على مرمى النظر, كانت السفوحُ في الأعالي تنحدرُ بحدة ليلٍ صامت, فوق تلال متقاربة الامتداد ,تتلقى المَحلّةُ استغاثاتِ الأعماقِ الممزوجةَ بآهاتِ الليل, وضجر السباع, بينما تسيل زفراتُ شفاهٍ وأنفاسٌ شجريه ندية. وسط عتمه كهذه, أكاد ألمس أنفاسي اللاهثة, مجبرًا على الصمت, والطبيعةُ تصدحُ بصوت الناي الممتدّ بين شفتيه حتى آخر الأنامل المرتعشة.
فضاءُ المحلّةِ الضائقِ عليّ احتواه نايٌ يحلّق في الوديان الوادعة، بينما أصغي ببقايا خوف ورعشة وحشية .
المجنونُ يقتحمُ عشيةً المحلةَ الهادئة، وحيدًا أتسمّر، صرخةً كانت, حطاماً لجبلٍ جارفٍ من أعلى, يجتثُّ الهدوء، يقتل اجترار الغنم السادر.
عبدُ الرحمن المجنون يقتحمُ المَحلّة! تقافزتْ أشباحُ الحُلْكةِ في وجهي .. في الجدران، توارد خوفٌ جماعي ممتزجا بشراييني.
قاعدا ما زلت، يحضر إلى خوفي صراخُ القرية : عبد الرحمن المجنون يدخل بيت امرأة , يستدفئ , يشعل النيران في بيتها ..
- عبد الرحمن المجنون لا يمشي دون سكين ..
- المجنون ..
- المجنون..
استجمعتُ أنفاسي المتلاحقة .. بصيصُ ضوء الفانوس قارب الانطفاء، وهدوءٌ مقيت يبعث الريبة .. طيورٌ سوداءُ تطيرُ وتهبط .. تضربُ بأجنحتها بعنف على زاوية البيت السابح تحت رحمة المجنون .
تشاغلتُ برهةً بتحريك النار، الجمرُ يتوقّد بشدة, أنهضُ، وأنهضُ, يثوتّبُ شرر أحمر في دمي، يدور برأسي الخلاص, المواجهة.
بهدوء أشرتُ عليه بالجلوس، حلّ صمتٌ مريب، صار قطعةً من المكان , تقدمت نحو مَرْبض الغنم ..أحاذرُ كيلا يسمعَ شَخْب اللبن، بخطواتٍ لم أرها لم أسمعها ، أوصلني وجيبُها نحو كتلةِ الصمتِ في الزاوية ، ما زال ملقًى فوق هُدْبٍ صوفيّ عتيق, أقدّمُ قدحَ اللبنِ الخشبيّ ذا الأطراف الواسعة، بدا وجهه شاحبًا خلفَ القدحِ، الفقاقيع تتلألأ، تتجمّع مزبدةً كتلال الخوف الكامن وراء نظراتي .
أحسُّ حفيفَ الأشجار هزيمَ رعدٍ طاغٍ، ترتجف أوصالي، الناي يلامسُ خوفاً يسافر في عروقي، يتأملُ اللبن، لحظاتٌ دونها الموت، تطامَنَ خوف متصاعد، المجنون يبصق في اللبن مرات أربع ,ترتفع أنفاسي ، تتحركُ يدي سريعًا , تُمسكُ وجهي ..حلقي المتيبّس سيبتل .
تتراقصُ مياهٌ نائيةٌ أمام عيني، ترتفع الرغوة, ثم، بنفَسٍ واحد يزدردُ اللبن، أسمع شخبا آخر, اللبن يأخذ طريقة لأمعائه الخالية ، تقوّسَ شاربٌ أبيضُ مختلطا بشاربه الكثيف .. يُعيدُ القدحَ بلطفٍ صامت، يخرج الناي ملفوفا بعناية، يمرّر أصابعه على الدوائر الصغيرة المعتادة على ملمس أنامله .
قُطعانُ الصمتِ تصغي في سفوح تتسع بعيدًا. وأخرج, أُجالد البرد, المجنون يسكن المحلة، بقايا رهبة تجادل مساماتي، كفأر رضيع أجثو خارج الحجرة.
المجنون يقْـتعـدُ حجرًا أملسَ خلف البيت، أشجارُ الشَّثّ تتهاوى تحتَ خطواته المضطربة ينزوي هناك. عيناي تحدقان في اللاشيء .
بدا مغمضَ العينين مستسلمًا لحُلم شفيف، يخرج النايَ من (غمده) بعناية، شفتاه تستعدان, تلمع السفلى بريق بَلِيل, تتحرك أناملُه برفق..
النايُ يسافر وحيدًا غريبًا، ضوء قمري لأجله انساب من بين سحاب سماوي فضيّ، حفيفُ الريح الشتوي يلعبُ بالأوراق، أوداجي يداخلُها هدوءٌ كاستسلام مريض، الناي يسافر من جديد.
أجثو بين يديه، أسمع لحنًا يوجز الرحيل, وفي أعطافِ المكان يسكبُ الدفءَ وينزعه في آن .تهدأ فئرانُ الخوف في دمي ,الناي يحلقُ بنا بعيدًا.
تتسلّل إليّ ابتسامة هادئة هانئة، ترتخي انقباضاتي، تصغي المحلّة* والأشجار لناي حزين يرحل في اتجاهات شتى.
من مجموعة ( خطوات يبتلعهاالمغيب) 1997م
*المَحلّة بيوت في وسط الجبال تُسكنُ مؤقّتًا، ينزل إليها سكان الجبال عند اشتداد الضباب في فصل الشتاء بحثًا عن الدفء، عادة عرفها أهل القرى الممتدة على جبال السروات
فضاءُ المحلّةِ الضائقِ عليّ احتواه نايٌ يحلّق في الوديان الوادعة، بينما أصغي ببقايا خوف ورعشة وحشية .
* * *
المجنونُ يقتحمُ عشيةً المحلةَ الهادئة، وحيدًا أتسمّر، صرخةً كانت, حطاماً لجبلٍ جارفٍ من أعلى, يجتثُّ الهدوء، يقتل اجترار الغنم السادر.
عبدُ الرحمن المجنون يقتحمُ المَحلّة! تقافزتْ أشباحُ الحُلْكةِ في وجهي .. في الجدران، توارد خوفٌ جماعي ممتزجا بشراييني.
قاعدا ما زلت، يحضر إلى خوفي صراخُ القرية : عبد الرحمن المجنون يدخل بيت امرأة , يستدفئ , يشعل النيران في بيتها ..
- عبد الرحمن المجنون لا يمشي دون سكين ..
- المجنون ..
- المجنون..
استجمعتُ أنفاسي المتلاحقة .. بصيصُ ضوء الفانوس قارب الانطفاء، وهدوءٌ مقيت يبعث الريبة .. طيورٌ سوداءُ تطيرُ وتهبط .. تضربُ بأجنحتها بعنف على زاوية البيت السابح تحت رحمة المجنون .
تشاغلتُ برهةً بتحريك النار، الجمرُ يتوقّد بشدة, أنهضُ، وأنهضُ, يثوتّبُ شرر أحمر في دمي، يدور برأسي الخلاص, المواجهة.
بهدوء أشرتُ عليه بالجلوس، حلّ صمتٌ مريب، صار قطعةً من المكان , تقدمت نحو مَرْبض الغنم ..أحاذرُ كيلا يسمعَ شَخْب اللبن، بخطواتٍ لم أرها لم أسمعها ، أوصلني وجيبُها نحو كتلةِ الصمتِ في الزاوية ، ما زال ملقًى فوق هُدْبٍ صوفيّ عتيق, أقدّمُ قدحَ اللبنِ الخشبيّ ذا الأطراف الواسعة، بدا وجهه شاحبًا خلفَ القدحِ، الفقاقيع تتلألأ، تتجمّع مزبدةً كتلال الخوف الكامن وراء نظراتي .
أحسُّ حفيفَ الأشجار هزيمَ رعدٍ طاغٍ، ترتجف أوصالي، الناي يلامسُ خوفاً يسافر في عروقي، يتأملُ اللبن، لحظاتٌ دونها الموت، تطامَنَ خوف متصاعد، المجنون يبصق في اللبن مرات أربع ,ترتفع أنفاسي ، تتحركُ يدي سريعًا , تُمسكُ وجهي ..حلقي المتيبّس سيبتل .
تتراقصُ مياهٌ نائيةٌ أمام عيني، ترتفع الرغوة, ثم، بنفَسٍ واحد يزدردُ اللبن، أسمع شخبا آخر, اللبن يأخذ طريقة لأمعائه الخالية ، تقوّسَ شاربٌ أبيضُ مختلطا بشاربه الكثيف .. يُعيدُ القدحَ بلطفٍ صامت، يخرج الناي ملفوفا بعناية، يمرّر أصابعه على الدوائر الصغيرة المعتادة على ملمس أنامله .
قُطعانُ الصمتِ تصغي في سفوح تتسع بعيدًا. وأخرج, أُجالد البرد, المجنون يسكن المحلة، بقايا رهبة تجادل مساماتي، كفأر رضيع أجثو خارج الحجرة.
المجنون يقْـتعـدُ حجرًا أملسَ خلف البيت، أشجارُ الشَّثّ تتهاوى تحتَ خطواته المضطربة ينزوي هناك. عيناي تحدقان في اللاشيء .
بدا مغمضَ العينين مستسلمًا لحُلم شفيف، يخرج النايَ من (غمده) بعناية، شفتاه تستعدان, تلمع السفلى بريق بَلِيل, تتحرك أناملُه برفق..
النايُ يسافر وحيدًا غريبًا، ضوء قمري لأجله انساب من بين سحاب سماوي فضيّ، حفيفُ الريح الشتوي يلعبُ بالأوراق، أوداجي يداخلُها هدوءٌ كاستسلام مريض، الناي يسافر من جديد.
أجثو بين يديه، أسمع لحنًا يوجز الرحيل, وفي أعطافِ المكان يسكبُ الدفءَ وينزعه في آن .تهدأ فئرانُ الخوف في دمي ,الناي يحلقُ بنا بعيدًا.
تتسلّل إليّ ابتسامة هادئة هانئة، ترتخي انقباضاتي، تصغي المحلّة* والأشجار لناي حزين يرحل في اتجاهات شتى.
من مجموعة ( خطوات يبتلعهاالمغيب) 1997م
*المَحلّة بيوت في وسط الجبال تُسكنُ مؤقّتًا، ينزل إليها سكان الجبال عند اشتداد الضباب في فصل الشتاء بحثًا عن الدفء، عادة عرفها أهل القرى الممتدة على جبال السروات