رسائل الأدباء رسالة نعيم عرايدي إلى موسى الحوامدة

إلى صديقي وأخي موسى الحوامدة: تحيّرني إزدواجية المشي على الحبل بين العفوية والتخنولوجيا المتطورة. فلم أقرأ رسالتك إلاّ اليوم فنقلتني حروفها السوداء إلى جبال رومانيا/الذاكرة. هناك حيث تحدثت مع إيلينا الشاعرة الروسية بالعربية فحدثتني هي باللغة الروسية التي لا تعرف غيرها، وكانت أكذوبة الشعر أصدق ما لمسته في لغات البشر. وفي إحدى الأمسيات قرأت في عينيك ما يمكن أن يكون ازدواجيه الأسماء
بين لانا الرومانية ولانا "ك" المنتظرة في عمان - كنت انت تبحث عن هوية ليست للذاكرة المنسية بل للحاضر الهائج الذي يجهل عنوان الآتي الذي لم يكن يعني في تلك اللحظة إلاّ للذي يبحث عنه في لغة السياسة القذرة.
منذ سنين وأنا أحاول أن أدرّس في المعاهد العليا الفروق الدقيقة بين ألوان الشعر من نشيد وغناء وقصائد وموشحات، وحتى الآن لا زلت أعاني من هذا الحفر فيما يمكن أن يعبّر عن ذاكرة الروح وهيمنتها على الجسد/المادة بأساليب، لم يبرمجها العقل. بل كلها من نسيج هندسة الخيال العاطفي. وتسألني عن هوية؟! قلت لك: لا أريد أن أقع في الجبّ لكي لا يضطر أخوتي أن يكذبوا على والدي الذي كل ما عناه هو مراضات أمي زوجته الثانيه. وإلا كيف كنت أستطيع الوصول إلى درجة الوزارة في قصر فرعون، وأعود بعد عقود إلى والدي فأجده ضريراً. قد يكذب المؤرخون في قولهم أنه من شدة البكاء على ابنه الحادي عشر. ومع ذلك فقد أوجد الشعراء لهذه الكذبة إطاراً صادقاً أحبه الجميع. أخي موسى أجهدتني حين طلبت مني النشيد لأنك لم تعرف أن بكاءك على خلفية نشيدي كان لحناً لن يستطيع حتى ثيؤدوراكيس أن يضع مثله مهما أبدع في رقصة زوربا اليوناني.
إنّ أعذب الشعر "أحزنه" أما البحث عن ذاكرة الهوية في جواز سفرٍ مؤقت وإقامة أبديه في كورتا دارجش أسهل بكثير من حفظ رقم الحافلة التي نقلتك من الخليل إلى عمان إلى الشام. الأرقام الأكثر حزناً هي التي لا تحملها جوازات السفر المثقلة في عصر من العولمه الهاذية. توقفت عن تمثيل الأدوار عندما صار خشب الزيتون إكسسواراً في مسرحية البحث عن هوية، وصار سنديان الجليل محمية تُرصد فيه أعداد الزائرين على مرّ نهايات الأسبوع، وصار الكرمل محمية تحرق أشجارها بقايا فحم الشواء انتقاماً لذبح الخرفان على ذمة الجليل.
أخي موسى لا أعرف إنسانا معصوما عن العنصريه ولا فئة ولا شعباً. أعرف من يجيد تبديل
الأسماء بالأرقام والأرقام بالحروف ويدعي بمعرفة الغيب، وكذب المنجمون ولو صدقوا. وإذا عدتُ لدور الباحث المحاضر أقول إني أعرف حقيقة الأشياء من خلال النشيد والغناء والشعر. أنا هنا، في المغارة التي يعلوها منزلي في جسد الجليل وروح ذاكرته، لا زلت أحلم أنني لم أكبر، طفولتي هي التي كبرت وراهقت وعبثت ونضجت.
أما أنا فلست كما أبدو، وإنما كما في الداخل، وقعت في الجبّ/المغارة ولم تمر القافلة، وما زوجة بوتيفار إلا قصيدة يردّدها غيري. أنا هنا طفل يراقب فكرة تراسيما خوس الأثيني ويُدهش من حواريات سقراط الغريبة وأمثولة أفلاطون. مغارتي حقيقيه ولا تعرف الخيال والوهم لأنهما لا يستطيعان الدخول إليها، وإن فَعَلا فهما أسيرا يقظتي المتنبهة إلى ذاتها.
ولي ولك يا صديقي فناء من اللحن والكلمات والاداء.
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.


د. نعيم عرايدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...