رسالتان بين غانية ملحيس وخالد عطية

1- رسالة من غانية ملحيس الى خالد عطية


الصديق العزيز خالد
جزيل الشكر على اشتباكك العميق والمفصّل مع مسودة الورقة التي - كما أشرت - كانت نتاجا لاشتباك فكري سبقها وانخرط فيه عديد الكتاب الذين يؤرقهم المأزق الوجودي الفلسطيني. وأثمن عاليا قراءة مقالك الحواري التي تضيء أبعادا أساسية تتعلق بالحامل السياسي، والشرعية الرمزية، والمساءلة التحصينية، والواقع الاجتماعي الفلسطيني.
ملاحظاتك حول ضرورة إدراج البعد الصراعي، ومحدودية التوصيف النظري للحامل السياسي، والقيود الدولية المفروضة على الاعتراف الدولي تضيف بعدا عمليا حيويا للنقاش، وتؤكد أن أي مشروع تحرري لا يمكن أن يبقى نظريا ونخبويا فقط، بل يحتاج إلى صقل مستمر يشارك فيه الجميع في مواجهة الواقع في ظل الابادة الجماعية المتواصلة للعام الثالث على التوالي.
نتفق تماما على أن المساءلة التحصينية أحد أهم أدوات حماية السياسة في زمن الإبادة، وأن الحذر من مساءلات تُنزع من سياقها وتُستخدم لتجريم المقاومة أو تحميلها مسؤولية العنف الاستعماري أمر بالغ الأهمية. فكما أشرت، السؤال لا يُقاس بسلامة النوايا بل بالأثر السياسي، خصوصا في ظل حملة شاملة لنزع السياسة عن الفعل التحرري بذريعة المساءلة. والضبط المحكم للشروط، خصوصا شرط الزمن، ضروري حتى لا يُساء فهمه على أنه تعليق مفتوح للمساءلة، بل تنظيما لها في لحظة الإبادة، ولتفادي استخدامها لتصفية المقاومة أو تحويل الفعل المقاوم إلى رمز معصوم لا يمكن نقده.
أما ما يخص اللامركزية وانتقال مركز القرار في السياق الفلسطيني، فالورقة لم تغفل المخاطر، بل وضعت إطارا تنسيقيا جامعا يحمي الوحدة.
الحامل السياسي المؤهل لاستدامة الفعل التحرري في ظل التوزع الجغرافي لا يمكن أن يكون تنظيما مركزيا يحتكر القرار والتنفيذ، بل موحد في الرؤية والهدف التحرري، ولامركزي في البنية والتنظيم، ومرن في تموضع مراكز القرار. اللامركزية هنا ليست ضعفا، بل شرط بقاء يسمح لكل مكوّن من الشعب الفلسطيني أن يؤدي دوره في حمل المشروع التحرري وفق قدرته العملية عندما تتوفر الشروط الموضوعية، دون انتظار تفويض دائم أو وصاية من مركز بعيد أو محاصر. وتجربة الانتفاضة الأولى، ومفاوضات واشنطن التي أعقبت مؤتمر مدريد 1991، والالتفاف عليها من المركز في أوسلو خير مثال.
ولم يكن انتقال مركز القرار جغرافيا سبب ضعف الحركة الوطنية حين امتلكت مشروعا تحرريا جامعا، بل سمح بتنوع مراكز الفعل والقرار وتكامل أدوار الداخل والخارج مع بقاء البوصلة موحدة. وإعادة تعريف الحامل السياسي، في مرحلة ما بعد الإبادة، تعني ربطه بالمشروع التحرري وليس بالأفراد أو التنظيمات، والاعتراف بتكامل أدوار المكونات الفلسطينية، وبناء إطار تنسيقي مركزي يضبط الاتجاه دون أن يحتكر القرار.
بهذا المعنى، الحامل السياسي الشامل هو إطار أعلى ينسّق الأدوار داخل رؤية واحدة، ويحوّل التعدد الجغرافي من عبء إلى رافعة، ومن سبب انقسام إلى مصدر قوة، يحافظ على وحدة المشروع، ويحفظ مرونة التحرك وفق مقتضيات الواقع الصراعي.
مودتي واحترامي
غانية ملحيس
24/12/2025



*****


2- رسالة من خالد عطية الى غانية ملحيس


الصديقة العزيزة د. غانية،
جزيل الشكر على هذا التفاعل الكريم، وعلى سعة الصدر الفكرية التي تحرصين عبرها على إبقاء النقاش حيًّا ومفتوحًا لا محروسًا ولا مكتفيًا بذاته. لعلّ الفضل الأول لمسودتك أنها أعادت ضبط لغة التفكير في لحظة يُراد لها أن تُختزل إمّا إلى أخلاقيات الرثاء أو إلى إدارة الكارثة، في حين أنّ الأسئلة التي تطرحينها – والتي حاول مقالي السير في أفقها – تتعلق بمصير السياسة نفسها بوصفها قدرة على الفعل لا مجرّد توصيف للحدث.
أتفق معك تمامًا في ربطك بين الحامل السياسي والمشروع التحرري لا بالأشخاص ولا بالتنظيمات بوضعها القائم، وفي تأكيدك أن اللامركزية ليست تعبيرا عن الضعف، بل عن شرط بقاء في جغرافيا ممزقة ومجتمع موزّع قسرًا. إنّ تأكيدك على مرونة تموضع مراكز القرار وتعدد دوائر الفعل من دون سقوط البوصلة في التيه، يعيد الاعتبار لأحد أهم دروس التجربة الفلسطينية: أنّ الوحدة لم تكن يومًا مرادفًا للمركزية التنظيمية الصلبة، كما أنّ التشتت الجغرافي لم يكن قدرًا منتجًا للعجز إذا توفّر المشروع الجامع.
ومع ذلك، يبقى في القلب سؤال أجدّد طرحه معك لا عليك:
كيف نحمي اللامركزية من التحول إلى تعدّد مشاريع لا تعدّد أدوار؟
أي إطار تنسيقي قادر على أن يضبط الاتجاه من دون أن يعيد إنتاج منطق الوصاية، أو يحوّل «المركز التنسيقي» إلى مركز احتكار جديد للشرعية؟
هذا السؤال لا يقلق من اللامركزية بوصفها خيارًا، بل من الشبكات الواقعية القائمة التي قد تعيد ابتلاعها أو توظيفها.
أقدّر عاليًا توضيحك لمسألة المساءلة التحصينية وأهمية ضبط شرط الزمن حتى لا تتحول إلى تعليق مفتوح للسؤال ولا إلى أداة لتجريم الفعل المقاوم. ما كان يقلقني – ولا يزال – هو المسافة الدقيقة بين تحصين الفعل المقاوم من حملات النزع السياسي وبين تحويل المقاومة ذاتها إلى منطقة محرّمة نقديًا. هنا يبدو لي أن تمييزك بين “تنظيم السؤال” و“تعليق السؤال” بالغ الأهمية ويستحق مزيدًا من التأسيس العملي، خاصة في ظل تحوّل بعض البيئات التنظيمية العربية والفلسطينية سابقًا إلى فضاءات مغلقة باسم زمن الصراع.
لقد أحسنتِ حين نقلتِ النقاش من سؤال: من يمثّل؟
إلى سؤال أعمق: ما الذي يمثَّل؟ ومن أجل أي مشروع؟
فالأزمة اليوم ليست فقط أزمة حامل، بل أحيانًا أزمة محمول؛ هل نحن أمام مشروع تحرري واضح المعالم، أم أمام تجاور خطابات مقاومة ومفاوضة وبقاء، تتعايش اضطراريًا من دون أن تنتج وحدة وجهة؟
أما ما يخص القيود الدولية وإعادة إنتاج “الممثل المقبول”، فقد لفتني في ردّك تأكيدك أنّ الاعتراف ليس فضاء قبول بل فضاء صراع. هذا التحديد، برأيي، هو ما يمكن أن ينقذ أي حامل سياسي قادم من خطر الإعادة القسرية إلى وظيفة الوسيط. فالخطر لا يكمن فقط في الخارج الذي يفرض شروطه، بل في الداخل الذي يطابق أحيانًا بين شرعية الاعتراف وشرعية التمثيل من حيث يدري أو لا يدري.
لعلّ ما يجمعنا في هذا الحوار هو إدراكنا المشترك أن ما بعد الإبادة ليس مجرّد امتداد لما قبلها، وأنّ سؤال الحامل السياسي ليس سؤال هندسة مؤسسية فقط، بل سؤال إعادة توزيع للشرعية والمعنى والقدرة داخل المجتمع الفلسطيني. وهذا توزيع لا يتم بلا صراع ولا بلا أثمان، لكنه الصراع الوحيد الذي يمكن أن ينقذ السياسة من التحلل إلى أخلاق مجروحة أو إدارة كارثة.
أشكرك مجددًا على هذا الاشتباك الخلّاق، وعلى شجاعة إعادة طرح الأسئلة التي يخشاها الخطاب اليومي المطمئن. وآمل أن يبقى الحوار مفتوحًا، لا ليُنتج اتفاقًا سريعًا، بل ليحمي إمكان التفكير ذاته في لحظة يراد لها أن تُختزل إلى بديهيات قاتلة.

مع خالص الود والتقدير
خالد عطية
24/12/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...