ليال الحربي - وهم السقوط و(عجل) التي بقيت... مقالة ساخرة

في سبعينات القرن الماضي، خرج قائدُ الضرورة إلى العلن مرتديا بدلة رسمية كاملة قميصا ورباط عنق سترة وبنطالا ثم ألقى فوق هذا الانضباط المدني عباءة عربية، كما لو أنه لم يحسم أمره بعد. في اليوم التالي جاء عزّت الدوري والمعروف باسمه المحلي عزوز أبو الثلج، جاء بالزي ذاته تقريبا وبذلك تحولت العباءة إلى عدوى سلطوية تنتقل بالمشاهدة فحسب. تعلقت بهم الأبصار بدهشة صامتة، إذ بدا المشهد غريبا ومريبا معا، حضارتان متخاصمتان أُجبرتا على التعايش فوق جسد واحد. رباطُ عنق يخنق القبيلة وعباءةٌ تُربك البروتوكول

في عامي 1979–1980، زار قائد الضرورة محافظة ديالى مرتديا زيّا من قطعتين لا يجمعهما منطق، بدلة بيضاء ناصعة وحزاما أسودا مشدودا، مسدسا معلقا بإيحاء أخلاقي وشماغا أحمر فوق الرأس. كان المشهد إعلانا غير مكتوب "هكذا تُلبَس السلطة الجديدة". ومِن خلفه، تبع الجمع الغفير هذا الاكتشاف البصري فارتدى الشماغ ذاته حتى سقوط النظام.

في الاجتماعات، حضر قائد الضرورة مرة ببدلة زيتونية ففهم الوزراء الرسالة أسرع من فهمهم الملفات. في اليوم التالي، ارتدوا جميعا البدلة الزيتونية نفسها، هذا بنصف كم صيفي وذاك بكمّ شتوي لكن بلا رتب إذ لم تكن الرتبة ضرورية ما دام التقليد كاملا. واستمروا على هذا الزي حتى مل منهم القائد؛ فالطاعة حين تتحول إلى عادة تفقد سحرها. عندها فقط، منحهم رتبة خاصة بهم؛ لتمييزهم من بين أنفسهم. هكذا كانت السلطة تُدار بالخزانة وما يرتديه القائد اليوم يصبح غدا سياسة دولة.


(عجل)

قالها عَجل فالتقطها الأرنباري والموصلي والديالي والجنوبي والسامرائي مع أنها ليست مفردة وطنية ولا قومية ولا حتى عسكرية. إنها كلمةٌ محلية خالصة تُقال في بوادي العوجة ويتداولها أهلها فيما بينهم كعلامة تعارف لا كأمر إداري. مفردة خاصة ضيقة الجغرافيا ومحدودة النسب، لا تعرفها اللهجات إلا من باب الفضول لكن ما إن خرجت من فم قائد الضرورة _ وهو ابن العوجة ولهجته لهجتها_حتى تحولت إلى قانون غير مكتوب. في الجنوب صارت تتردد على فم كل حزبي وبالأخص الصماخ الچبير في الدولة أو مسؤول فرقة حزبية ومسؤول فرع. في الجيش، قيلت حصرا من أفواه الضباط دون الجنود.

جمع الضباط صاحت بـ ( عجل) ولا سيما ضابط الاستخبارات ومَن داوم في العسكر حينها يفهم تماما ما أقصده، هي ليست دعوة للسرعة بقدر اختبار طاعة وصفعة لغوية حتى لو كان الضابط من البصرة أو النجف صاح بها بلهجة ليست له كمن يرتدي زيًّا لا يناسب مقاسه لكنه يمنحه سلطة. هكذا بدأت الكلمة، لهجةَ أرض محددة وهكذا انتهت،صرخة دولة كاملة قالها القائد أولا ثم قالها الآخرون من بعده للتقليد والهيبة واللواگة.


عَجَل والعوجة وما بعد 2003

بعد 2003، صمتت العوجة فجأة. ابن العوجة—البطل الذي خرج منها—صار لا يذكرها وابن العوجة نفسه استبدل عجل بـ لعد، كأن اللسان قدم اعتذارا متأخرا للتاريخ حتى برزان وطبان وسبعاوي تحوّلت أسماء ابنائهم إلى حكايات قديمة وظهر بدلهم جيلٌ بأسماء أقل فظاظة وأكثر حذرا مثل لؤي، دريد وساهي. استُبدلت مفردة عَجَل يابا ب (دا اگولك) بقاعدة نُطق لا تقبل الاجتهاد. من يخطئ فيقول چا بدل دا، يتلقّى صفعة على فمه فيخرج الصوت متقطعا: جا، جا، جا حتى يستقيم اللسان والجميع بات ينطق بـ"وعجل فرجهم". أما نساؤهم، فتخلين عن زيهن الخاص وارتدين البرمودا، لا اقتناعا بالحداثة بقدر طاعة لإشاعة جديدة عن شكل الزمن. والسائقون بدورهم تخلوا عن الجوبي والربابة واستبدلوهما بنغمات سعدي الحلي، إذ لا شيء يعبّر عن الانضباط الوطني مثل الموسيقى.

ملئوا جوامعهم بالتُرَب حراسة من العين لا لأنهم يصلون عليها. هم فقط يرون أن التراب صار تعويذة سياسية ثم صاروا يُصدرونها إلى جامع أمّ البنين _ الذي كان يُدعى يوما جامع صدام الكبير _ .تُرَبا مطبوعة بعناية "الله، محمد، خامنئي"، كأن الطباعة تُغني عن الإيمان وكأن الختم يعوض الركوع. وعندما يصلّي أحدهم، لا يصلي كما يصلي الناس لا مجتفا كاملا ولا فاتح اليدين عن يقين بل ذراع مجتف وذراع باسط يديه، صلاةٌ بنظام القطعتين، تقيّة على مقاس المرحلة.

أما ( عجل) هذه الكلمة الصغيرة التي خرجت يوما من فم واحد فإن قيلت اليوم وخرجت من فاه خارج حدود العوجة ومن داخلها فليست استعجالا ولا أمرَ عمل ولا حتى عادة لسان، إنها إهانةٌ مباشرة وتذكيرٌ فجّ بأن قائد الضرورة ما زال يسكن الأفئدة وأن صورته وإن أُزيلت من الساحات لا تزال معلقة عند مداخل البيوت في مكان لا تصل إليه الجرافات.


أهلُ العوجة ومَن كانوا مستفيدين ماديا من النظام

منذ السقوط حتى هذه اللحظة يعيشون في وهم السقوط. فالذي سماه الآخرون تحريرا وصلهم بوصفه إشاعة مبالغا فيها. سقط النظام نعم لكن ليس إلى الحد الذي يستدعي تصديقه. ومَن تعرض للظلم احتفل أما هم فتعاملوا مع الحدث كما يتعامل المؤمن مع نبوءة لا توافق مصلحته، بالشك ثم بالإنكار ثم بإعادة ترتيب الإيمان.

بدا السقوط خللا في الإخراج لا في النص. كيف تسقط دولة كانت تعرف أسماءهم وتلفظ لهجتهم وتفهم كلمة عَجل بلا شرح؟ لا بد أن في الأمر سوء تفاهم تاريخي أو لجنة تحقيق ستعيد كل شيء إلى نصابه. لذلك انتظروا عودة بسيطة بروتوكولية تعيد للزمن لياقته.

الطريف أنهم لم ينكروا الواقع بقدر ما أنكروا معناه. فالدبابات عبرت والتمثال سقط والصور مزقت لكن الهيبة؟ تلك بقيت محفوظة في الذاكرة كوثيقة سرية. ومن لا يرى في السقوط فرحة، لا بد أن يراه كابوسا والكابوس كما نعلم لا يُصدَّق إلا بعد الاستيقاظ وهم لم يستيقظوا بعد

الحقيقة الأزلية: أنّ البعث مات وانتهى من دون أن يُدركوا حتى ذلك.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...