
ثم يسمع والده يقول :
-ازاي اسمع كلامك ياعزيز ، واسيب الڤيلا ، واقعد معاك .
يعني إيه العمارة عمارتي، ولازم اتونس بينكم ......
ما انا ياما بنيت ياعزيز .
يشعر "عزيز "بمعاناته ..فيقبل عليه كما كل مساء ، وقبل أن يذهب لعيادته يضع على الطاولة الصينية الفضية التييحبها والده .. ثم يصب الشاي من البراد على الفناجين ليتناولاه سوياً مع قطع من كيك الڤانيليا التي يُحضرها له بنفسهِمن افخم محال الحلوى بالمدينة .

يتبادل معه الأحاديث المختلفة التي تدور حول الشأن العام ثم يقترب منه ، وهو يأخذ من يده فنجان الشاي .. ويقول له :
-ياباشا احنا بنتونس بحضرتك .
ينظر إليه "سعيد باشا " وبعيناه عتاب شديد .. فيتوارى عزيز خجلاً ، ويضع عيناه بالأرض ..ثم يُلقي عليه السلام،ويمضي .
تمر عليهم الأيام ، والشهور ، ولاتفارق "فَرح" ابتسامتهَا البريئة .
وهاهو جَدهَا لازال يتكيء على عصاه بغرفة الصالون .. ، ومع احتدام الأمر بالمدينة صار الوقت يمر عليه ثقيلاً ....
فالجميع يخشى من توابع الحرب .
يحاول "سعيدباشا" أن يقف على قدمين ثابتتين ، ويهمس لنفسه ..
-هو ده اللي بناخده من الحروب توتر ، وقلق ، وخوف، وياعالم بكرة مخبيلنا إيه تاني ؟!

ثم يجد نفسه يُخرج شحنة غضبه في حفيدته أثناء لعبها بالبيت ليظل "عزيز" ذو الصوت الهاديء يحاول أن يُفهم ابنتهالصغيرة بما يريده منها جدها .
وتظل "فرح "تبكي بكاء طفلة صغيرة لم تتعد السبع سنوات ، ولاتعي أي شيئ مما يقوله والدها الحنون..أو مما يحدثبمدينتهم .
كل ماتدركه ، ويُحزنها فوق احزانها من غلظة "جدها " ، و "جواد " أن طائر النورس رحل منذ وقت ليس بالقليل .

بينما يدرك والدها أن الأمور تزداد تعقيداً ، وأن مايقوله لها مجرد مسكنات .. فالحقيقة عكس ذلك تماماً .
من بعد وقت قليل..
يذهب دكتور "عزيز "لمنزل جاره المهندس "مهاب" للجلوس للفضفضة معه ، وللحديث حول مايحدث بمدينتهم .
العام -٦٩
عزبةآل رشوان ..
لم تعد "رشيدة " من بعد التهجير الذي حدث لأهل المدينة تطيق التواجد كثيراً بالبيت الكبير الذي استأجرته عائلة زوجهابحي "جاردن سيتي" بالقاهرة .

فالعيش بات مؤلماً مع حماها ، واخت زوجها التي ازدادت غلظة ، وشراسة من بعد وفاة زوجها ضابط الجيش بحرب ١٩٦٧.
فقد صار التحكم في حياتهَا ،وحياة ابنتهَا لايُطاق ، وبخاصة أن" عزيز " متواجد بعمله بالمستشفي النفسي صباحاً ،وبعيادته بالمساء ..فقد اثرت مأساة النكسة على نفسية الكثير من الناس .
كذلك ازداد "جواد "تعنت ، وشراسة بابنتهَا ، ولم يعد الأمر مجرد شقاوة اطفال عابرة .
فقد تحفظت "رشيدة" سابقاً أمام الكثير من الأمور ، وتحملت لأجل خاطر زوجها دكتور " عزيز" .
لذلك ستجدهَا هنا بعزبة والدها ومعها " فرح " كلما حانت الفرصة .
كبرت "فرح " وازدادت حساسيتها للكثير من التصرفات الفظة سواء من عمتها او ابنها أو جدها .

لتمر عليها اوقات ضيق كثيرة ، وبخاصة ان والدتهَا شخصية انعزالية إلى حد كبير .
لكن حنان والدها كان هو المنقذ الوحيد لخروجها من احزانهَا.
بعد مضي ست سنوات ..
يعودوا جميعاً لمدينتهم ، وهاهو دكتور " عزيز " يعود من عيادته الخاصة...بعد أن أعاد كل شيء بها لأصلهِ .

عاد "سعيدباشا" للجلوس بمقعده الذي يجاور المدفأة التي ماغيرهَا الزمان رغم التًغير الذي طال معظم ما بالمدينة .
لم تحتاج البناية سوي بعض ترميمات بسيطة اما سطحها فقد أرجأه " عزيز " بالاتفاق مع صديقه ، وجاره المهندس " مهاب " لوقت لاحق .." فحليم" لم يأتِ بعد .
صحيح ان بنايات كثيرة تصدعت ، وتهدمت كيفما صار حال ڤيلا "الفرح " لذلك فضل الباشا بيعها ......
لأنها تُذكره بخيباته .. فقد اطلق عليها هذا الإسم حين بناها تيمناً بقدوم ابنته "فَرح" للحياة .
كانت سعادته لاتوصف بأسرته ، وبنجاحاته الواسعة في تجارة العطور .
إلى أن كبر أولاده، و تم زواج " عزيز "و " اسعاد " بالبناية التي شيدها على الطراز الأوربي ، وتم ايجار ثلاث شققبهامش بينها شقة المهندس مهاب ....
اما عن ابنته "فَرح " فقد اراد وامها زواجها معهما بالڤيلا لكنها رفضت الزواج من كل من تقدم لهَا ، وذلك كان سر احزانأمها .
لتغيب دكتور "فرح " من بعد سنوات قليلة ، ويغيب معها الفرح عن العائلة ، وبخاصة والدها الذي حزن على فراق زوجته، ونقم من بعد فعلة ابنته على كل البنات .

كره اسم "فَرح " ، ولذا كان يعامل حفيدته الصغيرة بخشونة بالغة حتى صارت تنفر منه ، وتتحاشاه مثلما تتحاشى ابنعمتها " جواد " .
فلم تكُن " فرح " تعلم ان سر هذا التحول الغليظ بشخصية جدها كان سببه هروب عمتها من والدها عزيز بأخر رحلة لهمابباريس بعد أن تركت له رسالة بالأوتيل .. أنها قررت الزواج من هاني نصير .



*****



الفصل_٣


ليدرك عزيز بعدما يأس أن يعود بها …أن ماكان يراه من اخته ، ومن جارهم الذي تربت معه سنوات الطفولة ، والصبا لميكُن شيئاً عابراً كما تخيل ، أو مجرد مشاعر طفولية كما ظن ، وان ظنه في ان بلوغ كلاهما سنوات التعقل ، والرشد سوفينهي كل هذا لم يكُن في محله .

فماحدث منذ رحيل هاني ، وأسرته لموطنهم الأصلي بإحدى المدن الجنوبية بفرنسا بالعام ١٩٥٠ .
ما اثنىَ اخته ابداً عن حب هاني ..لتعيش "فرح "من بعد ذلك اسوء سنوات حياتها .
بمرور الأيام ..
أثناء مرور عزيز لجوار والده رأى شيئاً مختلفاً لم يلفت قبلاً انتباهه ، وما اعتاد رؤيته منذ سنوات النكسة .
حتى كاد ألا يصدق عيناه ، وهو يرى صورة" فرح "تعلو المدفأة .
فارتاح ، وأيقن ان والده اخرج الصورة من منفاها الإجباري .
ودون تعقيب ، وكحالهم منذ أن تركتهم اخته لم يحاول أن يفتح أي حديث عنها معه .
لكنه شعر أن قلبه الذي وهن من ملامة والده طوال سنوات النكسة ، والهجرة عن المدينة قد استعاد عافيته
بعدما تقبل والده بالأمر الواقع بنهاية المطاف .
عاد قلب "عزيز" يدق من جديد دقات فرح غاب كثيراً .. كثيراً رغم اللوعة على فراق اخته .
بالمساء ..
تناول شاي المساء مع والده سوياً ثم مضىَ بهدوء بعدما ربت على كتف والده ، وكأنه يحاول أن يُشعره بأن حُب الأبلابنته يظل باقٍ مهما حاول أن يخرجه من قلبه .
ثم يخرج للشرفة التي لازال يراها تطل بأريحية على الشاطيء رغم الصخب الذي بدا يتسرب للمدينة .

يأخذ نفساً عميقاً مع نسمات هواء سبتمبر التي لازالت تنعشه .
فيرى أن المدينة تدب فيها الروح من جديد ، ويرى المجتمع العائد بالنصر الكبير من بعد سنوات التهجير على اثر هزيمةالعام ١٩٦٧ .. عائد بالكثير من الحكايا المختلفة ، والناس المختلفة .
عائد تحت شعار جديد لم يسعده وصديقه مهاب كثيراً مثلما اسعد الكثيرين غيرهما .
شعر " عزيز " ان اسم المدينة الذي يحبه يتوارى ، وتتوارى معه اشياء كثيرة احبها ..
ليحل مُسمى جديد اطلقوا عليه "المدينة الحرة ".. للأسف لم يشعر عزيز بأي شيء من تلك الحرية .. فالجميع راح يلهثوراء لقمة العيش دون لحظات رواء ..
كذلك رأي ان ذلك الصخب القادم سوف يطال المدينة الهادئة ، وينشر ثقافة الزحام التي لا يحبها ، والتي يرى انها تزعزعالكثير من الثوابت ..إلى جانب رؤيته أن توافد الكثيرين من الأغراب للعمل بالتجارة سوف يجعلهم من بعد سنوات قليلةاهل المدينة ، ويرحل عنها اهلها الأصليين .
بعد قليل من الوقت ..
تناديه زوجته ليتناولوا العشاء فيدخل من الشرفة ، ويغلق بابها
يتذكر انه يجب عليه ان يُصلي أولاً ..فيستسمحها ، ووالده بالانتظار ..
تأتي إليه " فرح " لتصلي معه كما اعتادت منذ أن كانت طفلة صغيرة .. ثم تنتبه من بعد دقائق أن والدها ربما نام بعدماظنت بالبداية انه لازال يُصلي ..فتحاول أن تجعله يفيق من نومه .. أو يقوم من سجدته التي طالت على الأرض ..لكنهلايفيق .
وكأن قلب عزيز رفض أن يفارق " مهاب " جاره ، وصديقه المهاجر إلى امريكا تاركاً الأرض التي لا يحب سواها ، والعمارةالتي قضى فيها معه اسعد الأوقات ..
فرأت " فُرح " رغم الدموع التي اعمت عيناهَا كيف أن جثمان والدها توقف لبعض الوقت امام منزل المهندس " مهاب"الذي جمع اجمل ذكرياتهما معاً ..
ثم يهبط الجسد مع حامليه من العمارة ، ويدفن بمقبرة الأسرة التي تطل على الشاطيء .. لكن الروح ظلت حاضرة .
بعد مرور عام ..
منذ وفاة "عزيز " ووالده يزداد غلظة مع من حوله لشعوره أنه يُعاقب من الدنيا بفقد أولاده .. فراح يعاقب ابناء غيرهفازداد تعنته ، وقهره بأرملة ابنه الوحيد ، وكذلك ازدادت ابنته "اسعاد "شراسة مع ابنتهَا ، ومعها .
فللأسف رغم كل ماحدث لرشيدة إلا أن غيرة اخت الزوج لم تخمد بقلبهَا بعد !
لذلك ستجد أن "رشيدة " اصرت أن تقضي هذا الصيف بأكمله بعزبة والدها ، ومعها ابنتهَا .

وجدت "فرح" بين الحقول الخضراء ، وظلت تقضي اوقات طويلة فيها ، وتتذكر أن كل ما استطاعت الجزم به أنها كانت ،ولازلت من المتأملين ..والمتألمين بذات الوقت ....
فمن بعد وفاة والدها اهتزت الصورة امام عينيها بشدة ، وكرهت الكثير من الأشخاص ، والأشياء .
واول تلك الأشياء انها للأسف الشديد اعتبرت أن الصلاة هي التي اختطفت منها والدها وارسلته للموت .. فلم تعدتصلي




******


الفصل -٤

من بعد عودة رشيدة لبيتهَا من الأجازة الصيفية ، ومع بداية عام دراسي جديد ...
ماهي إلا أيام قليلة مضت حتى حدثت الطامة الكبرى بحياة ابنتهَا .
فقد ضاق والدها " رشوان "من تعرض ابنته لكل هذا القهر من جهة اهل المرحوم زوجها الذي كان يقدره كثيراً
لكنه لن يقبل بإذلال ابنته ، ومهانتها اكثر من ذلك .. فأرغمها على العودة للعزبة ،والزواج من ابن عمها الباحث في علومالفيزياء ، والعائد من انجلترا بعد أن طلق زوجته الأنجليزية .
لتتخلي "رشيدة " عن ابنتهَا بكل سهولة من بعد عام واحد من وفاة " عزيز "، وبذلك كان لرشيدة الدور الأكبر في انكسار"فَرح" .
احدى الليالي ..
بينما يجلس "سعيد باشا " أمام المدفأة ، وينظر لصورة ابنه "عزيز" والتي وضعها لجوار صورة ابنته "فَرح"
كانت حفيدته بالشرفة .
يتركها رغم برودة الأجواء ، ولم يحاول أن يحتد عليها .. فهو يشعر بها ، ويآسىَ لحالهَا .. لكن قلبه لايتحرك تجاهها .
يعلم أن "فَرح" لم تعد تملك سوى المكوث بالشرفة .. لكنه لايعلم أن حفيدته لا تجد من تبوح إليه غير طائر النورس .
وقبل أن يرحل تُحب أن تُرسل معه ( تلات سلامات )
سلام لعمتهَا "فَرح" ..ثم توصيه أن يرفرف حول مدفن والدها "عزيز " الذي لايبعد عن الشاطيء، وترسل معه سلامها له.
واخيراً تلوح بيدهَا بسلام ثالث لوداع طائر النورس وهي تغلق الشرفة .
تمر الأيام ، والليالي..
ليفاجئها جدها " سعيد باشا " بقرار لا يرحم أيضاً كي يُرضيِ غروره لاأكثر .
إذ بعدما أرغم والدتهَا بالتخلي عنهَا ، وعدم رؤيتها للأبد، وكذلك جدها " رشوان " الذي ارغمه ان يعهده بألا يرى حفيدتهثانية .
هاهو يتمم خطبتها على "جواد " لتعيش "فرح "سنوات شبابها حزينة مبعثرة .. بعدما شعرت بالضياع ، وأنها ليسلها بتلك الحياة صدر حنون تتكيء عليه من بعد والدها .
فلم تشعر مع "جواد " سوى بالمزيد من الأسى ، والحيرة ، وكذلك لم تشعر أن امها حاولت السعي لرؤيتهَا ..بل تأكدتانها عاشت تتلاشى الاقتراب منها ..لذلك اتخذت قرارها ،والذي صار لايختلف عن قرارتهم المجحفة ..وأنكرت على قلبهَاأنها تتلهف لرؤية امها .
من بعد عام .. اخر ليالي الشتاء .

تقف " فَرح " بالشرفة تحادث طائر النورس ذات الحديث القديم ..وأخبرته انها لم تستطع الحصول على الثانوية بالعامالماضي ...
فتحاول أن تعهده بأنها سوف تنجح بهذا العام لكنها تتراجع لعدم ثقتهَا بأنها ستقدر على ان تفي بوعدها .

تمر الأيام ، وبالفعل رسبت "فَرح " للعام الثاني بالثانوية العامة ، ولم يحتمل قلب "سعيد باشا " كل مايحدث لحفيدتهبسببه ، وسبب ابنته "اسعاد " .
إذ شعر بها اخيراً ، وبما فعله بها .. فتوفي ليلة زفافهَا على أكثر شخص يدرك تمام الإدراك أنها تكرهه بتلك الحياة .
وهكذا من بعد فوات الأوان ابصر "سعيد باشا" فداحة جرمهِ في حق فرح التي أرغموها على الزواج كي لايضيع ميراثالعائلة بين الأغراب ، وهو يعلم مدى عذابها مع جواد .
أيضاً مات "سعيد باشا " دون أن يدري بما فعلته ابنته "اسعاد "بعدما استولت على الأموال لتقلع "فَرح" من جذورها ،وتتركها بمهب الريح القاسية دون وخزة ضمير .
لتصير الأيام رتيبة فارغة حول "فَرح " التي لم تدرك فداحة فعل عمتها سوى فيما بعد .
والغريب انها لم تفعل شيء فقد صارت اشبه بميت احتسب ظاهرياً بعداد الأحياء .

ظلت فقط تصعد إلى سطح البناية الفارغة كمثل لياليها ، وايام عمرها التي اقتص منها حنان والدها ، وكذلك حمايةعم"حليم" لها من "جواد " ، وونس "وصفية "وولدها ..الذي بالأكيد يأتي على بالها وتقول أنه بالتأكيد صار شاباً .

تنظر حولها بمشاعر جامدة على الرغم من انه لم يعد لها شيء تحتمي به .
فتلك الأسقف ، والجدران تهدمت من بعد القصف الجوي الذي اصاب سطح البناية بالعام ١٩٦٧، وأرجأ والدها ترميمه ..
لم يعد عم" حليم " إلى هنا ، وظل ، وزوجته ،وابنهما بقريتهم .
لذلك لم يهتم احد من سكان البناية بترميم الغرفة المهدمة التي كان ينتوي عزيز بناءها من جديد بالتشاور مع جارهوصديقه المهندس " مهاب " ..
وهاهي "فرح " حين تترك عمتها " اسعاد " المنزل ، وتأخذ ابنها معها .
تذهب لتجلس وحيدة بالشرفة المطلة على الشاطيء والتي تذكرها بشرفتهَم ..فيبكي قلبهَا على رحيل امها دون انتودعها.
وتندم انها اصرت على موقفها ،ورفضت أن تذهب إليهَا حين مرضت .
ثم تضحك ، الضحكة المأساوية الباكية حين تتذكر كيف أنها صارت تشبه ( المليونيرة الحافية ) بعدما استحوذ أخوالهاعلى إرثها الشرعي في أرض امها ..
تتوقف عن ضحكاتها المهزومة .. لتسمح لأن يبوح قلبهَا لطائر النورس قبل أن يرحل لبلاده .

-أحياناً الوم نفسي ، وتنتابني حالة من الندم الشديد على أني لم اكُن تلك الطفلة الثرثارة صاحبة الكثير من التساؤلات !
فالسؤال المطروح للإجابة عنه ربما يفتح لنا آفاق كثيرة لتكتمل الصورة أمام اعيننا أو لإدراك مسير البعض ممن تهديناأو تؤلمنا بهم الأيام .
لن انكر أن تلك المعضلة التافهة بنظر البعض ،والتي ظلت تراودني منذ كنت طفلة صغيرة لازالت من الخبايا الهامة علىالأقل كما اتضح فيما بعد بالنسبة لي حين فرت منى السنوات ، وقفزت فوق أيام العمر بلا هوادة !
إذ ظللت اتساءل دون بوح عن حال تلك العجوز ، وأين هي الآن ؟
-ماهذا السؤال الغبي؟!
مؤكد انها في جوار الرحمن منذ سنوات بعيدة جداً !
ليظل سؤالي ،واجابتي عنه دون بوح.
لماذا لم اسأل أمي يوماً عنها ، وهي التي كانت تدهشني ، وظلت تثير خيالي الساكن في حُضن اللحظات الفارقة ،وكأنهَا الوحيدة التي تجيد الطب فظننتها طبيبة مثل عمتى ، وابي ، وهي التي لم تدرسه يوما !
أو ...، وكأنهَا الوحيدة التي احتفظت بسر عظيم من اسرار "تذكرة داوود " .
ثم القت بمفاتيحه بتلك البحيرة النائمة على جانبي الطريق الضيق بعزبة جدي التي لم يعد لي بها مكان يأويني .
اعود لتلك العجوز ، وأتذكر اني كنت صغيرة لكني فطنت أنها متفردة بعملها الذي من المؤكد أنها توارثته عن اجيال سبقتها.
فهي بالفعل الوحيدة بالقرية التي تستطيع أن تنقذ بعض صغارها المساكين مثلي حين كان يطاردهم ذاك القش المتطايربلا هوادة بمواسم الحصاد ، وإنني رغم خوفي منها حين كانت أمي تأتي بها .. إلا انه سُرعان ما اجدني موضوعةبحجرها .. أتوق لأن أرى بعضاً من وروود جلبابها المزركش بألوان الحياة ...
لكن عيناي ، وكأنهَا ابت ألا أرى شيئاً سوى بعد أن تلعق بلسانها بداخلها ، وتنتشل تلك القشة التي قصمت فيما بعدظهر أيامي بعدما انعدمت رؤيتي للكثير من الأمور .

بعد مرور عامين ..
ازدادت الحياة شراسة ، وتركت خشونة الأيام ندوبها على روح ، وجسد " فرح " فلم تعد هي تلك الفتاة البريئة
بعدما تعلمت ان تبادلهم شراستهم .. إلى ان استحالت العِشرة .،وألقوا بها بشقة جاردن سيتي.
لتمضي بها الأيام مابين حطام ، وحطام .. فهي الشريدة الغريبة وسط بشر مستحدثين بالمنطقة شاء حظها العثر انيستأجروا مكان السكان الأصليين ؛ ويصيروا جيرانها فضاعت اكثر فأكثر بينهم ، وبين تخبطها بتصرفات لا تليق بها .
لتعود من بعد قرار ازالة عمارة جاردن سيتي إلى البناية ذات الطراز الأوربي .
فتجد ان الطراز ضاعت معالمه بعدما بات باهتاً لاحياة فيه ولاروح .
وكيف تظل به الحياة ، والروح صعدت بعدما لم يعد صديق والدها المهندس " مهاب" والذي لن يتخيل ماحدث لها بعد أناغلقت الأبواب بوجهها ، وتقطعت صلة الرحم بنصل بارد لايرحم .
فقد تزوج جواد مرات ، ومرات ولازالت "اسعاد هانم " لاترى غيره .
وأين مأوى "فرح "بعدما آوتها الأحزان ، ورأت أن احتلال قلبهَا هو براحها الوحيد ..فتجبرت تلك الأحزان ، وطالتمشاعرها التي سكنها الآسى .
وكيف لا يسكنهَا الآسى ، والمستأجر الذي استأجر شقة والدها منذ سنوات بقرار من عمتها لن تستطيع أن تخرجه منبيتها .
ولاخزي أن تبات فرح عزيز ، وتصحو على أي مكان بالدرج .. بعدما صار هو الشيء الوحيد الذي اعترف بحق ملكيتهاله، وكذلك منحها حق اللجوء إليه بأي وقت تشاء .
أيضاً اعترفت لها الأماكن التي كانت تلعب ، وتلهو بها مع ابن عم "حليم" أنها باقية معها على العهد القديم .
فتتذكر حديث احدى الجارات عن ان ابن حليم صار شخصاً ناجحاً لم يستسلم للفقر ، وتعلم بالجامعة ،ويعمل بإحدىالدول العربية
لتبقى "فرح" بحجرة عم "حليم" وقتما تشاء على الرغم من أن الحجرة لايختلف حالهَا عنها .
فقد تعرت بالقصف الذي هزمها مثلما هزمتها أيام الأسىَ .
ولم يعد لها شيء بعدما لم تبقِ لها تلك الأيام غير المرآة المكسورة التي تركتها زوجة "حليم".
وكثيراً ماتضحك ساخرة من تصرفات الأقدار التي ماتركت غير تلك المرآة .
وكأنهَا اصرت على أن تُذكِرهَا كيف أنها كانت تبرر شطحاتها المجنونة .. بأنه ليس بالضرورة أبداً بتلك الحياة أن نصيرنحن ، وقرراتنا العقلانية وجهان لعملة واحدة .. أو أن نسير دائماً نحو المسار الصحيح حد الرتابة ! فالحياة تحتاجبعض من شطحات مجنونة.

تبكي نادمة على كل ما الت إليه ، ولم تعد تلوم احد غيرها ، وتتذكر زوجة "حليم" حين كانت تراها تتزين بتلك المرآة المكسورة ، وتندهش من اجتماع حال الفقر مع حال السعادة !
ثم رغماً عنها تشدها ملامحها بعنف مثلما كان يشدها
" جواد " ليلقي بها في الهواء .. لتلحق بطيور النورس فتنزعج لكونها لم تعد تعرف من تكون تلك!

تفيق على اذان الفجر..
فتلتفت نحو نافذة الجارة العجوز ، والتي تعطف عليها ببعض من طعام ، وأكواب دافئة من الشاي وتعترف انها قلماطلبت منها ذلك .
وان السيدة لاتستطيع أن تساعدها بأكثر من ذلك .. فقد حذرهَا أولادهَا من الاختلاط ،وبخاصة معها ..وياللعحب أنالمعظم صار ينفر من الفرح العزيز .. بعدما صارت رقعة الخشونة تزداد يوما بعد يوم بين اهل الدنيا ، ووقع معظمهم تحتوطأة الخوف من الاخر ليتفوق الواقع المؤلم ، ويفوق أي خيال .
تطيل "فرح" النظر إلى جارتهَا ، وهي تصلي ..فتبكي على حالهَا مع الله ، وتعترف انها منذ أن عادت إلى هنا لم ترّاها تترك أي موعد للصلاة .
ثم تطل نحو الشاطيء ؛ وتنادي بهمس على طائر النورس قبلما يهم بالرحيل عائداً مع رفاقه ، واهله إلى موطنهم الأصلي بأوروبا بعدما استشعروا ان الأيام ، والشهور الباردة رحلت عن بلادهم .. فتتذكر "فرح عزيز " التي كانت ، والتي لم يعد منها غير طيف لدقات فرح غاب ، ويدٍ ضعيفة تلوح لطائر النورس قبل أن يهم بالرحيل ب( ثلاث سلامات)

تمت..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...