شهادات خاصة طارق الأسمر/فاطمةالبسريني. محامية من مكناس تكتب بالميزان والقلم بين قاعات المحاكم وصفحات الأدب رحلة امرأة مغربية جمعت بين صرامة القانون ورهافةالإبداع





في أحد أحياء الدار الحمراء، وتحديدًا في عام 1958، أبصرت النور فتاة قدّر لها أن تحمل في كفّها ميزان العدالة، وفي كفّها الآخر ريشة الأدب. لم تكن فاطمة البسريني مجرد طفلة عادية، بل كانت منذ نعومة أظافرها تنسج الحكايات وتغزل الكلمات، وكأنها وُلدت وفي قلبها حبرٌ لا ينضب.
كبرت فاطمة في حضن مدينة تنبض بالحياة، وتفتّحت عيناها على عالمٍ تتقاطع فيه الحكايات والحقوق، فاختارت أن تسلك طريقين متوازيين: طريق القانون، حيث العدالة هي البوصلة، وطريق الأدب، حيث الكلمة هي السلاح.
فقد درست الحقوق وتخصصت في القانون الخاص، ثم أضافت إلى جعبتها شهادة في اللغة العربية وآدابها، شعبة الأدب العربي. لم تكتفِ بذلك، بل واصلت التعمق في القانون المقارن، وارتادت رحاب النقد الحديث في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، لتجمع بين صرامة القانون ورهافة الأدب.
فمنذ أيام الدراسة الإعدادية والثانوية، كانت فاطمة تكتب. لم تكن تكتب لتملأ فراغًا، بل لتملأ العالم بصوتها، بحكاياتها، بصرخاتها المكتومة، وبأحلامها التي لا تعرف الانطفاء. كتبت القصة، والقصة القصيرة، والقصيرة جدًا، والمقال الأدبي والاجتماعي، والخاطرة، والقصيدة النثرية. كانت الكلمات تتدفق من قلمها كما يتدفق النهر في موسم الفيضان، لا يعرف التوقف ولا يعترف بالحواجز.
كما أصدرت فاطمة أربع مجموعات أدبية عن دار همسة للنشر والتوزيع بالقاهرة، أبرزها "أنا لست امرأة"، التي نالت بها المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة بمصر، لتُعلن عن نفسها كصوت نسائي جريء، يرفض القوالب الجاهزة، ويعيد تعريف الأنوثة من منظور القوة والكرامة. ثم تتابعت الإصدارات: "الآتون"، "الروح المجرمة"، و"أكفر بالصمت"، ديوان شعري في قصيدة النثر، حيث تبوح فيه بأسرارها، وتصرخ في وجه الصمت الذي طالما خنق الأرواح.
وفي أكتوبر 2023، أصدرت عن جامعة المبدعين المغاربة مجموعة قصصية بعنوان "أكتب داخل رأسي"، وكأنها تعلن أن الكتابة ليست فعلًا خارجيًا فحسب، بل هي حياة داخلية، صاخبة، لا تهدأ.
ولكنها لم تكن فقط كاتبة، بل كانت أيضًا فاعلة ثقافية وجمعوية. منذ عام 1979، وهي عضو في الرابطة الشعرية بمكناس، وناشرة ومحررة في مجلة "السفير المكناسي"، كما نشرت مقالاتها وقصصها وقصائدها في جريدة "العلم"، و"الاتحاد الاشتراكي"، و"البيان الثقافي"، وغيرها من المنابر.
ففد امتد حضورها إلى الموسوعات الأدبية، فكانت عضوًا في الموسوعة الحديثة للشعراء والأدباء العرب، وكتبت في مجلة "أمارجي السومرية" بالعراق، و"المدارات الثقافية"، و"سطور الأدبية"، وغيرها من المجلات التي احتفت بكلمتها.
حيث شاركت في كتب جماعية، منها "نيكتوفيليا أو صديق الليل"، و"الفصول الأربعة"، و"شدو في الحب والحياة"، و"حديث الليالي الباردة"، و"لنزرع الأمل والسلام"، و"قصر الشعراء". كما نالت جوائز في مهرجانات أدبية دولية، منها المرتبة الثالثة في مهرجان القاهرة 2020، والخامسة في 2021، وشاركت في مهرجان "عبق الخريف للثقافة والإبداع" بمكناس في أكتوبر 2023.
كما لم تكن فاطمة البسريني تكتب فقط، بل كانت تناضل. انخرطت في العمل الجمعوي، فساهمت في جمعيات تهتم بالأسرة، والمرأة، والطفولة، وكانت من الأصوات النسائية التي آمنت بأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا نحو التغيير، وأن العدالة لا تكتمل إلا إذا كانت مصحوبة بوعي ثقافي وإنساني.
واليوم، وهي تنتمي إلى جمعية "عبق الخريف للثقافة والإبداع" بمكناس، وتشارك في منتديات ثقافية بدور الشباب في مختلف المدن المغربية، لا تزال فاطمة تكتب، وتناضل، وتحلم. أكثر من أربعة دواوين شعرية ومجموعات قصصية تنتظر النشر، وكأنها تقول: "ما زال في القلب متّسع، وما زال في الحبر حياة"، فإن فاطمة البسريني ليست فقط محامية، ولا فقط كاتبة. إنها امرأة من زمنٍ نادر، جمعت بين القانون والحرف، بين الصرامة والجمال، بين الدفاع عن الحق، والدفاع عن الحلم ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...