رمضَان في بداية الستينات كان يتوافق مع شهر فبراير وبداية شهر مارس . لا زال حرث المازوزي متوَاصلاً آنذاك رغم سنوات يتخلّلها بعضُ الجفاف وانحباس المطر لفترة معينة من السنة الفلاَحية . يعود الحرّاثون وقد لفّوا رؤوسهم بعصَائبهم البيضَاء بسبب شدة الجوع والعياء وبداية تمدد النهار في بداية فصل الربيع …يقودون جملا متمايلا من التعب وثقل المحراث وبقايا الزريعة غير المستعملة خلال اليوم .. كلهم يؤمنون بالمثل السّائر بأرجاء دكالة والذي يعبّر عن عدم الثقة في شهر مارس والاستمرار في حرث أماكن البرَك الجافّة إذ قد تفاجئك الأمطار في أية لحظة وتعمل على ملئها كما وسبق أن حدث مراراً من خلال تجاربهم الطويلة ومرورهم بسنوات لا يمكن التنبؤ بما سيحدث فيها . لذلك ظلّوا يذكّرون بعضهم بالقول في كلّ مناسبة : فينْ دازْ عليك مارس آحرّاث الضّيا ؟ ممّا يعني أن من يحرث « ضَاية الرّحبي » التي أحمل اسمها أو القاق الفسيح والعملاق الذي يحمل كثير من أهبة الݣباݣبة والحراريين اسمه الذي يبدو أنه من أصل أمازيغي إذ رأيت مدرسةً بالقرب من أوكايمدن تحمل اسم آيت القاق . لا أعرف معناه بل سأنتظر من إخواننا المهتمين شرح الموضُوع … قد تفاجئه أمطار مارس وتغمر كل ما قضَىٰ به أسابيع من زراعة متأخرة في غالب الأحيان والمتمثلة في الذّرة عوْلة الفقراء من كسكس يهيأ كلّ يوم « صَبيب » أي السميدة الحرفية . الخالية من كل شيء شوى الماء والملح . وفي قليل من الأحيان يضَاف لها البصَل والحلبة والشحمة الغاوية المجلوبة من الباطوار بالدار البيضاء . سوى يوم السوق أي يوم الأثنين حيث يختلف العشاء ليُستعمل الحمّاس والهايشر . أما الحمّص فلم يكن يزرعه وبشكل حصري للاختصَاص سوى السّي بوشعيب والسّي يسّف لغلاء ثمنه وهجوم أطفال المدارس كي لا يتركوا شيئاً إذا كان الفدّان صَغيراً . فنقضي وقتاً طويلاً للعمل به أثناء العطلة الصيفية بثمن لا يتجاوز ستّ ريالاَت منذ ما قبل الفجر حتى يدوز بوشريط كي لا يتحتحَت المزود !
إلى جانب حمّاس الحريرة الذي لا يمكن التخلّي عنه كل مساء بسب اشتياق الأطفال والكبار أيضاً لفوائدها التّسخينية في زمن البرد … يوضع مقراش من الماء الساخن كي يغسل أبي قدميه من آثار الحرث واستعمال قدميه الحافيتين على رأس كلّ «تعييدة» لتنقية السكّة من بقايا الأوحال عليها وعلى «الأُذن» أي "وذن" المحرَاث الضّروريتان لتشتيت الطوب وتشكيل الخطّ وردم الحبوب … نفس الشيء بالنسبة للزّوراݣ الذي يلقي بحبات الذّرة حسَب خطواته وسرعة الدوابّ أي «يزورݣ» خلف الجّوج ..والذي غالباً ما يكون طفلاً صَغيراً لخفّة حركته وسهولة التحكم فيه لمنعه من التهام حبات القطاني أثناء زراعة الفول والجلبان والحمّص . مما جعل بعضَ الفلاّحين المحنّكين يحرمون الأطفال من الماء كي لا يفتكوا بنصف كمية الزرّيعة الثمينة آنذاك في عام رويزة ! كما دأبوا على استعمال المثل الجاهز : اتّا مالك تّلَيّط بحال الزّوراݣ ؟
ثلاث بومات تعوّدت على الجلوس فوق أعلى «فُرض»من الصّبار الشوكي يتبادلن الحوار كمواء القطط مع الاستعانة بحركة من الرأس أصبحنا بدورنا نقلّدها فنخفض رؤوسنا ونرفعها كما تفعل البومات اللّواتي نرحّب بها لأنها تؤنس وحشتنا وتعلمنا الحوار والإيماء . بينما تتشاءم منها مامّا وتتطيّر من حضورها بشكل منتظم قبل الإفطار فتعمل كل ما بوسعها لطردها : اتّصَبّ ! اتّصَبّ ! حسبيَ الله فنعم الوكيل ! نردّد جميعاً القول لإبعاد الشر الذي تتنبّأ به البومات المسخوطات وقد تسارعن في جره إلينا ! لا أدري لماذا تعاملها مامّا كقطّ رغم توفرها على ريش ؟ لكن المعلّم علّمنا فيما بعد أنها قطّ طائر ممّا مهّد لنا السبيل مبكّراً للإيمان بالدّاروينية le darwinisme ونظرية التّطوّر .
يشرع الأطفال بالأذان قبل الأوان كل من موقعه المفضّل من فوق الكرم أو من على أكوام المازير المرتفعة . نرى السي عبسلام الذي ورث فضيلة الأذان من أبيه سي عباس الذي توفي قبل سنة فقط أي في أواخر ربيع سنة 1959 وقد صَعد فوق بيته يطوف بالسطح في انتظار وقت الإفطار ليرفع الأذان بصوته المنكسر قبل أن يستولي سي المصطفى على الحرفة "صحة" ويطرد جميع المتطفلين رغم إدمانه على التدخين .. ورغم صياح الأطفال عندما يشرع في الأذان بشتمه من بعيد بكل ما يتناقض مع طهرانية المسجد وسماحة الصّلاَة : والزنديقي ! والنجيس! فقط لإثارة غضبه ربما كان سبب خفي لإبعاده عن المسجد لوجود منافسة قوية بين عدة أطراف . لذلك دأب على الدفاع عن نفسه بكل ما يتطلبه الموقف من قوة ومسافة رمي الأحجار وحجمها : هاك واحد المنيصبة مشاية آولد الفاجرة ! وقد يستغل أحد المنافسين مكوثه في السوق للبحث عن أعقاب السجائر ليرفع الأذان وهو لا زال متعثرا في الطريق راكبا حمارته الدغمومة (الداغورة) العرجاء . فيسرع محتجا : وخاصّك أنا ياللّه وصَلت عد اولاد بوزيد تا طلعت آ........ تهرنط بحال الدحش ! يضحك الجميع ويخوضون في مباراة من التراشق بالألفاظ النابية والأحجار ثم يختفي الكل في خيمهم لأكل المحراش وعب جبابن الحريرة السّاخنة ..
في السحور يكون خبز أرقى بلونه الأبيض ومصدره الرفيع مع إمكانية توفر بعض الزيت الذي لم يكن للأطفال نصيب منه بل يكتفون بسماع صبيب الشاي الشهي في جوف الكؤوس وتتبع حركات ورشفات المتسحرين مما يجعل كبرياء الأطفال لا تسمح لهم بمزيد من الإذلال والنهر : ارݣد مالك غاتصبح صَايم ؟ يبدأ الديك في الصياح ثم صوت قرع الحديد بقوة نادرة بدوار بعيد كي تسمع جميع الدواوير المترامية عبر المنطقة الخصبة .. صَوت حاد يغطي على أصوَات الضّفادع والعلاجيم المنبعثة من كل مكان ويمزق جوف الليل البهيم المتلألئة نجومه يقودها المشبوح السّاحر الذي يقدسه كل الصّائمين والمجتهدين في عملية الحرث قبل أن يحين أوان طلوعه مع العشا ليلوح الفلاحون المتأخرون الزرع بالكُمشة ويقولون العام مشى ! صَوت يأتي من بعيد يقوم به قرقاب بأحد الدواوير القصية لينتهي كل شيء ويسود صَمت رهيب قبل الفجر . أو "الغميضة الحلوّة" إلى حين ترتفع أصوات شحارير البساتين السوداء وصَفير قبرات الحقول المبتهجة معلنة بداية صَباح جديد علينا البحث أولا عن بقايا شاي السّحور وخبزه صَعب المراس ..لنتأبط محافظنا البئيسة ثم نتوجه حفاة نحو المدرسة ..
حسَن الرّحيبي..
إلى جانب حمّاس الحريرة الذي لا يمكن التخلّي عنه كل مساء بسب اشتياق الأطفال والكبار أيضاً لفوائدها التّسخينية في زمن البرد … يوضع مقراش من الماء الساخن كي يغسل أبي قدميه من آثار الحرث واستعمال قدميه الحافيتين على رأس كلّ «تعييدة» لتنقية السكّة من بقايا الأوحال عليها وعلى «الأُذن» أي "وذن" المحرَاث الضّروريتان لتشتيت الطوب وتشكيل الخطّ وردم الحبوب … نفس الشيء بالنسبة للزّوراݣ الذي يلقي بحبات الذّرة حسَب خطواته وسرعة الدوابّ أي «يزورݣ» خلف الجّوج ..والذي غالباً ما يكون طفلاً صَغيراً لخفّة حركته وسهولة التحكم فيه لمنعه من التهام حبات القطاني أثناء زراعة الفول والجلبان والحمّص . مما جعل بعضَ الفلاّحين المحنّكين يحرمون الأطفال من الماء كي لا يفتكوا بنصف كمية الزرّيعة الثمينة آنذاك في عام رويزة ! كما دأبوا على استعمال المثل الجاهز : اتّا مالك تّلَيّط بحال الزّوراݣ ؟
ثلاث بومات تعوّدت على الجلوس فوق أعلى «فُرض»من الصّبار الشوكي يتبادلن الحوار كمواء القطط مع الاستعانة بحركة من الرأس أصبحنا بدورنا نقلّدها فنخفض رؤوسنا ونرفعها كما تفعل البومات اللّواتي نرحّب بها لأنها تؤنس وحشتنا وتعلمنا الحوار والإيماء . بينما تتشاءم منها مامّا وتتطيّر من حضورها بشكل منتظم قبل الإفطار فتعمل كل ما بوسعها لطردها : اتّصَبّ ! اتّصَبّ ! حسبيَ الله فنعم الوكيل ! نردّد جميعاً القول لإبعاد الشر الذي تتنبّأ به البومات المسخوطات وقد تسارعن في جره إلينا ! لا أدري لماذا تعاملها مامّا كقطّ رغم توفرها على ريش ؟ لكن المعلّم علّمنا فيما بعد أنها قطّ طائر ممّا مهّد لنا السبيل مبكّراً للإيمان بالدّاروينية le darwinisme ونظرية التّطوّر .
يشرع الأطفال بالأذان قبل الأوان كل من موقعه المفضّل من فوق الكرم أو من على أكوام المازير المرتفعة . نرى السي عبسلام الذي ورث فضيلة الأذان من أبيه سي عباس الذي توفي قبل سنة فقط أي في أواخر ربيع سنة 1959 وقد صَعد فوق بيته يطوف بالسطح في انتظار وقت الإفطار ليرفع الأذان بصوته المنكسر قبل أن يستولي سي المصطفى على الحرفة "صحة" ويطرد جميع المتطفلين رغم إدمانه على التدخين .. ورغم صياح الأطفال عندما يشرع في الأذان بشتمه من بعيد بكل ما يتناقض مع طهرانية المسجد وسماحة الصّلاَة : والزنديقي ! والنجيس! فقط لإثارة غضبه ربما كان سبب خفي لإبعاده عن المسجد لوجود منافسة قوية بين عدة أطراف . لذلك دأب على الدفاع عن نفسه بكل ما يتطلبه الموقف من قوة ومسافة رمي الأحجار وحجمها : هاك واحد المنيصبة مشاية آولد الفاجرة ! وقد يستغل أحد المنافسين مكوثه في السوق للبحث عن أعقاب السجائر ليرفع الأذان وهو لا زال متعثرا في الطريق راكبا حمارته الدغمومة (الداغورة) العرجاء . فيسرع محتجا : وخاصّك أنا ياللّه وصَلت عد اولاد بوزيد تا طلعت آ........ تهرنط بحال الدحش ! يضحك الجميع ويخوضون في مباراة من التراشق بالألفاظ النابية والأحجار ثم يختفي الكل في خيمهم لأكل المحراش وعب جبابن الحريرة السّاخنة ..
في السحور يكون خبز أرقى بلونه الأبيض ومصدره الرفيع مع إمكانية توفر بعض الزيت الذي لم يكن للأطفال نصيب منه بل يكتفون بسماع صبيب الشاي الشهي في جوف الكؤوس وتتبع حركات ورشفات المتسحرين مما يجعل كبرياء الأطفال لا تسمح لهم بمزيد من الإذلال والنهر : ارݣد مالك غاتصبح صَايم ؟ يبدأ الديك في الصياح ثم صوت قرع الحديد بقوة نادرة بدوار بعيد كي تسمع جميع الدواوير المترامية عبر المنطقة الخصبة .. صَوت حاد يغطي على أصوَات الضّفادع والعلاجيم المنبعثة من كل مكان ويمزق جوف الليل البهيم المتلألئة نجومه يقودها المشبوح السّاحر الذي يقدسه كل الصّائمين والمجتهدين في عملية الحرث قبل أن يحين أوان طلوعه مع العشا ليلوح الفلاحون المتأخرون الزرع بالكُمشة ويقولون العام مشى ! صَوت يأتي من بعيد يقوم به قرقاب بأحد الدواوير القصية لينتهي كل شيء ويسود صَمت رهيب قبل الفجر . أو "الغميضة الحلوّة" إلى حين ترتفع أصوات شحارير البساتين السوداء وصَفير قبرات الحقول المبتهجة معلنة بداية صَباح جديد علينا البحث أولا عن بقايا شاي السّحور وخبزه صَعب المراس ..لنتأبط محافظنا البئيسة ثم نتوجه حفاة نحو المدرسة ..
حسَن الرّحيبي..