انطلاقاً من هاجس الحرص على الثقافة الوطنية، وهاجس التوضيح والبلوَرة والتّصدّي لمخاطر الاحتلال الإسرائيلي السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى المخاطر الثقافية والتراثية والإنسانية والديمقراطية، وخطر التطبيع الثقافي بخاصة، توجّهت جريدة " النداء" بتاريخ 21 -11-1982 بالسؤال إلى عدد من المثقفين اللبنانيين للإحاطة بالموضوع من كافة جوانبه.. السؤال هو:
هل يشكِّل الاحتلال الإسرائيلي خطراً ثقافياً يهدِّد لبنان، بالإضافة إلى المخاطر الأخرى؟ كيف يتجلّى ذلك؟ وكيف ترى دور المثقّف اللبناني في مواجهة هذا الخطر؟
ونشرت الجريدة آنذاك، أجوبة عددٍ من المثقفين اللبنانيين، وفيما يلي ردّ الشهيد حسين مروة بكلمة تحت عنوان:
مواجهة للاحتلال الإسرائيلي
دفاع عن الثقافة وحرية الكلمة والإبداع والفكر
في رأيي أن نواحي الحياة متلازمة مترابطة عضوياً وموضوعياً. ومن هذا المنطلق لا بدّ من القول أنه إذا كان الخطر القائم في بلادنا، والداهم من الاحتلال الإسرائيلي يمسّ صميمَ الحياة اللبنانية، أي يمسّ جوهر هذه الحياة، كحياة مواطنين يرتبطون بأرضهم، بوطنهم ارتباطاً حيوياً وجذرياً، بمعنى أن قوام هذه الحياة هو شعور المواطن شعوراً عميقاً وراسخاً بأنّ له وطناً وأنّ وطنه يتمتع بحريته واستقلاله وسيادته الوطنية، أي يتمتع بكرامته الوطنية، أقول إذا كان الأمر كذلك، وهو بالفعل كذلك، فإن هذا الخطر القائم والداهم يَنْفَذُ إلى مسامِّ جسد الوطن، وإلى كل جزءٍ في جسد الوطن، أي أنه يخترق كل جانب من جوانب الحياة اللبنانية. فليس الخطر من هذا الاحتلال على ثقافتنا الوطنية بأقلّ منه على اقتصادنا الوطني وعلى استقلالنا الوطني وعلى سيادتنا الوطنية وعلى كرامتنا الوطنية.
ما هي الثقافة؟
إنها بالدرجة الأولى جملةٌ من الأفكار والمفاهيم والأحكام الفكرية وجملةٌ من المعارف تَنْسَقُ في ذهن المواطن إنساقاً منطقياً يخضع لنسَقٍ من الفكر والفهم والمعرفة له منطقه الخاص، المستمَدّ من ارتباط المواطن بقضايا وطنه جملةً وتفصيلاً. هذا هو مفهوم الثقافة في رأيي وفي رؤيتي. إنّ هذا المفهوم يتعرّض خلال الاحتلال الإسرائيلي وخلال أيّ احتلال أجنبي غاصب، إلى خطرالتفاعل مع مفاهيم المحتلّين الغاصبين بصورة خفيّة غير منظورة، أي بصورة موضوعية، مهما حرصنا على أن لا يحدث هذا التفاعل.
طبعاً لا أعني بتفاعل المعرفة العلمية، فهذا نوعٌ من التفاعل إيجابيٌّ، لا يمكن إنكارُه ولا يمكن استنكارُه، ولا يجوزالوقوفُ بوجهه مهما كان الطرَفُ الآخر في هذا التفاعل. لكن أعني تفاعل المفاهيم الوطنية، ومفاهيم العلاقات بالوطن، بل ربما كان الخطرالأول يأتي من أنّ التعامل مع المحتلّ تعاملاً " إيجابياً " يؤدّي إلى تغيير في النظرة إلى معنى الاحتلال ومعنى الاستقلال ومعنى السيادة الوطنية، ثم معنى العلاقات بين الدوَل من حيث تسرّب فكرة الاستيلاء بالقوة على مقدّرات الشعوب وتراب الأوطان حادثاً طبيعياٌ سائغاً..
إنّ تسرّبَ مثل هذه الفكرة إلى ذهن المواطن خلال التعامل "الإيجابي" مع المحتلّين هو شكل من التغيّر الفكري الثقافي الذي يشكّل خطراً على جوهر الروح الوطنية، فضلاً عن أنه يشكلّ خطراً على المبادئ الإنسانية التي يأتي في رأسها مبدأ رفض الاستيلاء بالقوة على إرادة شعب وعلى تراب وطن. من هنا يتسرّب الخطر الثقافي إلى فكرنا وثقافتنا الوطنية من خلال وجود الاحتلال الإسرائيلي على أرضنا وعلى إرادة شعبنا، وليس يصحّ التفكيك أبداً، كما قلتُ في البدء، بين خطر هذا الاحتلال الثقافي وخطره السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
من هنا "إذا " أرى أنّ دور المثقف اللبناني في مواجهة هذا الخطر هو الدور نفسه الذي يجب أن يتحمّله وينهض به كل مواطن مخلص لمواطنيّته ولوطنه ولشعبه. ليس المثقّف إنساناً آخر له شأنٌ آخر مستقلّ عن شؤون سائر الناس المواطنين من حيث كونه مواطناً عليه واجب الدفاع عن شرف وطنه أي عن استقلال وطنه وسيادة وطنه.
وإذا كان الدَوْرُ يختلف أسلوباً ومنهجاً بالنسبة للمثقّف فليس يختلف جوهراً كواجب ٍ وطني يجب أن يتحمله كل مواطن، كما قلت.
أما تحديد هذا الدور، فيبرز بأشكالٍ متعدّدة لا حدودَ لها. فبالكلمة الأدبية يستطيع المثقّف أن يقفَ متحدّياً وجودَ الاحتلال وثقلَ الاحتلال ودَنَسَ الاحتلال. كذلك المثقّف الباحث والمفكِّر يَظهرُ دورُه في التعبير عن واقع الخطر الشامل من الاحتلال الإسسرائيلي على مختلف شؤون حياتنا الوطنية، وبالريشة يستطيع الرسّام، كما بالإزميل يستطيع النحّات، وكذلك سائر أصناف المثقفين أن يتحدّى الاحتلال، ويكشف حقيقة هذا الخطر من أيّ وجهٍ ومن أية زاويةٍ يرى.
إن المهم بالنسبة للمثقف أن يقتنعَ بأن الاحتلال الإسرائيلي امتهانٌ لكرامة المواطنين وإذلالٌ لإرادة الشعب، وارتهان للكلمة وللصورة وللنغمة وللفكر وللثقافة بوجه عام. وأن يقتنعَ أيضاً أنّ حرية الكلمة والرأي والفكر لا يمكن أن تبقى على طهارتها وقداستها ما دام الاحتلال جاثماً على أرض الوطن وعلى صدور المواطنين، وكلما امتدّ وجودُه في الزمن تجذّرت في أرضنا وفي فكرنا وفي حياتنا سكينُ القمع لحرياتنا الفردية والعامة، فضلاً عن انغراز هذه السكّين في كرامتنا الوطنية.
*كلمة للشهيد المفكر حسين مروة، نشرت في جريدة النداء بتاريخ 21 -11-1982
هل يشكِّل الاحتلال الإسرائيلي خطراً ثقافياً يهدِّد لبنان، بالإضافة إلى المخاطر الأخرى؟ كيف يتجلّى ذلك؟ وكيف ترى دور المثقّف اللبناني في مواجهة هذا الخطر؟
ونشرت الجريدة آنذاك، أجوبة عددٍ من المثقفين اللبنانيين، وفيما يلي ردّ الشهيد حسين مروة بكلمة تحت عنوان:
مواجهة للاحتلال الإسرائيلي
دفاع عن الثقافة وحرية الكلمة والإبداع والفكر
في رأيي أن نواحي الحياة متلازمة مترابطة عضوياً وموضوعياً. ومن هذا المنطلق لا بدّ من القول أنه إذا كان الخطر القائم في بلادنا، والداهم من الاحتلال الإسرائيلي يمسّ صميمَ الحياة اللبنانية، أي يمسّ جوهر هذه الحياة، كحياة مواطنين يرتبطون بأرضهم، بوطنهم ارتباطاً حيوياً وجذرياً، بمعنى أن قوام هذه الحياة هو شعور المواطن شعوراً عميقاً وراسخاً بأنّ له وطناً وأنّ وطنه يتمتع بحريته واستقلاله وسيادته الوطنية، أي يتمتع بكرامته الوطنية، أقول إذا كان الأمر كذلك، وهو بالفعل كذلك، فإن هذا الخطر القائم والداهم يَنْفَذُ إلى مسامِّ جسد الوطن، وإلى كل جزءٍ في جسد الوطن، أي أنه يخترق كل جانب من جوانب الحياة اللبنانية. فليس الخطر من هذا الاحتلال على ثقافتنا الوطنية بأقلّ منه على اقتصادنا الوطني وعلى استقلالنا الوطني وعلى سيادتنا الوطنية وعلى كرامتنا الوطنية.
ما هي الثقافة؟
إنها بالدرجة الأولى جملةٌ من الأفكار والمفاهيم والأحكام الفكرية وجملةٌ من المعارف تَنْسَقُ في ذهن المواطن إنساقاً منطقياً يخضع لنسَقٍ من الفكر والفهم والمعرفة له منطقه الخاص، المستمَدّ من ارتباط المواطن بقضايا وطنه جملةً وتفصيلاً. هذا هو مفهوم الثقافة في رأيي وفي رؤيتي. إنّ هذا المفهوم يتعرّض خلال الاحتلال الإسرائيلي وخلال أيّ احتلال أجنبي غاصب، إلى خطرالتفاعل مع مفاهيم المحتلّين الغاصبين بصورة خفيّة غير منظورة، أي بصورة موضوعية، مهما حرصنا على أن لا يحدث هذا التفاعل.
طبعاً لا أعني بتفاعل المعرفة العلمية، فهذا نوعٌ من التفاعل إيجابيٌّ، لا يمكن إنكارُه ولا يمكن استنكارُه، ولا يجوزالوقوفُ بوجهه مهما كان الطرَفُ الآخر في هذا التفاعل. لكن أعني تفاعل المفاهيم الوطنية، ومفاهيم العلاقات بالوطن، بل ربما كان الخطرالأول يأتي من أنّ التعامل مع المحتلّ تعاملاً " إيجابياً " يؤدّي إلى تغيير في النظرة إلى معنى الاحتلال ومعنى الاستقلال ومعنى السيادة الوطنية، ثم معنى العلاقات بين الدوَل من حيث تسرّب فكرة الاستيلاء بالقوة على مقدّرات الشعوب وتراب الأوطان حادثاً طبيعياٌ سائغاً..
إنّ تسرّبَ مثل هذه الفكرة إلى ذهن المواطن خلال التعامل "الإيجابي" مع المحتلّين هو شكل من التغيّر الفكري الثقافي الذي يشكّل خطراً على جوهر الروح الوطنية، فضلاً عن أنه يشكلّ خطراً على المبادئ الإنسانية التي يأتي في رأسها مبدأ رفض الاستيلاء بالقوة على إرادة شعب وعلى تراب وطن. من هنا يتسرّب الخطر الثقافي إلى فكرنا وثقافتنا الوطنية من خلال وجود الاحتلال الإسرائيلي على أرضنا وعلى إرادة شعبنا، وليس يصحّ التفكيك أبداً، كما قلتُ في البدء، بين خطر هذا الاحتلال الثقافي وخطره السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
من هنا "إذا " أرى أنّ دور المثقف اللبناني في مواجهة هذا الخطر هو الدور نفسه الذي يجب أن يتحمّله وينهض به كل مواطن مخلص لمواطنيّته ولوطنه ولشعبه. ليس المثقّف إنساناً آخر له شأنٌ آخر مستقلّ عن شؤون سائر الناس المواطنين من حيث كونه مواطناً عليه واجب الدفاع عن شرف وطنه أي عن استقلال وطنه وسيادة وطنه.
وإذا كان الدَوْرُ يختلف أسلوباً ومنهجاً بالنسبة للمثقّف فليس يختلف جوهراً كواجب ٍ وطني يجب أن يتحمله كل مواطن، كما قلت.
أما تحديد هذا الدور، فيبرز بأشكالٍ متعدّدة لا حدودَ لها. فبالكلمة الأدبية يستطيع المثقّف أن يقفَ متحدّياً وجودَ الاحتلال وثقلَ الاحتلال ودَنَسَ الاحتلال. كذلك المثقّف الباحث والمفكِّر يَظهرُ دورُه في التعبير عن واقع الخطر الشامل من الاحتلال الإسسرائيلي على مختلف شؤون حياتنا الوطنية، وبالريشة يستطيع الرسّام، كما بالإزميل يستطيع النحّات، وكذلك سائر أصناف المثقفين أن يتحدّى الاحتلال، ويكشف حقيقة هذا الخطر من أيّ وجهٍ ومن أية زاويةٍ يرى.
إن المهم بالنسبة للمثقف أن يقتنعَ بأن الاحتلال الإسرائيلي امتهانٌ لكرامة المواطنين وإذلالٌ لإرادة الشعب، وارتهان للكلمة وللصورة وللنغمة وللفكر وللثقافة بوجه عام. وأن يقتنعَ أيضاً أنّ حرية الكلمة والرأي والفكر لا يمكن أن تبقى على طهارتها وقداستها ما دام الاحتلال جاثماً على أرض الوطن وعلى صدور المواطنين، وكلما امتدّ وجودُه في الزمن تجذّرت في أرضنا وفي فكرنا وفي حياتنا سكينُ القمع لحرياتنا الفردية والعامة، فضلاً عن انغراز هذه السكّين في كرامتنا الوطنية.
*كلمة للشهيد المفكر حسين مروة، نشرت في جريدة النداء بتاريخ 21 -11-1982