كاهنة عباس - القلب المادي والقلب الشعوري




لقد اختفت من عالمنا جميع الإشارات والعلامات المنبئة

بوجود الإحساس باعتباره وهنا وخضوعا للآخر ،

رغم أنه أساس كل علاقة إنسانية .

ما بقي لنا هو الحديد والبلاستيك والقماش الملون

والاسمنت وما شابهها ،نتلهى بها لنسيان من نكون.



الروح والقلب توأمان لا يفارق أحدهما الاخر لا خفية ولا جهرا فإن توقف القلب غادرت الروح الجسد، وإن تعبت الروح تعثرت نبضات القلب، أما الغريب في شأنهما فهو السر العميق لجوهر كل منهما.
منذ عهود بعيدة، كثر الحديث عنهما في ألف صيغة وصيغة سواء كانت أدبية مكتوبة أو شفاهية محكية ،فاتخذت ألف أسلوب وأسلوب من نثر وشعر وغناء، لكنهما بقيا غريبين، لا أحد قادر على التعريف بهما، قد يغير الكشف عنهما من هوية الانسان وعلاقته بالعالم.
يحيلنا القلب المادي الى عضو حي ينبض داخلنا ليلا نهارا، يتأثر بكل حركاتنا وسكاناتنا من أقوال وأفعال، من وظيفته تلك، نشأ ما يمكن تسميته بالقلب الشعوري هو النسخة الثانية والمتصلة به اتصالا مباشرا دون أن يرى.
والقلب الشعوري هو الحافظ للذكرى ولصيرورة الزمن ومروره وما تتركه الاحداث في أنفسنا من آثار، لاتصاله بالأشياء والأشخاص، هو العالم بما لا يدرك حتى بساعة رحيله عن الدنيا، وهو المؤلف للنبض ليصبح منسجما مع ما يرى ويسمع وهو الباعث لما يسمى الإحساس.
لدينا إذا قلبان الأول مادي والثاني شعوري، الأول محسوس ومعلوم والثاني هو القطب المتلقي للنبض أي للحياة، يعيد قراءتها ثم بثها، لذلك فاتصاله بالروح هو اتصال مباشر.
القلب المادي لا يتوقف مدى الحياة، أما القلب الشعوري فقد ينكسر وينغلق وقد يحزن وقد ينفتح وهو بمثابة الشجرة الوارقة التي تحيط بالقلب المادي، فإما تحميه أو ترهقه بثقل ما تحمله من أوزان.
وهذا لا يعني أن السر كل السر لا يكمن إلا في القلب الشعوري لقدرته على التحول والتغير والانحدار والعلو، بل يكمن أيضا في القلب المادي، هذا القلب الذي ينبض بوتيرة زمنية محسوبة وهي الدقيقة، ويستمد قوته لا من الجسم فحسب بل من الهواء وحركة استنشاقه واستنثاره، لاتصاله بحركة الليل والنهار وقدرته على تعديل نبضه حسب دورتهما، إذ ينخفض أثناء النوم ثم يستعيد وثيرته أثناء اليقظة.
فالقلب المادي هو بمثابة الشمس المستقرة بكل حرارتها وسط الجسد، ترسل إليه النور والحرارة من كل جهة وجانب، إذا ما توقف عن النبض دبت البرودة في جميع أعضاء الجسم، ومعنى ذلك أن النور والظلمة والهواء والماء وغيرها ليست مجرد عناصر طبيعية بل هي حاملة لبذور الإحساس، وهو ما يفسر لنا كيف ينبعث القلب الشعوري من القلب المادي وكيف يتأثر كل منهما بالآخر الى حد أننا لا نفرق بينهما، أما عن مراحل نشأة القلب الشعوري انطلاقا من القلب المادي وعلاقته بالروح بهما فالأمر يتطلب تحليلا وتمحيصا وتفكيرا.
قد يبدو تعريف القلب الشعوري بدقة ووضوح أمرا صعبا للغاية، للأسباب التي ذكرناها آنفا، من أنه متصل بالأحداث التي يحياها وأنه غير مرئي. لكن هل يمكن رسم ملامحه الكبرى؟
عندما نولد ،لا وجود لمسافة تفصل القلب المادي عن القلب الشعوري ،لان الرضيع لا يحيا إلا بفضل إحساسه بالأمان وبالمحبة، ذلك أن نبضه ينسجم مع ما يتلقاه من عناية واهتمام، ومعنى ذلك أن لا تفرقة بين القلب المادي والشعوري ، لكن وبنمو الرضيع وقدرته على المشي والكلام ثم سعيه في العامين الاولين الى اكتشاف العالم وتسمية الأشياء بواسطة اللغة ، يحدث شرخا طفيفا بين القلبين، إثر امتلاك القلب الشعوري سجل من التسميات يكون له بمثابة المرجع للتعرف على العالم، ودليل يعتمده لوصف مشاعره وفهمها ، ثم وباكتسابه القدرة على التمثل والتصور بفضل القدرة على التسمية، ينفصل القلب الشعوري عن القلب المادي تدريجيا .
فتتخذ الأشياء والكائنات مواقع ومعان مختلفة وتتكون بينها شبكة من العلاقات، حينئذ يبقى القلب المادي متصلا بدورة النهار والليل، لينشغل عنه القلب الشعوري بفهم وتفسير الرموز والتسميات والاحداث والمعاني والعلامات والاشارات التي يزخر بها واقعه الإنساني والاجتماعي.
ولان الشعور هو علاقة مباشرة بين الجسد من جهة والشيء الباعث للإحساس قوامها الحواس: اللمس والبصر او السمع او التذوق أو الشم، إذ يتلقى الجسد ما يمكن اعتباره رسالة حسية من الشيء الباعث للإحساس، سواء كان فعل إنسان أو حيوان أو احتكاك بشيء أو تلقي حدث أو تعرض لصدمة، فيترك بصمته بجسد الانسان .
وقد يتوسع مصدر الإحساس ليتجاوز ما تنقله الحواس مباشرة من معلومات فينبع من الادراك بأمر ما: مثل لقاء شخص أو إنجاز عمل أو السفر الى مكان.
لذلك قد يكون تأثير الاحساس ظرفيا طارئا فيسمى انفعالا أو قصير المدى فيحتفظ بصفته تلك أي باعتباره إحساسا أو مستمرا فيتحول الى شعور ثم مشاعر تعيش داخل الانسان لفترات طويلة.
وإذا أردنا أن نلخص هذا المسار نقول إن القلب المادي يتلقى تأثير الحدث أو الفعل الباعث للإحساس إما باعتباره سبيلا للانفتاح والانسجام أو باعتباره خطرا فيعمل على الاستعداد لمجابهته من خلال ارتفاع النبض.
ثم وفي مرحلة ثانية، يقع تأويل الحدث أو الفعل من جانب القلب الشعوري، فيقرؤه بكم هائل من التفاصيل إن كان فعلا خطرا أم تنبيها أم وضعا عابرا، إن كان سيستمر في الزمان والمكان أم طارئا، إن كان مرتبطا بالذاكرة أم مفاجئا منقطعا عنها ليس متوقعا، إن كان إيجابيا أم سلبيا، الى أي دائرة ينتمي الشخصية منها أم الاجتماعية، ما هي آثاره؟
إذا دخلنا في دائرة القراءة والفهم والتفسير والتأويل، فإننا نكون في قطيعة ولو جزئية مع ما هو حياة بمعنى الانسياب والتدفق والوجود والاستمرار والتحول ثم الزوال.
ما نجهله أو نتجاهله جميعا، ألا تطابق بين الزمن الموضوعي كما تنظمه دورة الليل والنهار وزمن ذواتنا الداخلية بما فيها القلب الشعوري بقراءاته للأحداث وتأويلاته ومخاوفه وانتظاره وهوسه، فانفصاله عن القلب المادي ووثيرته المنتظمة تجعله مصدرا للألم وللتيه.
أما الروح فهي تلك الطاقة التي تجمع بينهما لكي تستمر مهمة كل منهما، هي الزمن الأصل، المصدر الأصل، الخيط الأصل الرابط بينهما، ما معنى ذلك؟
بمعنى أن الروح وإن لم يكن جوهرها مادي بل لامادي إلا أنها مدركة تمام الادراك للمادة، لثبوت ذلك الجوهر وقابليته للانفصال عن الجسد أي المادة دون الاندثار، إنها الشفرة المميزة التي يتصف بها القلب الشعوري، وهي جزء طفيف من ألوهية الانسان.

كاهنة عباس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...