عبدالواسع السقاف - التناص والسرقة الأدبية (شرح مبسط)

أرسل لنا بعض المتابعين على الخاص يريدون مقالاً يشرح الفرق بين التناص والسرقة الأدبية بلغة بسيطة شارحة. وتلبية لطلبهم نعزز المنشور السابق بهذا المنشور.
وحيث و إن قضية "السرقة الأدبية مقابل التناص" هي من أكثر القضايا التي تشغل النقاد حاليًا نظرًا لسهولة الوصول للمعلومات وتداخل النصوص عالمياً بسبب الإنترنت، فإليك صديقنا المتابع الكريم شرحا بسيطا يوضح الفرق بينهما والنقاط الشائكة التي تجذب النقاد:
1. التناص (Intertextuality): هو مصطلح نقدي حديث صاغته الناقدة (جوليا كريستيفا) يرى أنّ أي نص هو "لوحة فسيفساء" من نصوص سابقة. ومفهوم المصطلح هو تفاعل غير مباشر بين نص جديد ونصوص قديمة (دينية، تاريخية، أدبية) بحيث يمتصها الكاتب ويعيد صياغتها لإنتاج دلالة جديدة. ويُقال إن الهدف هو إغناء النص وإعطاؤه أبعاداً ثقافية وعمقاً معرفياً.
مثال على ذلك: عندما يستخدم شاعر حديث رموزاً من "ملحمة جلجامش" أو قصص الأنبياء ليعبر عن قضية معاصرة؛ هذا يُعد تناصا إبداعيا. أو أن يتضمن نص حديث أفكار نصوص سابقة بطريقة الإيحاء، مما يخلق نسيجًا جديدًا من المعاني. وكذلك اقتباس الشعراء آيات قرآنية أو أحاديث نبوية في قصائدهم، مثل قول بدر شاكر السياب "وإن صاح أيوب كان النداء…"
في قصيدته "سفر أيوب" الذي يتفاعل مع قصة أيوب عليه السلام.
2. السرقة الأدبية (Plagiarism) هي الاستيلاء على جهد الآخرين ونسبه للنفس دون وجه حق. ومفهوم المصطلح هو نقل عبارات، أو أفكار مركزية، أو بنية نص كاملة كما هي، مع محاولة إخفاء المصدر الأصلي. والهدف بالطبع هو السطو على نجاح الآخرين أو سد فقر الخيال لدى "الناقل".
والنتيجة بالطبع عمل مشوه يفتقر للأصالة ويعد انتهاكا أخلاقيا وقانونيا لحقوق الملكية الفكرية.
في التراث العربي صنّف النقاد أنواعًا من السرقات الأدبية في الشعر إلى:
1. النسخ الحرفي (النحل): وهو نقل بيت شعري كامل ونسبته للذات، وهو أقبح أنواع السرقة.
2. المسخ: وهو أخذ بيت لشاعر آخر وتغيير بعض كلماته فقط مع الحفاظ على القافية والوزن والمعنى.
3. السلخ: وهو أخذ المعنى كاملاً والتعبير عنه بألفاظ مختلفة تماماً، ويعده البعض "اقتباسا" إذا تم تطويره، أو "سرقة" إذا كان المعنى نادراً ومبتكراً.
4. وهناك أيضا عكس المعنى إلى ضده، وأخذ المعنى والزيادة عليه.
ومن الأمثلة التراثية قول جرير:
ولما التقى الحَيّانِ أُلقيَت العصا = ومات الهوى لمّا أُصيبت مَقاتلُهْ
وهي لشاعر يدعى طفيل الغنوي حسب بعض المصادر.
وقول المتنبي:
أَأُحِبُّهُ وأُحِبُّ فِيهِ مَلاَمَةً؟! = إِنَّ الْمَلاَمَةَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ
وهو إعادة صياغة لقول أبي شيص:
أَجِدُ المَلاَمَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيدَةً = حُبّاً لِذِكْرِكَ فَليَلُمْنِي اللُّوَّمُ
أما عن السرقات الأدبية المعاصرة فحدّث ولا حرج، تجد نفس القصيدة كاملة منشورة باسم عدد من الشعراء، وصفحات التواصل الاجتماعيّ مليئة بالأمثلة.
لماذا يجدها النقاد "قضية شائكة"؟
تكمن الصعوبة في المنطقة غير الواضحة بين التناص والسرقة الأدبية، حيث يطرح النقاد تساؤلات مثل:
1. الموارد المشتركة: هل فكرة "البطل الذي يضحي بنفسه" مثلاً في ملحمة جلجامش وغيرها ملك لأحد أم يمكن لأي شاعر أن يتبناها في نصه؟ والنقاد يفرقون بين "التوارد" (اتفاق العقول على فكرة عامة) وبين السرقة في التفاصيل.
2. الوعي واللاوعي: أحياناً يكتب الأديب جملة قرأها قبل سنوات وظن أنها من إبداعه (ذاكرة خفية)، فهل يُحاسب عليها كـ "سارق"؟
3. المعايير الرقمية حاليا: مع ظهور أدوات كشف الانتحال المتقدمة، أصبح النقاد يواجهون تحدي التفريق بين "التشابه" في الكلمات وبين "السرقة الفنية" للروح والرؤية.
4. التحويل (Transformation): في التناص، يغير الكاتب معنى النص الأصلي ليخدم فكرته. في السرقة، يبقى المعنى كما هو. ومع ذلك اتهم كبار الشعراء ومنهم المتنبي وأبو تمام وجرير وأبو نواس بالسرقة رغم أنهم طوروا في الفكرة وقدموها بشكل أجمل!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...