كانت مملكة الشعراء عند أصحاب المدرسة السيريالية أو أنصار المذهب الفكري السيريالي (1919-1939) ؛ تمتد من مقهى "الدوماغو" Caffe Donagoj في بولفار (سان جرمان) Boulevard Saint Jermain الى مقهى بولفار (مونيار تاس) ، و كان يسود ارجاء هذه المملكة نوع من القلق او التشاؤم المستسلم ، الذي يتجلى غالبا في نوع من المرح الصاخب المتوتر.
الشعراء بهذه المقاهي ، يتناقشون ، يحللون ، يتشاجرون ، يشربون ، يدخنون في جو من السخرية المرة و الفكاهة السوداء. و هو الجو المناسب الذي يخفي فيه السيربالي اعمق مشاعر المتحلل و اللامبالاة.
كانت هذه المقاهي رغم الحرب و المدفعية النازية التي لم تتوقف عن دك ثخوم عاصمة الجن و الملائكة باريس ، إلا أنها المجموعة ما وراء الواقع استطاعت على علتها ظ و على قلتها أن تستنهض الهمم من رماد (فنيق) الدمار و الخراب ، و ان تخرج للعالم بأبشع تمثال نُحث و صنع من انقاص الإنسانية جمعاء يحمل شعارا ظل قائما حتى الساعة تحت مسمى - " كل شيء لا شيء" ! - كلما قامت حرب و عجزت الأمم عن اخماد اتون جنون تاربخها الناري.
وقتها أدرك العالم أنه امام تيلر فكري فني ادبي جاء ثورة ليس ضد الحرب على اعتبارها أيضا فنا من الفنون ، و انما ثورة ضد جميع المدارس و المذاهب التي كانت قبلها و لا الكلاسيكية منها مذهب القيود.
مذهب سيريالي مجنونا حطم ز كسر حصانه الخشبي (الدادا) نسبة الى "الدادائية" و كفّ فيه عن مجاراة الألعاب الصبيانية ، و عانق الحلم و الإنعتاق الشامل و الغموض واللا أدري كنوع من انواع الخلاص (اسطورة ديدالوس و ابنه ايكار).
العديد من هؤلاء الشعراء صارت الحرب يومها أسطورة فنان ، كما صار جندي الحبهة فنانا ، فإذا كان الشاعر مقرونا بفعل الخلق و الإبداع ، و اذا كان الكاهم مقرونا بفعل معرفة فإن الجندي المقاتل فعل القتل !. كانت المقاهي هذه تحمل اسماءهم ، بل تجاوزت حدود الدولة الفرنسية ، حين كرمت موسكو الشاعر الفرتسي السيريالي اسمه على واجهة احد المقاهي الشهيرة ، و العديد العديد من عواصم الدول الكبرى التي تحمل ارثا ثقافيا ثريا تحمل مقاهيها أسماء مشاهير الأدب و الفن و الثقافة.
هكذا المجتمعات الحية تصنع و تمجد و تحيي مآثر فرسانها بالكبفية و الطربقة التي تراها هي تكافئ بطولاتهم في شتى القيم.
لماذا المقهى بالضبط ؟
صحيح باليونان القديمة ارتبط (المعبد) الديني اللاهوتي ، أكثر بالكهنة و رجال الحرب و شعراء الملاحم و الدراما و الحكماء المفكرين ، مثل معبد (دلف) أو / (دلفي) ؛ أين ألتقى الحكماء السبعة ، و أراد كل واحد منهم أن بترك أثرا(...) يخلد اسمه بعد أن ينتقل الى العالم الآخر (هديز) لا يؤوب منه مسافر فكتب :
- أرسطو : أعرف نفسك !
- كتب صولون الحكيم ؛ كل شيء بالمداومة
- و كتب بياس : لاشيء يزيد عم حده
- و كتب هزيود : معظم الناس أشرار و من يفعل الشر بالآخرين يفعل الشر في نفسه أولا !.
.....وهكذا
ومع الأيام و التقدم الثقافي و الحضاري للأمم و الشعوب صار معلقات على بيت الكعبة ، ثم كما هو (بيت الحكمة) في العصر العباسي . قبل ان يلحقها جيش هولاكو المغول 1258م و ينزل بها دمارا و خرابا.
وصفت ساعتها هذه الحالة المأساة "بالصفر التاريخي الاول".
إلا أن التساؤل الذي طرح يومئذ عن لماذا هذه السيريالية !؟
انجر عنه سؤالين تقليديين آخرين :
- لماذا هذه الخرب ؟
- و لماذا هذه المقاهي ؟
انجر عنها عدة احداث أدت الى الغربة ، التفكك ، العدمية ، اللجوء الى الأسطورة ، و الهروب من المجتمع ، أين لم يعد يمتاز الأدب بالظاهرة الإجتماعية ، أي لم يعد ما يميز الأدب يميز المجتمع.
حينها أستقل كل شاعر ، و كل أديب ، و كل مثقف بمدرسته الخاصة ، و بدأت بوادر فكرة (الصالونات) تعلو على المشهد الأدبي العربي اوائل القرن العشرين في العصر الحديث كصالون (مي زيادة) و غيرها....
كما شهد أواخر القرن 19 و أوائل القرن 20 مقاهي بأسم أدباء عرب كبار مثل مقهى عميد الأدب العربي د. طه حسين....و غيره
المقهى ذاك المكان (المقدس) الذي كان يقوم به المعبد قديما ، ليس للعبادة فقط ، و ليست للكهنوتية فقط ، انما هي الزاوية الوحيدة التي يشعر من خلالها الأديب أو الشاعر أو المثقف متحررا عن كل التزامات مادية معنوية اجتماعية سياسية ، دون بروتوكولات و لا خسابات مسبقة لأقاويل مسبقة ، كيما يخفي الأديب مشاعر المتحلل و يسمو الى مصاف لا هو بالشيطان و لا بالملائكة ، بل المهندس الديدالي الذي يتمكن من بناء سجن ، يسجن بدوره فيه ثم يسعى الى التحرر منه في نفس الوقت!
يحلق بالسماء بعيدا ، يقترب من الشمس ، يذوب الشمع و يسقط بالبحر ليكتشف عن ارثه هناك....!
أكسر قشرة ألفاظك و أفصح عن لب الفكرة !
أنا البحر في احشائه الدر كامن ** هل سألت الغواصين عن صدفاتي.
أستطاع من خلال هذه المقاهي أن تنبعث افكار اخرى مجددة سلطت عليها لمة الشعراء وهم قلة موجة العصف الذهني ، و العصف العاطفي الوجداني لحل مشكلات فكرية كانت مستغصية عن الفهم و الإدراك لولا هذه السانحة من اجواء الفوضى ، اجواء الضجيج ز العجيج و التهريج ، اجواء رائحة القهوة ، و شواش ادخنة السجائر و الغليون ، كل هذه المشاهد ، التي عبروا من خلالها الشعراء عن مشاعرهم ، عن خواطر النفس ، بعيدا عن أي التزام يفرضه العقل أو المنطق.
شواش واسطة عبور الى عالم رحيب كان لا يدرك مستغصيا على الفهم و الوصول اليه إلا وفق المعادلات الرياضية.
كان الإبداع بنكهة القهوة الممتازة المضغوطة ، بذائقة البُن الأصيل النفيس البيولوجي غير المعدل و المتمم وراثيا ، و بجلسات الحب التلقائي المباشر.
اليوم و في ظل تراجع الإبداع و فقدان الفكر و الأدب و الثقافة لجمهوره..و قي ظل فشل الجمعيات و الجامعات و المرفق الثقافي العام و كذا النوادي الادبية في بعث أي حراك ثقافي أو توعية ابداعية ، تبقى عودة الأديب المثقف الى المقهى التقليدي هي العودة الى الأصل ، العودة الى المعبد أين لا يلتقي الشعراء بعضهم بعضا انما يلتقوا مع جمهورهم على تلك الأرض التي كانت مجهولة.
مقهى يعيد فيها المثقف نوستالجياه الديني و اللغوي معا ، قُرباه الثقافية و مصلاه الأدبية،
الشعر سحر صوفي مقترن بالصلاة / (سوزا).
المقهى ليست (سيركا) أين تكمن فرجة صراع المهرج مع حبل الحياة ، مجبر أن يوفر التسلية و اللهو لمن دفع ثمن التذكرة و في نفس الوقت المأساة التي تحفه مع اقل خطأ قبل أن يسقط و يدق عنقه !
المقهى التي يتلقى فيها الشاعر الأديب المثقف جرعة حياة ، ارتقاء بين ما يدركه و ما لا يدركه ، يجب أن يكون في اعلى تجلياته في كامل تألقه و لياقته الخيوية ، بل مقبل على عدة حيواة اخرى أكثر دينامية على جميع المحاور.
ان عالم لا يفهمه إلا التكنوقراطيين العلماء ، المهندسين ، الأساتذة الدكاترة هو عالم يشعر فيه الناس بالغربة.
....هكذا مع الأيام صارت المفهى وليدة الإبداع ، لا تفرض أي مقاس مساطر و لا بطاقة عضوية ، و لا مقعد ابداعي ، و بالتالي امتازت بما امتاز به المعبد قديما (دلفي) ، (أبوللو) ، و (ديونيسيوس) مهبط الإلهام و الأبداع و الأحذ ، (الأحذ) بالمعنى الأرسطي للكلمة ، الشخص المبدع ، الخلاق ، الشعر الراق أو كما سماه أفلاطون (الجنون السماوي).
وحده هذا الجنون ملح الخليقة الذي يحمي العقل من الفساد ، بل هو منطقه ، ووحدهم المجانين الذين سوف يقودون هذا العالم المجنون المأحوذ بجنون أرضي.
الشعراء بهذه المقاهي ، يتناقشون ، يحللون ، يتشاجرون ، يشربون ، يدخنون في جو من السخرية المرة و الفكاهة السوداء. و هو الجو المناسب الذي يخفي فيه السيربالي اعمق مشاعر المتحلل و اللامبالاة.
كانت هذه المقاهي رغم الحرب و المدفعية النازية التي لم تتوقف عن دك ثخوم عاصمة الجن و الملائكة باريس ، إلا أنها المجموعة ما وراء الواقع استطاعت على علتها ظ و على قلتها أن تستنهض الهمم من رماد (فنيق) الدمار و الخراب ، و ان تخرج للعالم بأبشع تمثال نُحث و صنع من انقاص الإنسانية جمعاء يحمل شعارا ظل قائما حتى الساعة تحت مسمى - " كل شيء لا شيء" ! - كلما قامت حرب و عجزت الأمم عن اخماد اتون جنون تاربخها الناري.
وقتها أدرك العالم أنه امام تيلر فكري فني ادبي جاء ثورة ليس ضد الحرب على اعتبارها أيضا فنا من الفنون ، و انما ثورة ضد جميع المدارس و المذاهب التي كانت قبلها و لا الكلاسيكية منها مذهب القيود.
مذهب سيريالي مجنونا حطم ز كسر حصانه الخشبي (الدادا) نسبة الى "الدادائية" و كفّ فيه عن مجاراة الألعاب الصبيانية ، و عانق الحلم و الإنعتاق الشامل و الغموض واللا أدري كنوع من انواع الخلاص (اسطورة ديدالوس و ابنه ايكار).
العديد من هؤلاء الشعراء صارت الحرب يومها أسطورة فنان ، كما صار جندي الحبهة فنانا ، فإذا كان الشاعر مقرونا بفعل الخلق و الإبداع ، و اذا كان الكاهم مقرونا بفعل معرفة فإن الجندي المقاتل فعل القتل !. كانت المقاهي هذه تحمل اسماءهم ، بل تجاوزت حدود الدولة الفرنسية ، حين كرمت موسكو الشاعر الفرتسي السيريالي اسمه على واجهة احد المقاهي الشهيرة ، و العديد العديد من عواصم الدول الكبرى التي تحمل ارثا ثقافيا ثريا تحمل مقاهيها أسماء مشاهير الأدب و الفن و الثقافة.
هكذا المجتمعات الحية تصنع و تمجد و تحيي مآثر فرسانها بالكبفية و الطربقة التي تراها هي تكافئ بطولاتهم في شتى القيم.
لماذا المقهى بالضبط ؟
صحيح باليونان القديمة ارتبط (المعبد) الديني اللاهوتي ، أكثر بالكهنة و رجال الحرب و شعراء الملاحم و الدراما و الحكماء المفكرين ، مثل معبد (دلف) أو / (دلفي) ؛ أين ألتقى الحكماء السبعة ، و أراد كل واحد منهم أن بترك أثرا(...) يخلد اسمه بعد أن ينتقل الى العالم الآخر (هديز) لا يؤوب منه مسافر فكتب :
- أرسطو : أعرف نفسك !
- كتب صولون الحكيم ؛ كل شيء بالمداومة
- و كتب بياس : لاشيء يزيد عم حده
- و كتب هزيود : معظم الناس أشرار و من يفعل الشر بالآخرين يفعل الشر في نفسه أولا !.
.....وهكذا
ومع الأيام و التقدم الثقافي و الحضاري للأمم و الشعوب صار معلقات على بيت الكعبة ، ثم كما هو (بيت الحكمة) في العصر العباسي . قبل ان يلحقها جيش هولاكو المغول 1258م و ينزل بها دمارا و خرابا.
وصفت ساعتها هذه الحالة المأساة "بالصفر التاريخي الاول".
إلا أن التساؤل الذي طرح يومئذ عن لماذا هذه السيريالية !؟
انجر عنه سؤالين تقليديين آخرين :
- لماذا هذه الخرب ؟
- و لماذا هذه المقاهي ؟
انجر عنها عدة احداث أدت الى الغربة ، التفكك ، العدمية ، اللجوء الى الأسطورة ، و الهروب من المجتمع ، أين لم يعد يمتاز الأدب بالظاهرة الإجتماعية ، أي لم يعد ما يميز الأدب يميز المجتمع.
حينها أستقل كل شاعر ، و كل أديب ، و كل مثقف بمدرسته الخاصة ، و بدأت بوادر فكرة (الصالونات) تعلو على المشهد الأدبي العربي اوائل القرن العشرين في العصر الحديث كصالون (مي زيادة) و غيرها....
كما شهد أواخر القرن 19 و أوائل القرن 20 مقاهي بأسم أدباء عرب كبار مثل مقهى عميد الأدب العربي د. طه حسين....و غيره
المقهى ذاك المكان (المقدس) الذي كان يقوم به المعبد قديما ، ليس للعبادة فقط ، و ليست للكهنوتية فقط ، انما هي الزاوية الوحيدة التي يشعر من خلالها الأديب أو الشاعر أو المثقف متحررا عن كل التزامات مادية معنوية اجتماعية سياسية ، دون بروتوكولات و لا خسابات مسبقة لأقاويل مسبقة ، كيما يخفي الأديب مشاعر المتحلل و يسمو الى مصاف لا هو بالشيطان و لا بالملائكة ، بل المهندس الديدالي الذي يتمكن من بناء سجن ، يسجن بدوره فيه ثم يسعى الى التحرر منه في نفس الوقت!
يحلق بالسماء بعيدا ، يقترب من الشمس ، يذوب الشمع و يسقط بالبحر ليكتشف عن ارثه هناك....!
أكسر قشرة ألفاظك و أفصح عن لب الفكرة !
أنا البحر في احشائه الدر كامن ** هل سألت الغواصين عن صدفاتي.
أستطاع من خلال هذه المقاهي أن تنبعث افكار اخرى مجددة سلطت عليها لمة الشعراء وهم قلة موجة العصف الذهني ، و العصف العاطفي الوجداني لحل مشكلات فكرية كانت مستغصية عن الفهم و الإدراك لولا هذه السانحة من اجواء الفوضى ، اجواء الضجيج ز العجيج و التهريج ، اجواء رائحة القهوة ، و شواش ادخنة السجائر و الغليون ، كل هذه المشاهد ، التي عبروا من خلالها الشعراء عن مشاعرهم ، عن خواطر النفس ، بعيدا عن أي التزام يفرضه العقل أو المنطق.
شواش واسطة عبور الى عالم رحيب كان لا يدرك مستغصيا على الفهم و الوصول اليه إلا وفق المعادلات الرياضية.
كان الإبداع بنكهة القهوة الممتازة المضغوطة ، بذائقة البُن الأصيل النفيس البيولوجي غير المعدل و المتمم وراثيا ، و بجلسات الحب التلقائي المباشر.
اليوم و في ظل تراجع الإبداع و فقدان الفكر و الأدب و الثقافة لجمهوره..و قي ظل فشل الجمعيات و الجامعات و المرفق الثقافي العام و كذا النوادي الادبية في بعث أي حراك ثقافي أو توعية ابداعية ، تبقى عودة الأديب المثقف الى المقهى التقليدي هي العودة الى الأصل ، العودة الى المعبد أين لا يلتقي الشعراء بعضهم بعضا انما يلتقوا مع جمهورهم على تلك الأرض التي كانت مجهولة.
مقهى يعيد فيها المثقف نوستالجياه الديني و اللغوي معا ، قُرباه الثقافية و مصلاه الأدبية،
الشعر سحر صوفي مقترن بالصلاة / (سوزا).
المقهى ليست (سيركا) أين تكمن فرجة صراع المهرج مع حبل الحياة ، مجبر أن يوفر التسلية و اللهو لمن دفع ثمن التذكرة و في نفس الوقت المأساة التي تحفه مع اقل خطأ قبل أن يسقط و يدق عنقه !
المقهى التي يتلقى فيها الشاعر الأديب المثقف جرعة حياة ، ارتقاء بين ما يدركه و ما لا يدركه ، يجب أن يكون في اعلى تجلياته في كامل تألقه و لياقته الخيوية ، بل مقبل على عدة حيواة اخرى أكثر دينامية على جميع المحاور.
ان عالم لا يفهمه إلا التكنوقراطيين العلماء ، المهندسين ، الأساتذة الدكاترة هو عالم يشعر فيه الناس بالغربة.
....هكذا مع الأيام صارت المفهى وليدة الإبداع ، لا تفرض أي مقاس مساطر و لا بطاقة عضوية ، و لا مقعد ابداعي ، و بالتالي امتازت بما امتاز به المعبد قديما (دلفي) ، (أبوللو) ، و (ديونيسيوس) مهبط الإلهام و الأبداع و الأحذ ، (الأحذ) بالمعنى الأرسطي للكلمة ، الشخص المبدع ، الخلاق ، الشعر الراق أو كما سماه أفلاطون (الجنون السماوي).
وحده هذا الجنون ملح الخليقة الذي يحمي العقل من الفساد ، بل هو منطقه ، ووحدهم المجانين الذين سوف يقودون هذا العالم المجنون المأحوذ بجنون أرضي.