أدب المناجم محمد الدويمي - السيليكوز والشتاء

مرت على أبي سنوات قاسية خلال عمله بالمنجم. كان "السيليكوز" يكبر معه ببطء.. مع مرور الأيام، بدأ التعب والوهن يعترضان قوته ويَكْمحان نشاطه. أصبحت كلماته تتحشرج في قصبته الهوائية. أضحى نفَسُه يضيق في صدره، ويسبّب له سعالا رهيبا يبصق من خلاله بعضا من كدحه وآلامه...
أقصد بعضا من أيامه.
بقايا سيليس لزج..
شيء من دم..
طرف رئة..
عانى أبي كثيرا مع "السيليكوزْ".
في آخر أيامه، أجهز عليه المرض وأحاط به من كل جانب فلم تعد تنفعه مهدئات السعال ولا زيارات الطبيب المتكررة...
في زوايا أحدى الغرف، يفترش الأرض ونصفه الأعلى مستنِدا على الحائط بعدما تخلص من جل ثيابه إلا من عباءة فضفاضة تُظهر أطرافه النحيلة وقفصه الصدري الضّامر. وُضع أمامه وعاء بلاستيكي يرافقه أينما جلس ليبصق فيه.. بصاق تارة أسود ناجم عن ذرات فحم مترسبة في أحشائه، وتارة أخرى بلون الدم نتيجة اهتراء الرئة وتفتتها... عندما تغزو قطرات العرق جبينه، يخرج بصعوبة بالغة منديلا من جيبه يجففها به. نجلس بجوار معاناته وأنينه صامتين دامعين علنا نخفف بعضا من وحشته... نَهفّ عليه بمروحة من الدّوم تبعث شيئا من هواء نأمل أن ينعشه ويخفف من وطأة الحرارة التي تغمر جسده المتعب ويزيح عنه هذا الضيق الذي قد يكتم أنفاسه في أي وقت.
عاش الوالد على هذه الحال ما يربو عن ثلاث سنوات يؤنسنا بسعاله وتأوهاته... نحيطه بنظراتنا ونتقاسم معاناته وأرقه... كنت أختلس، بين الحين والآخر، نظرات حزينة إلى عينيه الغائرتين اللتين فقدتا معنى الحياة، وإلى وجهه الذي يعلوه الاصفرار، وأصغي إلى طريقة تنفسه غير العادية التي تبعث على القلق... ألْحظ العرق وهو يتصبب صبّا من سائر جسده كأنه في سباق مع الأجل. تتجاذبه الحياة والموت أيهما تستميله لصالحها. عايشت عن كثت هذا السعال الرهيب الحاد الذي يباغته بين الفينة والأخرى.
أنهكه هذا المرض اللعين.
أصابه الوهن فخرت قواه.
منظر حزين يُدمي القلب حقا!!!
مع توالي الأيام، أصبح الوالد عبارة عن هيكل عظمي. انفرد به "السيليكوزْ" وقضى على كل مؤشر حياة فيه. غابت كلماته وحلّت محلها شبه حروف هامسة مبعثرة مصحوبة بحشرجة يتبعها سعاله البغيض. كم مرة استيقظنا مذعورين ليلا على أنينه. نجتمع حوله. عندما يهدأ ويستكين، يتصفحنا بنظرات حزينة... يشعر بانكسار يظهر جليا على قسمات وجهه. يحاول عبثا كتم أنينه الخفي الذابل.
بدا الوالد في آخر أيامه مثل حطام مرآة تعكس وجه حقوق مهضومة وعدالة ضيزى... مرآة تعكس صورا أليمة لضحايا ظلم اجتماعي واستغلال فاحش يرزخ تحت وطأته العمال ويقاسون من تبعاته.
تساءلت :
- لماذا تدير الشركة ظهرها لمن كانوا يوما ما عمالا نشيطين ومنتجين؟
- ليس عدلا أبدا أن تتخلى عنهم بهذه الطريقة بعدما أفنوا شبابهم وجزءا من شيخوختهم في المنجم؟
- لا يحق لها أن تلفظهم هكذا بكل بساطة وتتركهم يصارعون "السيليكوزْ" وحدهم!!!
قاسى أبي كثيرا وهو يصارع المرض حتى جاءه أجله بعد أن استوفى الموت شروطه وخلصه من براثن الألم.
مات أبي كما مات كثير من عمال الفحم.
في الغار، لم يكن لهؤلاء قيد حياتهم معنى سوى أنهم أرقام في منظومة لا يهمها غير الربح السريع، وصعود مؤشرات المردودية الفردية والإنتاج الإجمالي...
رحل الوالد إلى الأبد.
زاره الموت مبكرا وهو لم يبلغ سن التقاعد بعد.
رُدم معه في قبره رقمه المهني وسنوات عمله الطويلة ونسبة "السيليكوزْ" التي خرّبت رئته إضافة إلى معاناته وآهاته... ترك لنا كثيرا من ذكريات تعبه وجزء يسيرا من تعويضات عن المرض المهني المميت أُسْقطت دون رجعة مع التقادم.
عندما كان جثمان أبي يُوارى التراب، غفوت قليلا. رأيت موتى "السيليكوزْ" يخرجون من أجداثهم. يحملون بقايا رئاتهم التالفة بأياديهم. يضعون فوقها أوراقا تؤكد نسبة عجزهم المئوية التي صادقت عليها المحكمة والتعويضات الهزيلة التي يتسلمونها كل ثلاثة أشهر.
أحاط الموتى بقبر أبي من كل جانب وهم يحاولون كتم سعالهم. رأيت أبي يخرج من بين أضلعي.. من بين زفراتي ومن بين أحزاني متوشحا كفنا بلون الفحم ثم وقف شامخا. نفض غبار الفحم عن كفنه.. عن وجهه.. عن يديه وعن أيامه التي قضاها بين الأقبية والممرات الضيقة وسط الظلام والغبار والأخطار... نظر إلى المحيطين به. أشار إليهم بلغة لم أفهمها. أحاطوا بي من كل جانب وهم يتهامسون. أحسست بجسدي دون كفن يهوي بلطف نحو قاع قبر أبي الذي أصبح قبري. بدأ التراب يتراكم فوق جسدي معلنا نهاية طفولتي واضعا حدّا لأحلامي الصغيرة... سمعت أبي يقول بأن ضوء النهار يجب ألا يتسرب إلى القبر، وأن لسعات البرد يجب ألا تنفذ إليه، ثم أخذ رفشا بيديه الحرشتين. رغم أن من عادات الموتى عدم المشاركة في تشييع أنفسهم، فإني رأيت أبي يحثو التراب على قبره.. على قبري.. يسارع إلى سدّ المنافذ بنفسه وهو يؤكد:
- وحدها القبور تحتضن مرضى "السيليكوزْ" بدفئها. يرقدون فيها دون سعال أو عسر في التنفس. لن يحتاجوا فيها لقنّينات أوكسجين أو مهدئات أو أجهزة إنعاش أو طبيب أو ممرض أو سيارة إسعاف...
عندما تأكد أبي من عملية سدّ جميع المنافذ، عاد بهدوء إلى قبره.
صحوت من غفوتي على حركة المشيعين وهم يضعون آخر اللمسات لتسوية القبر ونصب الشاهديْن وصوت فقيه الحي وهو يتلو بمعية بعض الحضور سورة يس.
ثم ختموا دعاءهم:
- اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة.
- آمـــــــــــــــين.
غادرنا أبي إلى دار البقاء.
أصبح رقمه المهني مسبوقا بEX في أرشيفات الشركة للدلالة على أن صاحبه كان ذات يوم عاملا بمناجم الفحم.
مع تحيات محمد الدويمي






تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...