رسول عدنان - شعرية جماعة كركوك: فاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجان دمو

شعرية فاضل العزاوي
يعتبر فاضل العزاوي المنظّر الشرعي لجماعة كركوك، منذ إصداره البيان الشعري عام 1969، ويعتبر واحدا من ألمع وأشهر شعراء جماعة كركوك، حيث تميّزتْ تجربتُه الكتابيّة بين الشعر (قصيدة النثر) الرواية، التنظير، تميّز شعره بالتجريب والتمرّد والرفض والاختلاف والابتعاد عن السائد المألوف، مما جاء به روّاد الحداثة في شعر التفعيلة، حيث اتخذ العزاوي موقفاً واضحاً من روّاد الحداثة الشعريّة، ابتداء من اعتراضهِ على (الشعر الحر)، وليس انتهاء بدعوته إلى التمرد على تحديثهم، والذي كان يراه مجردّ اختصاراً للبحور الخليلية، وليس تطويرا للجملة الشعرية، يعتبر العزّاوي بحقّ مبشّرا حقيقيّا باتجاه شعريِ ليس فقط في الشعر العراقي، بل في الشعر العربي، وقد سبقتْ دعوته التي انطلقت عام 1955 تقريباً دعوة جماعة مجلة «شعر»، فهو يعتبر صاحب رؤيةٍ مبتكرةٍ وجريئةٍ في تعاملهِ مع الصور الشعريّة، وطريقة اختياره لألفاظ قصائده، وعناوينها، والكيفية التي يعالجُ بها موضوعاتهِ، امتازت تجربتُه الشعريّة بفرادتها وتنوعها وثرائها وروعة طرحها لمفهومين مهمين على الساحة الشعرية، هما مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة، عن طريق امتلاكه رؤية تنظيريّة، فضلا عن رؤية نقدية حقيقية وأصيلة، امتاز بها عن كل شعراء العراق والعرب، ابتداء من البيان الذي صاغه بنفسه وبكل ما جاء في هذا البيان من مفاهيم ودعوات إلى التغيير والتجديد والتحديث.
من قرأ كتابات فاضل العزاوي التنظيريّة في كتبه مثل «المؤتلف والمختلف/ من قصيدة الشعر إلى قصيدة النثر» وكتابه «الروح الحيَّة جيل الستينيات في العراق»، يعرف إنّه يمتلك رؤية وتصوراً دقيقين حول الحركة الشعريّة التي انطلقت من منتصف الخمسينيات إلى بداية الستينيات، والتي عُرفت في ما بعد بجماعة كركوك، سواء أكان هذا التصوّر في ما يخصُّ قصيدة النثر، أو التكنيك الكتابيّ للتعاطي مع الجملة الشعرية بنيويّاً أو سيميائياً، أو فلسفياً، حيث حدّد وبدقة مفهومه للتحديث الصياغي في الشعريّة الجديدة، التي دعا لها هو وأصدقاؤه من جماعة كركوك، والتي لمسنا في ما بعد دقّة تنظيراتهِ التي تجاوزت، وبشكل عملي التحديثَ الذي أتى به روّاد شعر التفعيلة، قام بنحت مصطلح كان غريباً جداً طبّقه على نماذجه الشعرية الأولى سماه (القصائد الميكانيكية)، أحدثت خرقاً في السائد من نماذج قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة وقتها، وهي أقربُ إلى ما سمته سوزان برنار (المجانية)، التي لا تهدف إلى معنى بعينه من خلال توظيف اللامكان واللازمان، في بناء القصيدة، بل تشكّلُ حشوا أساسيّاً يقعُ في البناء التكنيكي للقصيدة، بمعنى إنّها التقاطاتٌ أو خروجٌ ضروريٌ لإكمال أو إتمام مفهوميّ الشعريّة والتحديث في المنحى الجديد في قصيدة النثر، وقد سبق أن استخدمه بودلير في «سأم باريس» و رامبوفي إشراقاته، لكن عربيّا، كان فاضل العزاوي أوّل مَن استخدمه وطبقه ونظّر له، صادماً الذائقة السائدة في الوسط الثقافي العراقي آنذاك، لكنّ هذا التكنيك أصبح من سمات قصيدة النثر العربية في ما بعد، وقد يلجأ إليه الشاعر، لإظهار صياغة تكنيكية تمتاز بالاختلاف في قصائده، وهي ترجمة لمفهوم المجّانية، أو عدم وجود معنى بعينه للقصيدة، بل إنّ روعتها تكمنُ في عدم تحديد معناها، بمعنى انتفاء المعنى، والتي أصبحت في ما بعد من سمات قصيدة النثر الحديثة، ألا وهي العشوائية، أو اللاغرضية، والمجانية، والملاحظ من طريقة صياغتهِ للجملة الشعريّة في غالبيّة كتاباتهِ، بدا وكأنّه متأثرٌ جدا باستراتيجية التفكيك، من خلال إشراكه للقارئ في نصوصه، إنّه يعمدُ إلى النص الكتابيّ وليس القرائيّ، وهذه من أهمّ سمات التفكيكية، فنرى أنّ المعاني في غالبيّة نتاجه الشعري تكون غير محددة المعنى، بل إنّه كمن يطبق مبدأ عبد القاهر الجرجاني معنى المعنى.
تبقى معاني نصوصه مفتوحة على معاني يترك قارئه يتوّصل إليها من خلال إشراكه في إنتاجها، ومما يلاحظ في شعريته أيضاً، وحدة الموضوع الذي يكتب به، فعادة ما يربط أجزاء نصوصه ببعضها حتى النهاية، ولا يتركها مبعثرة، في نصوصه تجد الحوار الدراميّ، وتجد المفارقة في القافية في نهاية أسطر النص، وتجد المفاجأة وتجد، انتقلاته السريعة من ضمير الآخر إلى ضمير المتكلم، إنّه بهذا يهيّئ القارئ إلى عالمه الخاص، أو بمعنى إعادة إنتاج القارئ لرؤياه الخاصة، من خلال مفهوم التركيبات اللغوية والاستطرادات اللفظية، التي تزّين نصوصه بلا إساءة لجمالها، ولا يخفى على القارئ تأثرُّه مثل سركون بولص في جيل البيتنكس في الشعر الأمريكي.
شعرية مؤيد الراوي
في شعرية مؤيد الراوي يتلمس القارئ مفردتين طالما أخذتا مكانا كبيرا في قصائده وهما المنفى والموت، وهما يرمزان إلى الانكسار الكبير الذي كان يسيطر على الشاعر منذ تركه لوطنه العراق مرغما، حاله حال غالبية أصدقائه من جماعة كركوك، والذي يعد واحد من أبرز أربعة من كبار شعرائها، امتازت قصائده بالجديّة والرصانة، والتجدد الدائم، من يقرأ قصائده يعرف مدى اهتمام الرجل بتنقيح ما يكتب، وكأنّه يدقق بكل تفاصيل نصوصه، حتى يخرجها خلقا جميلا، وهذا مرّده إلى حرصه على بناء أسلوبه الشعري الخاص، الذي يميّزه عن بقية شعراء جماعة كركوك، عاش للشعر ومن أجله، وقد وصفه الشاعر عبد الكريم كاصد (كثيرون يتحدّثون عن الشعر بألسنةٍ سودٍ وذقونٍ خضراء، أما أنت فكنتَ الشعر لا يتحدّثُ عن نفسه وقد هجرَهُ محبّوه)، في جملته الشعرية الكثير من الرموز والأقنعة التي تحاول ان تتماهى مع مفاهيم وصفات وطبائع الغائب، لذلك ينزع الشاعر تقنية الدراية في بناء بعض قصائده؛ وأحيانا يلتجئ إلى الشك الرؤيوي والقلق الباطني، ذلك الذي يغيّبه الحنين إلى مرتع الطفولة، رغم إنّ غالبية نصوصه اتخذت نزعة وجودية فلسفية من حيرة الإنسان وموقعه في هذه الحياة، يصوغ قصائده بعيدا عن الزخرف البلاغي، أو المحسنات البديعية، يترك العفوية والتلقائية اللتين يتحكم بهما يأخذان مداهما في نصوصه، واللافت أيضا في كتابات مؤيد الراوي، توظيفه لقصص التراث مثل، قصة آدم وخطيئته، وما حصل لنوح في قصة الطوفان، وتوظيفه لملحمة جلجامش في ديوانه «ممالك»، أمّا في ديوانه الأخير «سرد المفرد» فقد وظّف التراث بشكل جلي، فعلى سبيل المثال قصيدته المعري، حيث ارتقى حواره مع المعري من الفلسفي إلى الوجودي، ولعلّ الراوي هو الشاعر الوحيد تقريبا الذي آثر الابتعاد عن رؤيا وفلسفة جماعته، وهم جماعة كركوك في هذا التوظيف، والذين كانوا يعتمدون على توظيف اليومي العابر، كما هو حال صلاح فائق وسركون بولص إلا في بداياته، لكننا نرى مؤيد الراوي قد وظّف التراث وفق رؤية جمالية تحاكي فلسفته في الحياة والفن والزمن والتاريخ، مثلما نراه يترجم معاناة الفقراء أو الغرقى، أو المشردين، ومما ذكره صديقه الشاعر سعدي يوسف عنه قوله (كنتُ دوماً أعتبِرُ مؤيد الراوي أساسَ التحديث في قصيدة النثر العراقية فالعربية، فهو بتكوينه الثقافي الممتاز، بأنكلوسكسونيّته الباذخة، براديكاليّته العميقة، بنظرته المتعالية قليلاً، استطاع أن يكتب شِعراً مختلفاً، فيه من الجِدّ واحترام العملية الفنيّة ما ينأى به عن الاستسهال والتعجُّلِ وتفاهة المنبر السياسي)، فطالما برزت في شعره إشكالية الشعر والمنطق، فهو يتّخذ من المنطق طريقا إلى براءة طفولة يفتقدها ويستحضرها بعد كل ما حلّ به من ظروف قاسيّة بعد مغادرته وطنه مكرها، حوّل شعره إلى نافذة لإعادة صياغة عالمه الذي يحلم بالعيش فيه من خلال عزلة روحيّة قادته إلى كل هذا البوح الحزين.
يُعدّ الشاعر بحق مغامرا في تجريب الكتابة الجديدة، مولعاً بالصورة المبتكرة، يخلق لغته الخاصة من خلال ثقافته الواسعة، اقترب في صياغة جملته الشعرية من الطريقة الإنكليزية، حيث كان شحيحا في مفرداته، ومن الصعوبة بمكان أنْ تجد حشوا في قصائده، كلُّ مفردة تؤدي الوظيفة التي كتبت من أجلها، ينسج قصائده بمهارة فائقة، ويسهر على تشذيبها حتى يحوّلها إلى صياغة نهائية، حيث وصفه صديقه سركون بولص (مؤيد منذ عرفته مصرٌّ على قتل الغنائيّة، والابتعاد عن التفعيلة) نعم فهو في غالبية شعره لا يستخدم الغنائية، لكن هناك بعض مقاطع تضمنت هذه الغنائية وإن كان بصوت خفيض، قصائده اتخذت صياغة جديدة من رحمِ خيالٍ وعاطفةٍ دفينين في اللغة، مُطلقةَ السراح من الإيقاع والمنطق، لذلك كانت قصائده مختلفةً صياغةً وروحاً، نسج فيها من خياله ما كان يعتقده طريقاً إلى الخلاص، طريقا إلى أمل طال انتظاره، كانت هذه النصوص مرثيّة للبؤساء، وترجمة لمشاعر مرهفة قسا عليها الزمن، فأطلقها الشاعر كزفراتٍ حارقة من ألم روحه الشفّافة، كانت دائما تستحضر طفولة بريئة غاصت في أعماق الذاكرة، يستحضرها الشاعر، كلما قست عليه الحياة ليترجمها إلى نصوص ستبقى خالدة في ذاكرة الشعر والشعراء، بهذه الشاعريّة حجز مؤيد الراوي مكانة كبيرة في الصفوف الأولى لجماعة كركوك التي نقلت الشعر العراقي والعربي من مرحلة إلى مرحلة ثانية تماما، وخطت به خطوات كبيرة ورائعة.
شعريّة جان دمّو
تعتبر تجربة جان دمّو من التجارب البوهيميّة الغريبة، لإنّه عاش الشعر ولم يكتبه، بينما كانت أقرب تجربة لجان دمّو هي تجربة صديقه سركون بولص، لكنّ سركون عاش الشعر وكتبه، ولولا الطريقة البوهيميّة التي اختارها جان دمّو لترك لنا تركةً رائعة من نصوصه، لكنّ الحياة التي اختارها غطّت بشكل واضح على تجربته، يقول مؤلف الكتاب الوحيد عنه الشاعر حسين علي يونس (لقد كان من أولويات جان أن يعيش حياته بكلّ تلك الطرق الصعبة، لهذا كان بلا مشروع شعري، وكان مشروعه مضببّا وغيرّ مرئي)، حتى إنّ ما تركه من نصوص، لا ترقى إلى ما أنتجه زملاؤه من جماعة كركوك، وفي هذا يقول صديقه حسين علي يونس ( لقد كان جان شاعراً في حياته أكبر منه في نصّه، تلك هي إحدى معضلاته الكبرى التي عانى منها طوال حياته القصيرة نسبيا). لم تكن لجان دمّو غير مجموعة صغيرة جدا من القصائد جمعها صديقه حسين على يونس وسماها (أسمال) وقد ضمّنها أيضا في كتابه جان دمو «التركة والحياة» ولأنّه مقلٌّ جدا في كتاباته الشعرية، وقد يعود هذا إلى وضعه البوهيمي أو لفلسفة ما نجهلها، حاول صديقه حسين أنْ يصف شاعريته حين قال
(ذلك بالطبع ما كان يؤرق جان، أنْ لا يرى الآخرون شاعريته إلا عبر أكداس من الكتب والورق، ربمّا كان إيمان جان بهذه المسلّمة دافعاً كبيراً لتجاوز شعره، ربّما لهذا السبب كان يميل إلى الاختزال في شعره، وهذا أحد أسباب كونه شاعراً مقّلاً، كان يكره الحشو.
في الحقيقة هنا أجدني مضطرا إلى أن أختلف مع حسين علي يونس بهذه الجزئية، فأقول إنّ السببَ وراء الاختزال وعدم الحشو في شعر جان مرّده إلى ثقافته الإنكليزية، والاختزال، هو الصفة الأكثر شيوعاً في الشعر الإنكليزي، وقد امتاز بها بقية شعراء هذه الجماعة، مثل صلاح فائق، وسركون بولص ومؤيد الراوي.
لا ترتقي تجربة جان الشعريّة إلى مصاف تجربة بقيّة شعراء جماعة كركوك، لقلّة إنتاجه الشعريّ، بل ضآلته، لكنّ قيمته الحقيقية، هي أنّه شكّل ظاهرة بوهيميّة شعريّة، وأيضا من خلال انتمائه إلى جماعة مهمة مثل جماعة كركوك، والطريقة التي اختارها للعيش، وبلا شك إنّه صاحبُ ثقافة حقيقية لم يقدّر لها أنْ تكتمل بإبداع شعريٍ كبيرٍ ولافتٍ، رغم عبثه البوهيميّ، لكنّه كان صاحب ثقافةٍ متحررةٍ من القيم، وكأّنّه يسعى إلى تأسيس عالمهِ الخاص، بعيداً عن منظومة العقل والمثل والفضائل، فهو دائم النزوع إلى الفوضى والسخريّة، هذه السخرية التي قادتهُ إلى الرفض، فاختار حياة التشرّد والضياع والصعلكة، يبدو أنّه ادرك مبكراً تفاهة الحياة فسخر منها بطريقته الخاصة، هذه السخرية التي قادته إلى التشرّد والتهميش، إلى الشوارع والأرصفة إلى حياة اللاحياة، يكتب قصائده ويتركها بكل مكان، أمّا التقنية التي امتازت بها قصائده، فهي حُبّه للحياة والأمل، امتازت بنزعة فلسفية، اعتمد على اللفظ أكثر من المعنى وعلى المفارقة أكثر من الفكرة، كانت قصائده مجموعةً من أفكار لم تكتمل، وظّفها بشكل فلسفي وجودي، لذلك تجد من الصعوبة بمكان أن يتصدى لها ناقد، أغلبُها بلا عناوين، أفكار يتمُّ تجميعُها بلحظات آنيّة، بلا حبكة ولا تهذيب، فقط بالاستجابة إلى موهبته ولحظة الإلهام الآنيّة، لكنّ أسلوبه قريب جدا من الشعر الأنكلوأمريكي، لإتقانه اللغة الإنكليزية وترجمته للعديد من الروايات والقصائد، لذلك لا تجد الحشو في كتاباته الشعرية، التي تجمع بين الجماليّ والفكريّ، وهناك تفاوتٌ واحظ في مقوماتها الفنية والجمالية.

ناقد وشاعر عراقي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...