تيودور جيريكو، الرؤوس المقطوعة ( 1818)
لم يكن يهدأ.
استفسر صاحبه قائلاً: ماذا دهاك!
رد:
-إنه الخازوق!
باستغراب سأله صاحبه:
-ماذا قلت؟
جاء الجواب في الحال:
-الخازوق. ألا تعرف الخازوق؟
لم يستوعب صاحبه كلامه:
-عن أي خازوق تتحدث؟ ماذا جرى؟.
رد:
-الخازوق الذي نعْلمه جميعاً، الخازوق الذي ليس سواه .
بصوت لا يخفي حيرة قال له صاحبه:
-أنا لا أفهمك حقيقة!
كان الجواب نفسه، وصادماً هذه المرة:
-لأنك ، ببساطة، تجهل أو تتجاهل الخازوق الذي يخصك!
بنبرة عصبية قليلاً، قال له صاحبه :
-لا بد أن هناك خطْباً ما.
رد:
-الخطب! ومنذ متى كنتَ أو أنا بمنجى من الخطوب؟
حاول صاحبه ضبط نفسه، ليسأله بعدها، وبمسحة سخرية:
-أنِرْني يا صاحبي!
جاء صوته واضحاً كل الوضوح:
-اليوم شعرتُ بخازوقي. وكم يوجعني هذا الخازوق. ألا يقال: طفح الكيل، أو بلغ السيل الزبى؟ هكذا جرى معي... وقد اكتشفت بسبب ذلك، أن كلاً منا يولد معه خازوق مع ولادته، ويتلون، كما يتغير، معه، ويرافق مدى العمر، ويستحيل أن يكون هناك من يستطيع التأكيد أنه لا يعاني من وجع خازوق داخله، وإن تحرّى أمره سيسهل عليه اكتشافه. حتى أنت نفسك..
أوقفه صاحبه بقوله:
-لم أعهد ما أسمعه منك سابقاً!
رد ببعض سخرية:
-طبعاً.. طبعاً..يتحامل كل منا على نفسه، بدوافع كثيرة. كأن يكابر.كأن يتعلى على نفسه، ويتوهم أن كل شيء طبيعي. ويعلم في قرارة نفسه جيداً ، أن ليس من يوم، وأقل من يوم، يمر عليه، إلا ويتعرض لخازوق، أو لنفاذ أثر خازوق، بحسب الحالة والموقف.. حياتنا، ودون استثناء،هي التحرك على مجموعة من الخوازيق..مع الذين يحيطون بك، ومع الذين تلتقيهم للمرة الأولى، أو حين يعرض كل منا أحياناً سواه، حتى الأقرب منه لخازوق، ليؤكد لنفسه أنه خال من العاهات الخازوقية، فوق الخازوق..أو عند القيام بعمل معين، أو تقديم معاملة معينة، أو حين تريد التعريف بنفسك في وسط يتجاهلك.. هنا تكثر الخوازيق.. ولكثرتها لا نعبأ بها، إنما أحياناً لا نعود نتحمل، فنصرخ أو نتلوى ألماً، تأكيداً على حرقة الخوازيق التي نخشاها، ونخجل من تسميتها، وهكذا يكون كل منا معروفاً بخوازيق تتناسب ووضعه، وطبيعة تناوله للأمور.
أوقفه صاحبه مجدداً:
-أنت تعمم!
رد سريعاً:
-بل أزيدك علماً.. الأكثر صمتاً وسكوتاً، ومعاناة مع من حولهم، هم أكثر من يعرفون حقيقة الخازوق، ولماذا وجد.
وابتلع ريقه ليستدرك قائلاً:
-سأكررها وأسميها بطريقة أخرى: من يتعرض لإهانة ما ويسكت، من يُضرَب على قفاه بقصد احتقاره، من يتجرع الغصص هنا وهناك، وهو يتعرض لإحباطات، من يغفل عما يجري، من يتصنع الضحك، في كل ذلك يكون الخازوق حاضراً..نعم، كلّ منا محمول على خازوق وهو يتنقل به.
وبصوت أكثر حدة واحتقاناً هذه المرة:
-عندما يحل الليل ولا تعرف ما إذا كنت ستسلم حتى الصباح. وعندما تخرج من البيت صباحاً، ولا تعرف ما إذا كنت سترجع سالماً إلى بيتك. وعندما تحار في تدبير حاجاتك البسيطة جداً. وعندما تخاف على صغارك وأنهم لن يكبروا كغيرهم ، أو وهم يعيشون في خوف، وعندما تكون مهدداً هنا وهناك.. كلها خوازيق. وإن شئت خازوق واحد، وله أشكال وألوان وأحجام وأوجاع وآلام مختلفة، تستغرق عليك كامل حياتك...
ببعض ابتسامة أسمعَه عبارة:
-يبدو أنك خبير خازوقيّ؟
كأنما كان ينتظر منه تعليقاً كهذا، وهو يوسّع دائرة تسمياته وتوصيفاته:
-لست خبيراً خازوقياً. إنما ما أنا وأنت وسوانا عليه في خيبات آمالنا، وما لا يحصى من حالات الذل والخداع ووهم الحياة السعيدة ممن يزعمون أنهم يعملون من أجلنا..والخازوق يكبر ويتنوع بأوصافه..والمصائب لا تكف عن ملاحقتنا، والهزائم لا تنقطع في إيلامنا..وهل أنا أبالغ إذا قلت أنه يمكن أن تفسّر ما يجري حولك بإيجاز شديد خازوقياً. هناك التفسير الخازوقي للتاريخ، حين يُكتَب باسمك التاريخ ، وأنت لا قيمة لك، وهناك التفسير الخازوقي للمجتمع، حين يشار إليك، وأنت لا صوت لك. هناك التفسير الخازوقي للسياسة، حين تسمع وتقرأ من يسمّي لك حقوقك، وتزداد تهميشاً وتعرضاً للإذلال أنت وعائلتك، وتنتقل من سيء إلى أسوأ..الأفظع من ذلك، هم أولئك الذين يشعلون صراعات وحروباً، ويعرّضون جماعات وشعوباً للخازوق، رافعين شعارات الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان..ورغم ذلك، تجد من يوهم نفسه أنه خال من إصابات الخازوق وأعراضه، يقبل الإهانات، وهو مطأطىء الرأس، خانعاً، بل يتقبل ذلك بأريحية، كأنما الخازوق أفقده وعيه..
هنا رفع صاحبه يده، وهو بادي التأثر بما سمع، لعلّه يخفّف من اندفاعه ويؤاسيه:
-من المؤكد أن الذي يتزعم الآخرين، من يحكم بلداً ما أو سواه، يتحكم بحركة الخوازيق ويعرفها بأسمائها. أليس كذلك.
استقام الآخر، وهو يرد بصوت جهوري وحانق:
-وهذا ما يجب عليك وعلى غيرك معرفته، وهو أن أياً من هؤلاء ، ينتظره أو في انتظاره خازوق أكبر من كل الخوازيق المعهودة، بما يتناسب وموقعه. الأنكى من ذلك، أن أحدنا" أنا أو أنت، مثلاً" يمكنه أن يشكو وجعه المرتبط بخازوق ما، أن يصرخ، أن يبكي، سوى أن أياً ممن ذكرت، لا يمتلك هذه الميزة، هذه اللحظة، لأن ليس هناك من يمكنه سماعه، أو النظر إليه، وهو صائرُ على خازوق يعدِم فيه صوته وحركته جهاراً..
بدا صاحبه ذاهلاً، وهو يرى ويسمع ما لم يألفه من قبل، ودون وعي منه تحسس مؤخرتَه بيديه الاثنتين!